فلسفة النصر في حرب الشرق الأوسط:  قراءة في موازين "النقاط" و"التحجيم"

فلسفة النصر في حرب الشرق الأوسط: قراءة في موازين "النقاط" و"التحجيم"

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

تحديد النصر والهزيمة في الحروب الحديثة لم يعد يقتصر على مساحة الأرض المستولى عليها أو عدد القتلى، بل انتقل إلى مستويات أكثر تعقيداً ترتبط بالقدرة على فرض الإرادة السياسية. وتعريف لفظ الحرب في القاموس السياسي هو صراع إرادة بين الدول على ثلاثة مستويات: السياسي (الأداة)، والعسكري (العنف)، والاجتماعي (الإرادة). وعندما ينسد الأفق السياسي، ينتقل الصراع إلى المستوى العسكري، وعندما يفشل المستويان السابقان، يتحول إلى الصراع الاجتماعي، وهو الصدام أو الصراع المباشر على كافة المستويات بين البلدين. لذا أصبحت المقاييس التي تحدد موازين الربح والخسارة في الصراعات الحالية تعتمد على عدة نقاط:

 * المقياس الاستراتيجي (تحقيق الأهداف السياسية): هذا هو المقياس الأهم؛ فالحرب تشمل الصراع السياسي والعسكري، وعند حدوث انسداد في الأفق السياسي، يأتي دور الآلة العسكرية لكسر إرادة الطرف الآخر وإجباره على العودة للخط السياسي والمفاوضات بسقف أقل في المطالب. في هذه الحالة يكون النصر: هو قدرة الدولة على إجبار الخصم على قبول شروطها (تغيير نظام، وقف تهديد، تأمين حدود). أما الهزيمة: فأن تنتهي الحرب دون تحقيق الأهداف المعلنة، حتى لو تفوقت الدولة عسكرياً في الميدان (كما حدث في الانسحاب الأمريكي من فيتنام أو أفغانستان).image about فلسفة النصر في حرب الشرق الأوسط:  قراءة في موازين

 * مقياس "القدرة على الاستمرار" والاستنزاف لأحد طرفي الصراع: ويركز هذا المعيار على الموارد المادية والبشرية للدولة. ويقاس النصر هنا بعنصرين؛ الأول: بمدى تضرر البنية التحتية العسكرية والاقتصادية للخصم مقارنة بما فقدته الدولة المنتصرة. الثاني: بالقدرة على تعويض الخسائر في العتاد والجنود. فإذا فقدت الدولة قدرتها على تعويض استنزافها، فهي في طريقها للهزيمة الحتمية.

 * مقياس السيطرة المكانية والجغرافية: رغم تراجع أهميته أمام الحروب السيبرانية والجوية والمسيرات والذكاء الاصطناعي، يظل ثابتاً في الحروب التقليدية. والنصر هنا يستلزم قطع خطوط الإمداد والسيطرة على المناطق الحيوية والاستراتيجية (الموانئ، المطارات، الطرق السريعة)، بالإضافة إلى القدرة على الاحتفاظ بالأرض المحتلة ومنع الخصم من استردادها لفترة زمنية تفرض "أمراً واقعاً".

 * مقياس الإرادة الشعبية والشرعية الدولية: بعض الحروب لا تُخاض بالجيوش فقط، بل بالحواضن الشعبية والمواقف الدولية. فانهيار الجبهة الداخلية يمثل هزيمة كبرى؛ وحين يفقد الشعب إيمانه بجدوى الحرب أو تنهار الروح المعنوية للقوات المسلحة تنهار الدولة وربما إلى غير رجعة. في المقابل، فإن تماسك الجبهة الداخلية وتحملها وتصديها لكل أنواع الهجمات يمثل أحد أبرز أسباب الانتصار على الخصم.

