الإنسان الذي يهرب من نفسه بالانشغال
الإنسان الذي يهرب من نفسه بالانشغال
الانشغال عن الذات بالخارج
ليست مواجهة الذات أمرا هينا، والهَيِّنُ بالفعل هو تَخَطُّرُ البَصرِ عما يعتلجُ فيها، وإجالةُ الطرف عنها دونَ النظر فيها، ليسَ بالضرورة لأنها تعتلجُ على أمور مشينة، بل لأنَّها تكره أن تُفَضَّ خبيئتُها، كما يُبغِضُ أحدنا أن يطلعَ على عورةِ نفسِه، لأنه يوقن أن العورةَ سوءَة، والسوءةُ ما سُميَت بذلك إلا أنها تسوء النفسَ، وهو لا يروم إلا الإحسانَ لنفسِه!
وربما طفق يغض الطرفَ عنها، يظن أنه يحسن إليها بالتعاطي معها بخُلَّةِ الحياء، وليسَ فيه إلا خلة الجُبن والخنوع! إننا نفعل ذلك عندما نختارُ التغاضي؛ على النظر، والتغافلَ على الوعي بالذات، والانشغالَ عنها بأي شيء خَلا هي! فنمارسُ التشويشَ على صدحاتِها - بل واستغاثاتِها - من خلال صرف بؤرةِ التركيز عنها، ولا مانعَ أن نوجه تلك البؤرةَ إلى الخارج، فننشغلُ به عن الداخل، فنكونُ كالذي يحشو أذنيه بالكرسف تلمسا للهدوء في الضجيج! وينسى أنه بهذا الصنيع يأذن لهما (أي لأذنَيه) بسماعِ خرير الدماء تجري في عروقه، ودقات القلب، وحركة المعدة والأمعاء، أضغاثُ أصواتٍ كثيرة، وأخلاطُ ضجيجٍ متداخلةٌ، لا تُحدِثُ في العقل مَعنًى، ولكن تُحدث في العقل والنفس اضطرابًا وفوضًى! (وهذا يُعرف طبيا بـ tinnitus)
فترى الواحد منهم دائبَ الانشغال، متواترَ الأفعال، وهو قليل الأثر مُقتِّرُ الفاعلية! وتلفَاهُ كريما في البذل؛ بينما هو شحيحٌ في الجدوى والإنتاجية! لأنه ليسَ كل انشغال - بالضرورة- شُغُلًا، ولا كل تَعَمُّلٍ هو - في الجدوى- عملا! ولكنَّ المَغبونَ - أصلَحَه الله- يملأ أيامَه بما يصرف عقلَه عن نفسه، وزمانَه عن الفراغ، مخافةَ أن يكونَ الفراغُ كالمرآة الرائقة، تتجلى فيها نفسه على حقيقتها، وتتبدَّى منها عَلائمُ النقص التي يسوؤه مرآها، ما من ذلك بُدُّ! وذلك أنه متى فرغَ الذهنُ من الشاغل؛ انصبَّ على الداخل. ودليلُ ذلك؛ أن الإنسانَ مهما كان كسولا بليدا خاملا؛ فإن عقلَه لا يفتر عن التفكير وهو على هذه الخِصال! فإن عُدِمَ ما يشغله من خارجه؛ لم يعدم ذلك من داخله.
وثمَّ في هذا الداخل أمورٌ غيرُ مرغوبةٍ، وقراراتٌ لمَّا تُتخذ، وأسئلةٌ لا جوابَ عليها بَعدُ، وآمالٌ مكبوتة، وطموحاتٌ مُسَوَّفَةٌ. والفراغُ يعني مواجهةَ كل ذلك. حين يسكنُ ضجيجُ المحيط؛ تتصاعد أصواتُ النفس الهاجعة، أسئلةٌ من قَبيلِ: مَن أنا؟ وماذا قدمتُ لحياتي؟ وهل أنا راضٍ عما غَبرَ منها؟ فإن كانَ الضجيجُ يُشوش على تلك الأسئلةِ، أو لعله يكظم صوتَها الناعقَ في جَنبَاتِ النفس؛ فَنِعِمَّا هو! وإن كان الإطلاعُ على عوراتِ الناس يحجب عن النفس عورَتها هي؛ فَهلُمَّ إليه! وإن كان الانشغالُ - ولو بالباطل- يعني شُغلًا عنها؛ فكرامةٌ ونُعمَى عين!
فتراه مُنخرطًا في جادة الأمور وهزلها، ونفيس القضايا وحطيطِها، لا يفرغ من شأنٍ حتى يُهرَعَ إلى غيره، ولا يقضي من حديث وَطَرًا، إلا أردَفَه حديثًا آخر، ولا ينفصِمُ عن مشاهدة شاشةِ الهاتف، إلا وقد سَنَحَ له من المشاهد غيرُها، وهكذا فهو مشغولٌ أينما رأيتَه، يعمل آناءَ الليل وأطراف النهار، ومع ذلك؛ فهو مُتحيفٌ إلى ثلاثِ مثالبَ لا ينفك أن يكونَ واقعا في بعضها أو فيها جميعا:
الأولى: أن تأثيرَه مبعثر مشتت، لا يقوم على نيةٍ محددة موجهة، فيتشعَّثُ في جهاتٍ كثيرة، كالضوء المشتت دون ضوء الليزر إن أريدَ به القطع، فلا يحصلُ به انتفاعٌ في الغايةِ التي أريدَ لها، وإن كانَ لا يعدم أثرا ناعما وإيناسًا للمتعرضِ له، بيدَ أنه في التأثير المُكَثِّف ليسَ بشيء! فهذا الشخصُ يبذل جهدا إن عُرِضَ على ميزانِ الإنجازِ؛ لا يلبثُ أن يذهبَ شَذَرَ مَذَر!
