هل السرطان مرض خلوي جيني أم عدوى طفيلية؟
لطالما شغل البحث عن أكبر مسبب للسرطان العلماء منذ قرون، ولكن بين الحقائق العلمية الراسخة عن التدخين والسمنة، برزت قديمًا واحدة من أغرب النظريات التي ادعت أن السرطان طفيلي يعيش داخل الجسم.
تعود هذه الجذور إلى القرن التاسع عشر قبل اكتشاف أسرار الطفرات الجينية وعلوم الوراثة الجزيئية، حيث نال العالم «يوهانس فيبيغر» جائزة نوبل بناءً على فرضية ارتباط الديدان بالأورام.
في هذا المقال، نستعرض الرحلة التاريخية لهذه النظرية، ونكشف الفرق الجوهري بين الالتهاب المزمن الناتج عن الطفيليات وبين سلوك الخلايا السرطانية، ونفنِّد الحقائق وراء وثائق الـ CIA ونظريات المؤامرة التي عادت للظهور مؤخرًا حول مسببات السرطان الحيوية.
ولكن في البداية نسأل أنفسنا:
ما هو أكبر مسبب للسرطان؟
يُعد التدخين هو المسبب الأكبر والمسؤول الأول عن وفيات السرطان عالميًا، فالتدخير يتسبب في معظم حالات سرطان الرئة وكثير من الأنواع الأخرى. يلي ذلك السمنة. ويمكن إجمال أسباب السرطان فيما يلي:
أبرز مسببات السرطان (عوامل الخطر)
- التدخين (إيجابي وسلبي): هو السبب الأكثر شيوعًا ويمكن الوقاية منه.
- السمنة وزيادة الوزن: ترتبط بزيادة خطر الإصابة بـ 13 نوعًا من السرطان.
- العدوى والفيروسات: مثل فيروسات التهاب الكبد B و C (سرطان الكبد)، وفيروس الورم الحليمي البشري HPV (سرطان عنق الرحم).
- عوامل بيئية: التعرض لأشعة الشمس المباشرة (للجلد)، والإشعاع، والمواد الكيميائية المسرطنة.
- العوامل الوراثية: الطفرات الجينية الموروثة، وإن كانت تشكل نسبة أقل مقارنة بالعوامل البيئية ونمط الحياة.
العلاقة بين الطفيليات والسرطان
تقول إحدى أغرب النظريات في تاريخ الطب إن السرطان في الأصل عبارة عن طفيلي. هذه الفكرة ليست جديدة، بل تعود إلى أوائل القرن العشرين، عندما كان العلماء يحاولون فهم ماهية السرطان أصلًا. في ذلك الوقت، لم يكن معروفًا تقريبًا أي شيء عن الطفرات الجينية أو كيفية تنظيم الخلايا لانقسامها.
ولم تكن فكرة أن طفرات الـ DNA يمكن أن تغيِّر سلوك الخلية بالكامل مفهومة بعد، لذلك حاول بعض الباحثين تفسير السرطان بطريقة مختلفة تمامًا عما نعرفه اليوم.
في الحقيقة، تعود جذور هذه النظرية إلى القرن التاسع عشر، عندما بدأ العلماء للمرة الأولى استخدام المجاهر لدراسة الأنسجة المريضة. وعندما فحصوا الأورام تحت المجهر، لاحظوا شيئًا غريبًا: الخلايا داخل الأورام كانت تبدو مختلفة جدًا عن الخلايا الطبيعية.
كانت أكبر حجمًا، وتحتوي على أنوية بارزة بشكل غير طبيعي، وتتصرف بعدوانية عبر غزو الأنسجة المحيطة.
وبسبب هذا الشكل الغريب، تخيَّل بعض الباحثين أن هذه ليست خلايا جسدية خرجت عن السيطرة، بل كائنات غريبة تنمو داخل الجسم، أشبه بالطفيليات.
هل الطفيليات تنقل مرض السرطان؟
نوقشت هذه الفكرة لاحقًا في ورقة علمية بعنوان:
«The Paget cell: Mistaken for a parasite in the 19th century» منشورة عام 1986 في مجلة American Journal of Dermatopathology. وتوضح الورقة أن بعض علماء القرن التاسع عشر كانوا يعتقدون فعلًا أن الخلايا غير الطبيعية التي شاهدوها في الأورام قد تكون كائنات طفيلية.
