بين المدرجات والركام: حين تجتمع حبّة الكورة ونبض القضية الفلسطينية

بين المدرجات والركام: حين تجتمع حبّة الكورة ونبض القضية الفلسطينية

Rating 5 out of 5.
1 reviews

بين المدرجات والركام: حين تجتمع حبّة الكورة ونبض القضية

 

 

image about بين المدرجات والركام: حين تجتمع حبّة الكورة ونبض القضية الفلسطينية

 

الكورة، مجرد تسلية وليست من عظائمها
الكورة، لهو ولعب وليست إلا من سفاسفها
إن كانت تشغل عن الطاعات ابتعدنا عنها
ستسأل يوم القيامة عن أمور انشغلنا بها
تركنا الواجبات وعظائم الأمور عفا الله عنا

هكذا قال الشاعر،خالد حسن 

 فنظر إلى الكرة بعين الزاهد، ورآها لهوًا وتسليةً تشغل عن الجادّات. وهو محقّ في جانب، فلكل شيء قدره، ولا ينبغي أن تطغى المتعة على الواجب. لكنّ الحقيقة الأعمق أن الكورة، في سياقات معينة، تصير أكثر من مجرد لعبة. تصير صوتًا، وصورة، ورسالة. وفي زمن يموت فيه الأبرياء في غزة تحت القصف، وتُهدَم الملاعب فوق رؤوس الأطفال، تصير الكرة – متناقضًا مع قول الشاعر – واحدة من عظائم الأمور.

---

غزة تشاهد المونديال.. من تحت الركام

بينما تحتفي ملاعب الولايات المتحدة وكندا والمكسيك بانطلاق كأس العالم 2026، يتابع الفلسطينيون في قطاع غزة البطولة بطريقة مختلفة تمامًا. لا شاشات عملاقة ولا مهرجانات جماهيرية، بل شاشات صغيرة تعمل على مولدات الكهرباء في مقاهٍ مؤقتة، وسط انقطاع التيار وتقطّع الإنترنت. في مخيمات النزوح، يتجمع العشرات حول أجهزة نادرة لمشاهدة المباريات، ليس هروبًا من الواقع فقط، بل تمسّكًا ببقايا الحياة.

يقول أحد النازحين من مدينة غزة: "العالم يحتفل بكرة القدم بينما نحن قلقون بشأن ما إذا سيكون لدينا ما يكفي من الطعام غدًا". ويضيف آخر: "عندما تظهر الكاميرات الملاعب في الولايات المتحدة، أفكر في مدى اختلاف واقعنا. نفس الدولة التي تستضيف أكبر بطولة كروية في العالم هي نفسها التي وقفت خلف إسرائيل طوال هذه الحرب".

هذا التناقض المؤلم هو ما يجعل متابعة الكرة في غزة عملاً سياسيًا بامتياز، ليس لأن الفلسطينيين يريدون ذلك، بل لأن السياسة فرضت نفسها على كل تفاصيل حياتهم.

لماذا شجّعت غزة إسبانيا على حساب العرب؟

في مشهد مفاجئ للكثيرين، احتشد مشجعو غزة في مقهى بمدينة غزة لمشاهدة مباراة إسبانيا والسعودية، وعلت صرخات الفرح مع كل هدف إسباني. السؤال الذي يطرح نفسه: لماذا يفضّل فلسطينيون فريقًا أوروبيًا على فريق عربي؟

الجواب يكشف البعد السياسي للكرة. فإسبانيا كانت من أشد الدول الأوروبية انتقادًا للحرب الإسرائيلية على غزة، واعترفت بدولة فلسطين عام 2024، وطالب ملكها فيليبي السادس إسرائيل بوقف "أفعالها البشعة" في القطاع. يقول محمد عطالله، محامٍ من غزة: "نحن شعب يحب الحياة ويعشق الكرة... لكن موقف إسبانيا خلال الحرب جعل الناس تشعر بقرب أكبر منها".

