فلسفة نجيب محفوظ في الأنظمة الحاكمة والمجتمعات

فلسفة نجيب محفوظ في الأنظمة الحاكمة والمجتمعات
قنديل محمد العنابي الملقب "بابن فطومة " كما يناديه اخوته تبرأً من ولادته من أمه ابنة الأزهري الجزار التي تصغر أباه بعشرات السنين والذى مات والده قبل ان يطبع صورته في وعيه تاركا له ثروة تضمن له حياةً رغدةً الى آخر العمر لكنها ستكون رحلة الى بلاد تختلف فيها الأنظمة الحاكمة والأديان والحريات من النقيض الى النقيض
يخرج فيها محمد من وطن يُدعى "دار الإسلام"، وهو وطن يعاني من الفساد، والظلم، وتأخر الفكر، وضياع الحب (بعد أن حُرِم من التزوج بالفتاة التي يحبها بسبب نفوذ رجل سلطة يخطفها منه ).
بسبب خيبة أمله في وطنه، يقرر قنديل السفر في رحلة طويلة وخطيرة لزيارة بلاد مختلفة، بهدف الوصول إلى "دار الجبل"، وهي أرض أسطورية يُشاع أن فيها الكمال المطلق، والعدالة الكاملة، والسعادة لجميع البشر لكنه يمر خلال رحلته بخمسة مجتمعات مختلفة، كل مجتمع يمثل نظاماً سياسياً وفلسفياً واجتماعياً معروفاً في تاريخ البشرية:
1. دار المشرق (بدائية متحررة)
مجتمع بدائي وثني، الناس فيه عراة، ويعبدون القمر. لا توجد قوانين صارمة، وهناك حرية مطلقة تقترب من الفوضى يقع في حب امرأة هناك تدعى "عروسة" ويتزوجها، وينجب منها أطفالاً. لكن الرحلة تضطرب عندما تجبره السلطات على تربية أطفاله على الوثنية، وعندما يرفض ويحاول التمرد، يتم طرده من البلاد وحرمانه من زوجته وأولاده
2. دار الحيرة (الحكم العسكري والدكتاتورية)
نظام ملكي استبدادي وقمعي. الملك فيه يُعبد كإله، والمجتمع طبقي يعتمد على القوة العسكرية، والناس يعيشون في خوف دائم يُقبض عليه ويُتهم بالتجسس، ويُقذف به في السجن لسنوات طويلة (حوالي عشرين عاماً). لا يخرج من السجن إلا بعد أن تقوم حرب وتتغير الأوضاع السياسية، ليرحل منها مثقلاً بالهموم
3. دار الحلبة (الحرية والرأسمالية)
مجتمع ديمقراطي ليبرالي، يقدس الحرية الفردية وحرية التعبير والاعتقاد. الكل يعمل والكل يتنافس، وهي أشبه بالنظام الرأسمالي الحديث يعجب قنديل بالحرية هناك، ويتزوج ثانية ويستقر لسنوات ويسعد بأولاده. لكنه يكتشف مع الوقت أن الحرية الزائدة بدون ضوابط أخلاقية قوية تؤدي إلى صراعات شرسة، وتفاوت طبقي، وجشع مادي، فيقرر مواصلة رحلته نحو الهدف الأسمى
4. دار الأمان (الاشتراكية والعدالة الموجهة)
مجتمع اشتراكي صارم ونظام شمولي. الدولة توفر لكل فرد وظيفة، وطعاماً، ومسكناً، وتحقق العدالة الاجتماعية وتلغي الفقر، ولكن مقابل التخلي التام عن الحرية الشخصية؛ فالجميع مراقبون، والقرارات تُملى من الأعلى يرى فيها نظاماً ممتازاً للقضاء على الفقر، لكنه يشعر بالخناق بسبب غياب الحرية الفردية التي تخنق المواهب والهبات الربانية ، فيقرر تركها
5. دار الغروب (مرحلة الزهد والتأمل)
مجتمع غريب يفرغ فيه الناس حياتهم للتأمل والعبادة والاستعداد للموت أو الانتقال لـ "دار الجبل". لا يوجد حاكم أو صراعات، بل معلمون يوجهون القادمين يقضي فيها فترة يتعلم فيها الصبر والتطهير الروحي، استعداداً للرحلة الأخطر عبر الصحراء للوصول إلى دار الجبل
يتحرك قنديل مع مجموعة من الرحالة في رحلة شاقة عبر الجبال والصحاري باتجاه "دار الجبل". وأثناء صعودهم وسط ظروف مناخية صعبة وأخطار شديدة، يتوقف القنديل ليدون كلماته الأخيرة في مذكراته
لا نعرف على وجه اليقين هل وصل ابن فطومة إلى "دار الجبل" (الكمال المنشود) أم مات في الطريق
أراد نجيب محفوظ القول بأن "الكمال الإنساني" أو "المجتمع المثالي" قد لا يكون مكاناً جغرافياً نصل إليه ونستقر فيه، بل هو رحلة السعي المستمرة للنفس البشرية نحو الأفضل، وأن كل نظام بشرى (رأسمالية، اشتراكية، دكتاتورية، بدائية) يحمل عيوبه ومزاياه الخاصة ولا يمثل الكمال المطلق