(الأمثال الشعبية المصرية.. تجارب الأولين لهداية الآخرين)

(الأمثال الشعبية المصرية.. تجارب الأولين لهداية الآخرين)
(امشي عدل عدوك يحتار فيك) : وهو مثل لاستقامة السلوك، وعدم التعرض للناس بالأذى، وأن حسن الخلق والاستقامة، طريق النجاح، وإذا حقق الإنسان نجاحًا في حياته؛ فإن لهذا النجاح من يحقد عليه ويحسده، وحينئذ يتمنى أعداء النجاح أن يجدوا له ذلة حتى يتخذونها وسيلة يعركون بها تقدمه . ومن هنا جاء المثل الشعبي في أن يحتاط الناجح ألا يقع في الخطأ أمام حاسديه، ومن يحقدون عليه؛ حتى لا يتعطل في طريق تقدمه وتفوقه.
(إذا كبر ابنك خاويه)
هو مثل يضرب في العناية بالأولاد في حسن تربيتهم وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم، فمعاملة الأبناء أطفالًا تختلف عنها في سن المراهقة؛ فالأب يعامل ابنه في سن المراهقة كصديق، يجلس معه، ويسامره الحديث، ويسمع له ويتعرف على ميوله الفكري والاجتماعي والثقافي والاقتصادي، وما يحب ويكره، ويساعده لحل مشاكله، ولا يشعره بالتسلط؛ فيعطيه الحرية المضبوطة؛ لأنه أصبح أكثر نضجًا ووعيًا فهو يساعده في بناء شخصيته، وهو في حاجة إلى صديق له تجارب في الحياة، ويمتلك من التجارب ما ينفع ويدفع، والابن في حاجة إلى تجارب أبيه ونجاحاته فتوجيهات الأب كصديق لابنه يقوي بناء الابن، وتعظم شخصيته، وتفتح أمامه الأبواب المغلقة؛ وهذا يتم بأن يعامل الاب ابنه الذي أصبح رجلا معاملة الصديق الناصح . ومن هنا جاء المثل في حسن مصاحبة الأبناء، وعدم الانصراف عنهم خاصة في سن المراهقة.
(خد الأصيلة ولو كانت على الحصيرة)
وهو مثل شعبي عند خطبة النساء وإرادة الزواج، فالمرأة المرغوب فيها زوجة وأما هي المرأة الشريفة ذات الدين والأخلاق حتى ولو كانت فقيرة؛ فذات الدين ترتقي بدينها، وترتقي بزوجها، وتؤسس لأسرة صالحة تعيش في سعادة وراحة بال، وقد حثنا ديننا الحنيف عن الزواج من ذات الدين، ففي الحديث قال صلى الله عليه وسلم :" فاظفر بذات الدين تربت يداك"( أخرجه البخاري). والمرأة الأصيلة ذات الخلق والدين تحفظ زوجها عند غيابه، وترعى ماله وولده، وتصبر على عسر زوجها، وتقتصد في المعيشة عند غناه، فلا تسرف ولا تبذر. ومن هنا جاء المثل الشعبي في الترغيب من الزواج من المرأة الشريفة العفيفة حتى ولو كانت فقيرة؛ لأن المال يغدو ويروح.
( الخسارة اللي تعلم مكسب)
وهو مثل شعبي يعلم الإنسان أن الحياة عبارة عن مجموعة تجارب فالذي تفرحه كالتي تصيبه بالحزن؛ فإن كانت المكاسب تفرح الإنسان فالخسارة إن أصابته بالحزن إلا أن من ورائها فائدة وهي تجربة غير قابلة للتكرار، وقد قيل كما في الحديث الشريف:" لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين "( أخرجه البخاري)، والحياة بما تشتمل عليه من تجارب وخبرات؛ إنما هي خليط مما يسر ومما يحزن؛ فالربح إن كان يفرح إلا أن الخسارة لها فائدة أنها تعلم ألا نكرر نفس التجربة، والدروس المستفادة من الخسارة أكثر من الدروس المستفادة من الربح.
(تبات نار تصبح رماد لها رب يدبرها )
وهو مثل شعبي دائما يضرب عند الشعور بالضيق والأزمات، وهو يدفع الإنسان أن يعود إلى الهدوء والاستقرار النفسي، وأن يعلق قلبه بالله، فهو سبحانه مدبر للأمور ومغير الأحوال؛ فدوام الحال من المحال؛ فغد الإنسان ليس كيومه، وماضيه ليس كحاضره؛ وهذا يجعل الإنسان يستريح؛ فإنه لا يدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا فحال الإنسان إن كانت مشتعلة همًا وغمًا؛ فالله عز وجل يغير الحال، ويجعل بعد الحزن فرحًا، وبعد الضيق فرجا ومخرجا. ومن هنا جاء المثل الشعبي في الركون إلى الله عز وجل، حتى قيل : لا تدبر لك أمرا... فأولي التدبير هلكى نحن أولى بك منك.
(بارك الله في المرأة الغريبة والزرعة القريبة)
وهو مثل يضرب في الاقتران بالزوجة الغريبة الصالحة؛ فالزوجة الغربية أحسن عشرة وأصلح حالا وأكثر متعة وسعادة حتى أن الخليفة عمر بن الخطاب يقول :" اغتربوا لا تضووا فقد ضعف نسلكم " ضعف النسل من زواج الأقارب " والمرأة الغريبة سهلة التعامل معها، وأحسن عشرة، كما أنها قليلة المشاكل الزوجية؛ فالحياة الزوجية مع الغريبة أكثر سعادة وراحة بال، فإذا كانت الزرعة القريبة من المنزل سهلة الإدارة لقربها؛ فهي موفرة للوقت والجهد والمال؛ فالزوجة الغريبة زوجة اقتصادية أكثر تعين زوجها على مطالب الحياة؛ فهي عون وسند.
(إن كنت ع البير اصرف بتدبير)
وهو مثل يضرب في التدبير في المعيشة وعدم الإسراف؛ فالإسراف مبدد للمال ومضيع له؛ فالأسرة التي تقتصد في العيشة يمكنها أن تسد نفقاتها ولا تحتاج لأحد والمثل يعطي جانبًا دينيا في عدم الإسراف، ففي القرن الكريم قال الله تعالى:" وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ "(الأعراف : الآية 31)، وفي الحديث الشريف، قال صلى الله عليه وسلم :" ما عال من اقتصد" ( أخرجه أحمد في مسنده)" ويلتقي المثل الشعبي مع الوحي الشريف في الاقتصاد في المعيشة وعدم الإسراف سواء أكان الإنسان غنيًا، أم فقيرًا.
إن النظر والتأمل في الأمثال الشعبية يجد أنها تراث حضاري جاء نتيجة تجارب عاشها الأولون؛ ليهتدي بها الآخرون، تحمل دلالات ثقافية وتاريخية نتداولها في حياتنا اليومية في شتى مجالات الحياة الإنسانية؛ لتجمع بين الماضي في أصالته والحاضر في حداثته.
وإلى لقاء آخر إن شاء الله،،،
.