تطبيقاً للمقاييس السابقة، ورغم الحالة الضبابية التي تسيطر على نتائج ومخرجات المفاوضات التي تجريها باكستان، ومصر، والسعودية، وتركيا، لإنهاء الحرب في إيران، فإنه في المجمل نلحظ بارقة أمل لخفض التصعيد والعمليات العسكرية التي دخلت شهرها الثاني. ويمكن تحليل مفهوم "النصر والهزيمة" على سيناريو الحرب كالتالي:

 * منظور "النصر الإيراني" (بقاء النظام واستمرار التهديد): إذا انتهت الحرب وبقي النظام في طهران، ومعه القدرة على إطلاق الصواريخ باتجاه تل أبيب، فإن إيران ستعتبر ذلك "نصراً استراتيجياً بالنقاط" لعدة أسباب:

   * فشل "تغيير النظام": بما أن هدف الولايات المتحدة (المعلن من قبل إدارة ترامب) هو "تغيير النظام" أو تفكيك بنية الحكم، فإن بقاء السلطة القائمة يعني فشل المطلب السياسي الأسمى للمهاجم، وهو في العلوم العسكرية "هزيمة للمهاجم".

   * تآكل الردع الإسرائيلي: استمرار وصول الصواريخ إلى تل أبيب رغم الضربات الجوية المكثفة (مثل ضربات 28 فبراير و27 مارس) يعني أن "الذراع الطويلة" لإيران لم تُقطع، وأن نظرية "تصفية التهديد من المنبع" لم تنجح، مما يبقي إسرائيل تحت ضغط أمني واقتصادي دائم.

   * الشرعية الداخلية: النظام سيستخدم "الصمود" أمام أقوى قوتين عسكريتين في العالم كأداة لتعزيز شرعيته القومية وتبرير القمع الداخلي ضد المعارضة (التي نشطت في يناير 2025).

 * منظور "النصر الأمريكي-الإسرائيلي" (تدمير القدرات النوعية): في المقابل، قد يرى الطرف الآخر أنه حقق نصراً إذا وصل إلى النتائج التالية:

   * تقويض المشروع النووي: إذا أدت الضربات (مثل عملية "رورينج لايون") إلى تدمير منشآت فوردو ونطنز وأصفهان بشكل يجعل العودة للتصنيع النووي تحتاج لسنوات طويلة، فهذا نصر استراتيجي يتجاوز مسألة بقاء النظام.

   * تصفية القيادات: اغتيال رؤوس الهرم (كما تشير التقارير عن استهداف المرشد وقيادات الحرس الثوري) يعتبر "نصراً رمزياً وعملياتياً" يربك بنية اتخاذ القرار ويضع الدولة في حالة صراع داخلي على السلطة.

   * تجفيف "حلقة النار": إذا أدت الحرب إلى فك الارتباط بين طهران ووكلائها (حزب الله، الحوثيين) نتيجة تدمير خطوط الإمداد، فإن إيران تخرج من الحرب "دولة معزولة" بلا أذرع إقليمية، وهو تراجع حاد في نفوذها.

إذن نحن أمام نوعين من الحسابات:

 * إيران: تقيس النصر بـ "البقاء" (Survival). طالما أن العلم الإيراني لا يزال مرفوعاً فوق طهران والصواريخ تنطلق، فهي لم تُهزم.

 * أمريكا وإسرائيل: تقيسان النصر بـ "التحجيم" (Neutralization). طالما أن البرنامج النووي عُطل لسنوات والبنية التحتية العسكرية دُمرت، فالهدف قد تحقق بغض النظر عن هوية الجالس في السلطة.

السؤال الجوهري هنا: هل يستطيع النظام الإيراني تحويل "صموده العسكري" إلى "استقرار اقتصادي" لاحقاً؟ وهل تستطيع إسرائيل التعايش مع "تهديد صاروخي مستدام" مقابل تخلصها من "البعبع النووي"؟ وفي كل الأحوال، فإن البوادر التي تتشكل حالياً تشير إلى أننا أمام "انتصار البقاء" في مواجهة "انتصار التدمير".

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
معتز ابو سمرة صحفي تقييم 4.95 من 5.
المقالات

5

متابعهم

14

متابعهم

15

مقالات مشابة
-