ومع تطور علم الخلايا والأنسجة وتحسُّن المجاهر، بدأ العلماء يدركون تدريجيًا أن هذه الخلايا ليست كائنات غريبة، بل هي خلايا الجسم نفسها بعد أن تعرَّضت لتغيرات جينية جعلتها تنقسم بشكل غير منضبط.
قصة جائزة نوبل «الخاطئة»: تجربة يوهانس فيبيغر
إحدى أشهر القصص التي دعمت فكرة «السرطان الطفيلي» حدثت في أوائل القرن العشرين مع عالم الأمراض الدنماركي Johannes Fibiger. في أثناء تجاربه على الفئران، لاحظ فيبيغر أن بعضها أصيب بأورام في المعدة. وعندما فحص الأورام، وجد ديدانًا طفيلية في المكان نفسه.
كانت هذه الديدان تُسمى Spiroptera neoplastica، وكانت تصيب الفئران عبر الصراصير. بدأ فيبيغر يربط وجود الديدان بالأورام وطرح سؤالًا مهمًا:
ما الأمراض التي تسببها الطفيليات؟ وإذا كانت الطفيليات تسبب السرطان فعليًا، فما هي الطفيليات التي تسبب السرطان؟
لاختبار الفكرة، أصاب الصراصير بالديدان ثم أطعمها لفئران المختبر. وبعد مدة، ظهرت نموات في معدة بعض الفئران. في ذلك الوقت بدا هذا دليلًا قويًا على أن الطفيليات يمكن أن تسبب بعض الأمراض مباشرة، ومنها السرطان.
في ذلك العصر، كان العلماء يبحثون بشدة عن تفسير واضح للسرطان. وكان المرض غامضًا للغاية، لذا بدت فكرة الطفيليات منطقية ومثيرة في الوقت نفسه. واحتُفي بعمل فيبيغر إلى درجة أنه حصل على Nobel Prize in Physiology or Medicine عام 1926.
بمعنى آخر، إحدى أرفع الجوائز العلمية في العالم مُنحت بسبب نظرية تقول إن الطفيليات قد تسبب السرطان.
لكن القصة لم تنتهِ هنا.
بعد سنوات، حاول علماء آخرون إعادة تجارب فيبيغر، وهي خطوة أساسية في العلم؛ لأن النتائج يجب أن تكون قابلة للتكرار حتى تُعد موثوقة. وهنا بدأت المشكلات تظهر، إذ فشل كثير من الباحثين في الحصول على النتائج نفسها.
وفي النهاية لاحظ العلماء أمرًا مهمًا: فئران فيبيغر كانت تعاني أصلًا من نقص شديد في فيتامين A، وهذا النقص يمكن أن يغيِّر ميكروبيوم الأمعاء ويسبب تغيرات نسيجية غير طبيعية قد تبدو أورامًا تحت المجهر.
ومع الوقت ظهر تفسير مختلف، ما حدث على الأرجح كان مزيجًا من سوء التغذية الحاد والالتهاب الناتج عن الطفيليات، وقد سبَّبا معًا تغيرات نسيجية تشبه السرطان لكنها لم تكن سرطانًا خبيثًا حقيقيًا.
بمعنى أبسط: الدودة نفسها لم تكن السبب المباشر للسرطان.
ومع تطور علم السرطان والوراثة الجزيئية، أدرك العلماء أن الأورام التي وصفها فيبيغر لم تكن سرطانات خبيثة حقيقية، وأن نتائجه لم يكن بالإمكان تكرارها بشكل موثوق.
ومن المثير للاهتمام أن جائزته لم تُسحب منه أبدًا، لأن قوانين جائزة نوبل لا تسمح بإلغاء الجوائز بعد منحها. لذلك لا يزال فيبيغر مسجلًا رسميًا بصفته حائزًا على جائزة نوبل، على الرغْم من أن تفسيره العلمي ثبت لاحقًا أنه غير دقيق.
