الكتابة ليست لك .... بل لمن يقرأك.....

الكتابة ليست لك .... بل لمن يقرأك.....
ليس كل ما نحب كتابته ينجح، وليس كل ما نراه عظيمًا يجد من يقرأه… لا تكتب المقالات والقصص التي تميل إليها دائما لأنها من الممكن ألا تعجب الآخرين ... لكن عليك أن تكتب ما يميل إليه الناس دائما لأنك ربما تكون مغرما ببعض الموضوعات التي لا يقرأها الناس والبعض الآخر يميلون إليها حيث تجد نفسك بين ما تميل إليه وما يميل له الناس والمفترض أن تكون الأفضلية لما يستمتع به الآخرون ….الناس لا تقرأ كل شيء… بل تقرأ ما يلامس اهتمامها……
الأدب والسياسة……
عندما كنت أعمل في جريدة النبأ التي كنت أعتبرها مدرسة في الكتابة و العمل الصحفي كانت أفكاري ساذجة إلى حد كبير . …. كنت أعتقد أن الموهبة واللغة العربية هما كل شيء في الكتابة وأن كتابة المقالات الأدبية والسياسية هي الجوهر وكارنيه الدخول للجرائد والمجلات …. لكني تعلمت هناك أن المسألة مختلفة تماما عما أفكر فيه لأني لا أكتب في جريدة أخبار الأدب المتخصصة في الأدب ، أو جريدة الأهرام التي كانت تعد مكانا كلاسيكيا لأعظم وأشهرالأدباء و لكنني أكتب في جريدة شعبية متنوعة .... من ناحية أخرى فإن الناس لم تعد تقرأ ، ولهذا فالمسألة تحتاج منا إلى بعض المهنية حتى نجعلهم يقرأون الموضوعات …..
ربما يسأل أحد المبتدأين ويقول: هل تريدون مني أن أكتب ما يريده الناس ؟ فتجيب عليه من خلال خبرة السنين في عالم الصحافة : نعم يجب أن تكتب ما يميل إليه الناس .ولكن بذكاء.
ليس المطلوب أن تتخلى عن نفسك، بل أن تعيد تقديمها بشكل يقترب من الناس. … حتى الموضوعات الخفيفة أو الغريبة يمكن تحويلها إلى عمل إبداعي إذا عرفت كيف تقدمها.
وعلى هذا فإنه على محبي الكتابة معرفة الفارق بين النظريات والتطبيق ... فالتنفيذ يختلف عن الاعتقادات والأفكار النظرية التي تدور في عقولنا تماما …… لقد عرفت أن أول ما يجب أن أفكر فيه هو اختيار القسم ... بمعنى - ما ترغب الكتابة فيه هل تفضل قسم الفن؟، أم قسم الحوادث، أم الرياضة ، أم التحقيقات الأدبية والاجتماعية...
العنوان الغامض……
ثم يأتي العنصر الأهم ألا وهو العنوان….. العنوان ليس مجرد بداية… بل هو نصف النجاح…… العنوان الجذاب قد يدفع القارئ لقراءة المقال، حتى قبل أن يعرف مضمونه……..بينما العنوان التقليدي يمر مرور الكرام دون أن يلتفت إليه أحد…… لأن العنوان هو رأس الموضوع وأساسه وزينته ... العنوان الغامض يكسبك خمسين بالمائة والخمسين الأخرى تكمن في المقدمة والفقرات ، إن عنوان الشيء هو غلافه الذي يحفظه وجوهره الذي يجعل الجمهور يفكر فيما يمكن أن يكون محتواه ، وكلما كان العنوان غريبا كلما تحير الناس وزاد شغفهم للقراءة .
إذا كنت تريد الكتابة عن النساء على سبيل المثال …. فلا يجب أن تجعل عنوانك اعتياديا وتكتب (المرأة )أو (النساء) وإنما تضع بعض الغموض بأن تقول (نساء خطيرات) أو (طاعون يقتل النساء ) ………
أما إذا أردت الكتابة عن السياسة فلا تكتب العنوان (السياسة)…. ومن الهزل أيضا أن تضع العنوان (أخبار السياسة) فهذا ليس جديد ؟ بل اسأل نفسك دائما ما هو الجديد الذي ستتناوله… ما المختلف؟
كلما كان العنوان مثيرًا للتساؤل، زاد فضول القارئ ، أما إذا كان عنوانا روتينيا فإنهم لن يلتفتوا .
على جانب آخر .. لا تستغرق في التمركز حول ذاتك وترى انبهارك بالأدب اليوناني سيجعلك كاتبا متميزا ... فما الذي يمكن أن يستفيده الجمهور بتناولك شخصية الكاتب اليوناني يوربيديس ... إذا كنت منبهرا بكتاباته يو فيجب ألا تنسى أن هناك جمهور لا يعنيه يوربيديس ولا يعنيه إنه رائد الواقعية المعقدة …ربما يستهوي فئة الجمهور المحبين للأدب فقط يستهوي كل الجمهور .. يوربيديس يستهوي فئة المهتمين بالأدب فقط ...لكن العامة لن تهتم بالأدب اليوناني إلا إذا قمت بربط أحد قصص الكاتب بحدث مرعب أو جريمة قتل على سبيل المثال ....
المتعة….
القارئ لا يبحث عن المعلومات فقط… بل عن المتعة……….. لقد أدركت هذه الحقيقة عندما احتككت بالجمهور مباشرة.، …. لقد كانت آراؤهم هي المقياس الحقيقي لتطوري، ومن خلالها عرفت نقاط قوتي وضعفي.
لهذا اتجهت لفترة إلى كتابة التحقيقات عن الغموض والأماكن المهجورة، ودمجت بين الواقع والخيال، فكانت النتيجة قصة رعب لاقت إعجاب عدد كبير من القراء………وهنا فهمت أن الكاتب الناجح هو من يعيش بين الناس، لا بعيدًا عنهم…..
لقد عاش نجيب محفوظ وسط الناس … ولم يكتب من برج عاجي …… كان يتنقل بين قهاوي القاهرة حيث كتب معظم رواياته في قهوة الفيشاوي....وقد ساعده الحديث مع الناس على كتابة أروع الأحداث الواقعية من وسط الحارة المصرية ....
على جانب آخر استطاع د.مصطفى محمود أن يحفر مكانا متميزا في عقول وقلوب الشباب إلى يومنا هذا ونحن في عام 2026 حيث تنتشر فيديوهاته وكتبه التي تمس الأحداث المستقبلية وكأنه كان يشعر بما سيحدث ... وذلك لأنه عاش وسط الناس وتتبع أحزانهم وأفراحهم .. بل وكان رحمه الله يراقب أحوال الشباب ويلاحظ معاناتهم وأفكارهم الدينية والفلسفية ولم يمل يوما من مناقشة بعضهم في مسجده بالمهندسين حتى الملحدين منهم لم ييأس من مخاطبتهم ومحاورتهم ....
الكتابة ليست استعراضًا للموهبة فقط، بل مسؤولية…… أن تكتب يعني أن تصل،….. وأن تصل يعني أن تفهم من تكتب له……….
ولهذا تبقى الحكمة الخالدة للزعيم مصطفى كامل:….. “ما عاش من عاش لنفسه فقط… وما مات من عاش للناس.”