الاب فاقد البصر و الابن خير عون له فى محنته اسمى معانى البر

الاب فاقد البصر و الابن خير عون له فى محنته اسمى معانى البر

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

الاب فاقد البصر و الابن خير عون له فى محنته 

 

image about الاب فاقد البصر و الابن خير عون له فى محنته اسمى معانى البر

انتشرت في الساعات الماضية صورة مؤثرة لعامل بناء يحمل على كتفيه كميات من الطوب والرمل، وإلى جواره طفل صغير يمسك بيده، في مشهد يقال إن العامل فيه فاقد للبصر، وابنه الصغير هو من يرشده وسط الموقع. الصورة التي أثارت تعاطف الملايين ليست مجرد مشهد عابر، بل هي قصة كفاح إنسانية تعكس معنى الأبوة الحقيقي، وتجسد بر الابن بأبيه في أبهى صوره.

الأب.. الراعي الأول والأمانة العظيمة

في الإسلام، الأبوة ليست مجرد نسب، بل هي مسؤولية عظيمة وأمانة ثقيلة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راعٍ وهو مسؤول عن رعيته، والرجل في أهله راعٍ وهو مسؤول عن رعيته". فالأب هو القائد الأول في البيت، وهو القدوة التي يقتدي بها الأبناء، وهو السند الذي يستندون إليه في محن الحياة.

إن دور الأب لا يقتصر على توفير لقمة العيش، بل يمتد ليشمل التوجيه والرعاية وبناء الشخصيات. يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾، فهذه الآية تحمل الأب مسؤولية تربية أبنائه وتعليمهم وتأديبهم، ليكونوا صالحين في دينهم ودنياهم.

وهذا العامل الكفيف الذي يحمل الطوب على كتفيه، رغم فقدانه للبصر، يجسد هذه المعاني بكل جدارة. إنه لا يطلب العون ولا يشتكي، بل يواصل السير رغم الظلام الذي يحيط به، لأنه يعلم أنه الراعي الأول لأسرته، وأن التخلي عن مسؤوليته ليس خيارًا أمامه. إنه يكافح من أجل لقمة العيش ليس لنفسه فقط، بل لأبنائه الذين هم أمانة في عنقه.

بر الأبناء.. رد الجميل وطريق الجنة

وإذا كان الأب يؤدي دوره على أكمل وجه، فإن الجزاء من جنس العمل. الإسلام لم يغفل عن حق الأب على ابنه، بل جعله مقرونًا بحق الله نفسه. يقول الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، فهو سبحانه قرن عبادته بالإحسان إلى الوالدين، ليعلمنا عظم منزلتهما.

وفي السنة النبوية، حث النبي ﷺ على بر الوالدين وجعله من أحب الأعمال إلى الله. فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي ﷺ: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: "الصلاة على وقتها"، قال: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين"، قال: ثم أي؟ قال: "الجهاد في سبيل الله". فبر الوالدين يأتي في المرتبة الثانية بعد الصلاة، وقبل الجهاد في سبيل الله، وهذا يبين عظم مكانته.

بل إن النبي ﷺ جعل بر الوالدين سببًا لدخول الجنة، وعقوقهما سببًا للحرمان منها. قال ﷺ: "رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه"، قيل: من يا رسول الله؟ قال: "من أدرك والديه عند الكبر، أحدهما أو كليهما، ثم لم يدخل الجنة". وفي حديث آخر، قال ﷺ: "الوالد أوسط أبواب الجنة، فإن شئت فأضع هذا الباب أو احفظه".

مشهد العامل وابنه.. تجسيد للبر في أبهى صوره

وهذا الطفل الصغير الذي يمسك بيد أبيه الكفيف، ويرشده وسط مخاطر موقع البناء، يجسد معنى البر في أبهى صوره. إنه لا ينتظر أن يكبر ليرد الجميل، بل يبادر بالبر منذ صغره، مقدمًا لأبيه ما يستطيع من عون وسند. إنه يرد الجميل الذي لا يُرد، فالأب كان له عونًا في صغره، والآن أصبح الابن عونًا لأبيه في كبره وضعفه.

يقول الله تعالى في دعاء المؤمن: ﴿رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. وهذا الطفل يفعل ذلك عمليًا، فهو يرحم أباه ويساعده كما رباه صغيرًا. إنه يدرك -ربما دون أن يشعر- أن بر الوالدين ليس مجرد كلمات تقال، بل أفعال تُبذل، وتضحيات تُقدم.

رسالة إلى كل ابن وكل أب

هذا المشهد الإنساني المؤثر يحمل في طياته رسالة إلى كل ابن: بر أبيك قبل أن يفوت الأوان، فالأب لا يطلب منك الكثير، قد يطلب نظرة حنون، أو كلمة طيبة، أو يدًا تمتد لتسنده في كبره وضعفه. قال تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾.

كما يحمل رسالة إلى كل أب: استمر في كفاحك ولا تيأس، فكفاحك من أجل أبنائك ليس عبثًا، بل هو استثمار في مستقبلهم، وفي برهم بك غدًا. فكما تدين تدان، وكما تزرع تحصد.

وختامًا، نقول كما قال رسول الله ﷺ: "لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه". فجميل الأب على ابنه لا يُرد، ولا يُكافأ، إلا بأن يكون الابن سببًا في عتق رقبة أبيه من النار، ببره وإحسانه إليه. وهذا الطفل الصغير في الصورة، بكفه الصغيرة التي تمسك بكف أبيه الكبيرة، يعلمنا أن البر يبدأ بخطوة، وأن الجنة تنتظر من يحافظ على أوسط أبوابها.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
احمد عبد الفتاح تقييم 4.99 من 5.
المقالات

108

متابعهم

129

متابعهم

277

مقالات مشابة
-