وأصبحت القصة تُذكر الآن بوصفها درسًا مهمًا في تاريخ العلم: الأفكار التي تبدو مقنعة في عصر معين قد تتغير لاحقًا مع ظهور أدلة جديدة.
ومن المفارقات، أنه في الوقت نفسه تقريبًا، اكتشف عالم آخر شيئًا صحيحًا فعلًا، لكن لم يصدقه أحد في البداية. كان ذلك العالم هو Peyton Rous.
اكتشف روس أن فيروسًا يمكن أن يسبب السرطان لدى الدجاج، وهو ما عُرف لاحقًا باسم Rous sarcoma virus. وفي ذلك الوقت بدت الفكرة غريبة لكثير من العلماء، وتم تجاهل عمله سنوات طويلة. لكن لاحقًا عُدَّ اكتشافه ثوريًا، وحصل على Nobel Prize in Physiology or Medicine بعد أكثر من 50 عامًا.
وهذا يوضح واحدة من غرائب التاريخ العلمي: عالم حصل على نوبل بسبب تفسير ثبت لاحقًا أنه خاطئ، في حين احتاج عالم آخر نصف قرن ليُعترف باكتشافه الصحيح.

لماذا اعتقد الأطباء قديمًا أن الورم طفيلي؟
لماذا اعتقد العلماء أن السرطان قد يكون طفيليًا؟ وهل توجد طفيليات تسبب سرطانًا؟
السبب الأول: سلوك الورم نفسه
فالأورام تنمو داخل الجسم، وتغزو الأنسجة المحيطة، وتستهلك مغذيات الجسم وطاقته للبقاء، وهو سلوك يشبه الطفيليات التي تعيش على حساب العائل
السبب الثاني: علم الوراثة لم يكن مفهومًا بعد
لم يكن العلماء يعرفون أن طفرات الـ DNA قد تجعل الخلايا تفقد السيطرة وتنقسم بلا توقف؛ لذا بدا تفسير «الكائن الغريب» منطقيًا في ذلك الوقت.
السبب الثالث: بعض الطفيليات فعلًا ترتبط بزيادة خطر السرطان
وقد أكدت الأبحاث الحديثة ذلك. فعلى سبيل المثال:
- طفيلي Schistosomiasis يرتبط بسرطان المثانة.
- وطفيلي Opisthorchis viverrini يرتبط بسرطان القنوات الصفراوية.
لكن يوجد فرق مهم: هذه الطفيليات لا تتحول إلى سرطان بنفسها، بل تسبب التهابات مزمنة مدة طويلة، وهذه الالتهابات قد تزيد احتمالية تطور السرطان.
ومع تقدم العلم، خصوصًا في الوراثة والبيولوجيا الجزيئية، انهارت نظرية «السرطان الطفيلي» تدريجيًا.
الحقيقة العلمية: كيف تسبب الطفيليات السرطان فعليًا؟
اكتشف العلماء أن الخلايا السرطانية تحتوي على الـ DNA نفسه الخاص بخلايا المريض الطبيعية، أي أنها خلايا الجسم نفسه، وليست كائنات غريبة. لكن الفرق أنها تحمل طفرات في الجينات المنظمة لنمو الخلايا.
بعض هذه الجينات يُسمى:
- Oncogenes
- Tumor suppressor genes
والطفرات فيها تسمح للخلايا بأن:
- تنقسم باستمرار دون توقف.
- وتتجنب آليات الموت الخلوي الطبيعي التي تزيل الخلايا التالفة.
وهذا ما يسمح للأورام بالنمو والاستمرار.
ومن المثير للاهتمام أن السرطان أحيانًا يتصرف فعلًا بطريقة تشبه الطفيليات. فهو يعتمد على جسم العائل للحصول على الغذاء، ويتجنب جهاز المناعة، بل ويمكنه التلاعب بالأنسجة المحيطة لدعم نموه.
وفي حالات نادرة جدًا، توجد سرطانات معدية تنتقل بين الحيوانات تقريبًا كأنها أمراض معدية.
أحد أشهر الأمثلة هو: Canine Transmissible Venereal Tumor (CTVT)، وهو سرطان ينتقل بين الكلاب في أثناء التزاوج. وفي هذه الحالة تنتقل الخلايا السرطانية نفسها من حيوان إلى آخر.
