من هواء الصحراء ماءً نقيًّا: ثورة علمية تحل أزمة العطش
من هواء الصحراء ماءً نقيًّا: ثورة علمية تحل أزمة العطش

تخيل للحظة أنك تقف في قلب صحراء قاحلة، تحت شمس حارقة، ولا ترى قطرة ماء في الأفق. تخيل أن الهواء الجاف الذي تتنفسه يمكن أن يتحول، بسحر العلم، إلى ماء نقي يروي عطشك. هذا ليس خيالًا علميًا، بل هو واقع صنعه عربي من لاجئ عاش شح المياه، ليصبح واحدًا من أعظم علماء العالم.
الرجل الذي تحدى المستحيل و صنع الماء من الهواء
عمر مؤنس ياغي، عالم كيمياء أردني من أصل فلسطيني، ولد عام 1965 في عمان لعائلة لاجئة. نشأ في مخيمات اللاجئين حيث كان الماء يأتي مرة كل أسبوع أو اثنين، لبضع ساعات فقط. يتذكر ياغي تلك اللحظات التي كان فيها يسمع همسًا في الحي: "الماء قادم"، ليركض مع سكان الحي لملء كل وعاء يمكنهم إيجاده. لم تكن مجرد ذكريات طفولة، بل كانت بذرة ثورة علمية ستغير العالم.
في الخامسة عشرة من عمره، رفض ياغي عرض والده بالسفر إلى أمريكا، مفضلًا الذهاب إلى روسيا لدراسة الطب بمنحة كاملة. لكن القدر قاده إلى الولايات المتحدة حيث وصل بمفرده، يتقن القليل من الإنجليزية، يعيل نفسه بتعبئة البقالة وتنظيف الأرضيات. من هناك، بدأ رحلة استثنائية قادته إلى قمة العلم.
جوهرة التاج: الأطر الفلزية العضوية
ما الذي جعل ياغي يستحق جائزة نوبل في الكيمياء عام 2025؟ الإجابة تكمن في ابتكاره ثورة علمية تعرف باسم "الكيمياء الشبكية" (Reticular Chemistry)، التي مكّنته من بناء فئة جديدة من المواد تُعرف بـ الأطر الفلزية العضوية (Metal-Organic Frameworks) أو اختصارًا MOFs.
تخيل أنك تبني مبنى باستخدام مكعبات الليغو، لكن على مستوى الذرات. تتكون هذه الأطر من أيونات فلزية (مثل النحاس والزنك) تعمل كـ"نقاط التقاء"، ترتبط بجزيئات عضوية تعمل كـ"جسور" لتشكل شبكة ثلاثية الأبعاد تحتوي على فراغات مجهرية عديدة. والنتيجة؟ مادة مسامية بشكل لا يصدق: غرام واحد منها يحتوي على مساحة سطحية داخلية تعادل ملعب كرة قدم.
هذه المساحة الهائلة هي السر وراء قدرتها على احتجاز جزيئات الماء من الهواء مثل الإسفنجة الجزيئية.
كيف يستخرج الماء من الهواء الجاف؟
يعمل الجهاز الذي طوّره ياغي عبر شركته أتوكو (Atoco) بآلية أنيقة وبسيطة:
في الليل، عندما تنخفض درجات الحرارة، تمتص الأطر الفلزية العضوية بخار الماء من الهواء، حتى في بيئات جافة جدًا حيث تقل الرطوبة عن 20%. وعند شروق الشمس، تعمل حرارة الشمس المنخفضة (أو أي مصدر حراري متواضع) على تحرير الماء المحتجز، ليتكثف بعدها إلى ماء سائل يُجمع ويُفلتر.
الوحدة بأكملها بحجم حاوية شحن بطول 20 قدمًا، وتعمل بالكامل خارج شبكة الكهرباء باستخدام الطاقة الحرارية المحيطة أو ضوء الشمس. قدرتها الإنتاجية تصل إلى 270 غالونًا (نحو 1,020 لترًا) من مياه الشرب النقية يوميًا. وحدة واحدة يمكنها توفير مياه الشرب لمجتمع بأكمله.
فوائد لا تعد ولا تحصى
هذه التقنية ليست مجرد اختراع علمي، بل هي حل لأزمة إنسانية:
أولاً: توفر مياه شرب نظيفة في المناطق الصحراوية والجزر النائية حيث تندر مصادر المياه. في منطقة البحر الكاريبي، على سبيل المثال، تُعتبر هذه التقنية منقذًا للجزر التي تضربها الأعاصير وتجففها موجات الجفاف.
ثانيًا: هي بديل صديق للبيئة لتحلية المياه. بينما تستهلك محطات التحلية كميات هائلة من الطاقة وتنتج مخلفات ملحية ضارة بالبيئة البحرية، يعمل جهاز ياغي بالطاقة الشمسية دون أي مخلفات بيئية.
ثالثًا: يمكنها العمل حتى عند انقطاع البنى التحتية، مما يجعلها مثالية للمناطق المتضررة من الكوارث والجفاف.
وفقًا للأمم المتحدة، يعيش نحو 2.2 مليار شخص دون مياه شرب مأمونة، ويعاني 4 مليارات من ندرة المياه لشهر واحد على الأقل سنويًا. تقنية ياغي تمنح هؤلاء الأمل.
من مخيمات اللجوء إلى قمة نوبل
في أكتوبر 2025، حصل ياغي على جائزة نوبل في الكيمياء مناصفة مع ريتشارد روبسون وسوسومو كيتاغاوا، ليصبح ثاني عربي ينال هذه الجائزة في الكيمياء بعد أحمد زويل. لم تكن الجائزة عن تقنية استخراج الماء فقط، بل عن تأسيسه لعلم الكيمياء الشبكية بالكامل، الذي فتح آفاقًا لا حصر لها في تخزين الطاقة، واحتجاز الكربون، وتنقية الهواء.
واليوم، تستعد شركة "أتوكو" لبدء تلقي الطلبات على أجهزتها في النصف الثاني من 2026، بطاقة إنتاجية تصل إلى آلاف اللترات يوميًا.
---
عمر ياغي لم يصنع ماءً من الهواء فقط؛ بل صنع أملًا لمليارات البشر. قصة لاجئ عانى العطش فأصبح عالِمًا يروي عطش العالم — هذا هو العلم في أبهى صوره.
"العلم موجود، ما نحتاجه الآن هو الشجاعة، شجاعة تتناسب مع حجم التحدي." — عمر ياغي