هكذا تحوّلت الكرة في غزة إلى مرآة للسياسة. لم يعد التشجيع مجرد حب للعبة، بل رسالة تضامن مع من وقف إلى جانب الفلسطينيين في محنتهم. "نشعر بالفخر تجاه كل من وقف إلى جانب الشعب الفلسطيني في هذه الظروف. لذلك يدعم كثيرون هنا إسبانيا، ليس لأجل الكرة فقط، بل لأجل هذه المواقف الإنسانية"، يضيف عطالله.

---

محاكاة المونديال.. رسالة حياة من بين الأنقاض

لم يكتفِ أبناء غزة بالمشاهدة، بل أطلقوا فعاليات "محاكاة كأس العالم 2026" على ملعب يقع على مقربة من المناطق الحدودية، في رسالة تحدٍ وإصرار على التمسك بالحياة.

يقول الصحفي الرياضي أحمد أبو دياب: "البطولة جاءت لتؤكد حق أبناء غزة في أن يعيشوا أجواء المونديال رغم الظروف الصعبة... لتؤكد رسالة مفادها أن غزة تستحق الحياة والفرح وممارسة الرياضة".

على مدرجات الملعب الذي نجا من القصف، حضرت صور ثلاثة من الشهداء الرياضيين الذين كان لهم بصمة في الملاعب الدولية. طفل فلسطيني بلا ساقين يلعب الكرة بين خيام النزوح، وفريق "غزة للإرادة" يطارد الكرة على عكازات. هذه ليست مجرد رياضة، هذه مقاومة وجود.

 

الكورة ليست سفاسف حين تكون صوتًا لمن لا صوت لهم

نعم، الكورة لهو ولعب. نعم، لا ينبغي أن تشغلنا عن واجباتنا. لكنّ الكورة، في سياقها الفلسطيني، تصير أكثر من ذلك بكثير.

الكورة في غزة هي:

 

 

image about بين المدرجات والركام: حين تجتمع حبّة الكورة ونبض القضية الفلسطينية

 

· صوت يصل إلى العالم عندما تعجز السياسة.
· حياة تُمارَس فوق الركام تأكيدًا أن الاحتلال لم يقتل الروح.
· تضامن حين ترفع الأعلام الفلسطينية في مدرجات المونديال.
· رسالة بأن الفلسطينيين شعب يحب الحياة، كما قال الشاعر محمود درويش.

في كأس العالم قطر 2022، كان العلم الفلسطيني أحد أكثر رموز البطولة ظهورًا. وفي مونديال 2026، تواصل الجماهير من الجزائر إلى البوسنة رفع الصوت لفلسطين. هذا المشهد العالمي يذكّرنا أن القضية الفلسطينية ليست قضية فلسطينيين وحدهم، بل قضية كل ضمير حي في العالم.

 

ختامًا: بين التشجيع والواجب

نعم، سنشجّع منتخباتنا المفضلة، وسنفرح بالأهداف، وسنعيش لحظات المونديال بحماسة. لكنّ ذلك لا يعني أن ننسى إخواننا في غزة الذين يشاهدون المباريات من تحت الركام، والذين حوّلت الحرب ملاعبهم إلى أنقاض وأحلامهم إلى تحديات يومية.

الكورة ليست سفاسف حين تكون نافذة أمل لشعب يحاصره الظلم. وليست تسلية فارغة حين تتحول إلى منصة تضامن عالمية. المطلوب منا، كمشجعين وكإنسانيين، أن نجمع بين حبّ الكرة وحبّ القضية، وأن نتذكر دائمًا أن كأس العالم ليست مجرد بطولة، بل هي، بالنسبة لفلسطين، فرصة لإسماع الصوت للعالم.

غزة تستحق الحياة. وغزة تستحق أن تكون جزءًا من كل فرحة كروية.

 

فلسطين في القلب.. والكورة في العين.. والمونديال في المشهد.. والقضية في الوجدان.

 

comments ( 0 )
please login to be able to comment
article by
Ahmed Abd elfattah Rating 4.99 out of 5.
articles

46

followings

60

followings

181

similar articles
-