وقد اكتشف العلماء أن جميع الحالات الحالية لهذا السرطان تعود غالبًا إلى كلب واحد عاش منذ آلاف السنين، واستمرت الخلايا السرطانية بالبقاء عبر الانتقال بين الكلاب عبر الأجيال.
ومع ذلك يبقى الفارق الأساسي: هذه لا تزال خلايا سرطانية مشتقة من جسم كلب، وليست طفيليات مستقلة.
تفنيد الخرافات: وثائق الـ CIA ونظريات المؤامرة
اليوم، عادت نظرية «السرطان طفيلي» للظهور على الإنترنت، خصوصًا في دوائر نظريات المؤامرة. وتدَّعي منشورات كثيرة وجود وثائق سرية تثبت أن الحكومات كانت تعرف أن السرطان طفيلي منذ البداية.
وغالبًا ما تستشهد هذه المنشورات بوثيقة تابعة لـ Central Intelligence Agency كدليل مزعوم. لكن عندما فحص الباحثون الوثيقة نفسها، وجدوا شيئًا أقل إثارة بكثير.
فالوثيقة كانت مجرد ترجمة لمقال علمي روسي من عام 1950 نُشر في مجلة Priroda، وكتبه الباحث السوفيتي V. V. Alpatov. وكان المقال يناقش التشابهات البيوكيميائية بين الطفيليات والأورام الخبيثة.
والمهم أن المقال لم يقل أبدًا إن السرطان طفيلي. بل لاحظ فقط أن بعض الطفيليات الداخلية والخلايا السرطانية تشترك في بعض السلوكيات الأيضية، مثل القدرة على العيش في بيئات منخفضة الأكسجين واستهلاك كميات كبيرة من موارد العائل.
لكن التشابه الأيضي لا يعني أنهما الكائن نفسه.
أما سبب تصنيف الوثيقة أنها سريَّة فهو سبب بسيط: خلال Cold War كانت الـ CIA تترجم كثيرًا من البحوث السوفيتية لمراقبة التطورات العلمية في الاتحاد السوفيتي، وليس لإخفاء علاج سري للسرطان.
وتحاول بعض المنشورات على الإنترنت ربط الوثيقة بـ Anthony Fauci بسبب ظهوره الإعلامي في أثناء جائحة كورونا، لكن لا توجد أي علاقة تاريخية أو علمية بينهما، لأن المقال الأصلي نُشر قبل أن يبدأ فاوتشي مسيرته العلمية أصلًا.
وهناك نقطة أخيرة مهمة: الباحثون اليوم يدرسون فعلًا إمكانية استخدام بعض الأدوية المضادة للطفيليات في علاج السرطان. ويُسمى هذا المجال:
Drug repurposing، أي إعادة استخدام الأدوية لأغراض جديدة.
وبعض الأدوية المضادة للطفيليات قد تؤثر على أيض الخلايا السرطانية، ما يجعلها مثيرة للاهتمام علميًا، لكن هذا لا يعني أن السرطان نفسه طفيلي.
كما وُجدت حالة طبية نادرة جدًا نُشرت عام 2015 في مجلة The New England Journal of Medicine، لمريض يعاني من ضعف شديد في المناعة بسبب فيروس HIV، وكان مصابًا بديدان شريطية. والمفاجأة أن بعض الخلايا الشبيهة بالأورام كانت ناتجة من الطفيلي نفسه وليس من جسم المريض.
لكن هذه كانت حالة استثنائية نادرة للغاية، وليست دليلًا على أن السرطان العادي كائنات طفيلية.
وفي النهاية، فإن قصة «السرطان كطفيلي» تعلمنا درسًا مهمًا عن طبيعة العلم نفسه: الأفكار قد تبدو مقنعة عندما تكون المعرفة محدودة والتقنيات بدائية، لكن مع تقدم العلم نحصل على فهم أوضح للحقيقة.
وهذا أحد أكثر الأشياء إبهارًا في الاكتشاف العلمي: فهمنا للعالم يستمر بالتطور كلما ظهرت أدلة جديدة.