والثانية: أن هذا الإنسانَ لا ينبعثُ عن نشاطٍ يمورُ في حناياه، فَيُهَيِّجه على البذلِ والعطاء، وإنما ينبعثُ عن فَرَقٍ يُلاحِقه، ومكروهٍ يُطارده؛ فَرَقٍ من مجابهة الصمت والسكون والفراغ؛ لأنَّ ثلاثةَ هؤلاء هم العدو فهو يحذرهم! وثلاثتُهُم يُقَدِّمونَ إليه نفسَه مجردةً من الثياب، مُعَرَّاةً تتوضَّحُ منها العورات. فلعمري إنْ هو إلا الهروب يَتَّزِرُ من جلابيب النشاط، والخوفُ من مواجهة الداخل، فلا جرمَ ينصب على الخارج.
والثالثة: أنه يعطيه شعورا يشبه تسكينَ الألم أو التخدير المؤقت،ومصدر هذا الشعور؛ هو وهم الإنجاز! فإنَّ وَخزَ الضمير لا يعمل في إنسانٍ يَتَخَايَلُ - بادي الرأي- مُجدا مشغولا. وكيفَ يلوم نفسَه على الفراغ وهو ليسَ بفارغ؟ وعلى عدم العمل وهو لا يكف عن العمل؟!
فلا يزالُ في غَمَراتِ التقدم الزائف والإنجاز الكاذب حتى تَبهته المنايا، أو تواتيه صَحَوةٌ، أو تَسنَحُ له خَلوة. فأما الأولى فهي القاضية، فيتمنى لو أُمهِلَ، ولاتَ حِينَ مَناصٍ. وأما الثانية؛ فهي وازعٌ من الضمير أو من ناصحٍ وأرجو أن أكونَ أنا هو. وأما الثالثة؛ فهي ما يهرب منه، وإن كان في الخلوة خير كثير. فلا غروَ أن يكونَ الانشغالُ - على هذه الشاكلةِ- أخطرَ من الفراغ؛ لأنَّ الأخيرَ لا ينضوي على الخداع، بل هو واضحٌ أبلج، فهو في ذاتِه كالعَدَم لا يوصف بالإيجاب ولا بالسلب. أما الانشغال الزائف فيظن الناظر فيه أنه شيء إيجابي، وأن صاحبَه يتقلب في رَغدِ حياةٍ ثرية، والواقعُ أنه يملأ المساحةَ فقط وليس المعنى، ويَتَخَطَّرُ الفراغَ ولكن إلى فراغٍ من نوعٍ آخر! فبينما قد يتسنى لمن كان فارغا أن يملأ زمانَه بالشيء النافع؛ فإن صاحبَنَا هذا ليسَ لديه من الفراغِ ما يدعوه إلى ملئه!
ومن عجيبٍ أن يتخاتَل الهروبُ بإنسانٍ؛ فيتمَثَّلُ له في مِسلَاخِ كائن اجتماعي! ولسانُ حاله: (لستَ هاربا ولا جبانا، بل أنت مقدامٌ جرئ، ومتى رأيتَ جَبانًا يَتَبسَّطُ في الورَى، فيخالط الناسَ ويشاركهم؟ وهل الجَبانُ إلا مَن ينزوي عن الخلق، ويتنحى عن المخالطة؟).. ولكنَّ المُغالَطَةَ هنا؛ أن الهروبَ لا يكون من الناس، بل إليهم، وأن الشجاعةَ ليست في مجابهة الناس، بل في مجابهة النفس! ومتى فرَّ إنسانٌ من إحدى جهتين إلى الأخرى؛ فهو خليقٌ بلقب الهاربِ، وإن كانَ قد تجاسَر على التي فَرَّ إليها! فإياه لا يهرب من الناس، وإنما يهرب من التكشف على ضعفٍ يعلمه من نفسه، أو حُلمٍ قد أطلقَ سراحَه وضربَ الصفحَ عن السعي إليه، أو عادةٍ تقودُ خُطَاه وقد أسلمَ لها القيادَ طَوعًا، أو أعمالٍ مرجئةٍ تبدو كالجبال فهو لا يتصور أن يحملَها. أو لعله يهربُ من البَوحِ بأنه قد ضربَ أكبادَ الإبل ولكن في سبيل التنائي عن أهدافه دونَ التَّدَاني منها؛ فهو يأبى الاعترافَ بالخطأ! أو - في الجملة- هو يهرب من ذاته أن تُطلِعَه على ما لا يرضى.
كيف يتعامل الناس مع الرسائل الداخلية؟
يختلف التعامل مع رسائل النفس باختلاف الأشخاص، فهناك من يواجه تلك الرسائل، وهناك مَن يهرب من المواجهة، ولا ريبَ أن الانشغالَ المتعمد؛ هو لونٌ من الهروب وإن لم يفطن المرء لذلك. أما المواجهة فتارةً تكون إيجابيةً، يترتب عليها أفعالٌ مقصودة موجهة إلى التغيير، وتارةً - وهو العجيب- لا تخلو من السلبية! وذلك بأن يواجه المرء ذاتَه، ويستمعَ بإنصاتٍ إلى ما تقول؛ ثم يتولى مُعرضا كأن لم يسمعهَا، أو ربما يُسكنها منتحلا لها من الأعذار ما يعلم أنها ليسَت بأعذار، أو يُلقي باللائمة على الخارجِ إنسانًا كانَ أو ظروفا، حتى وإن كان يعلَم أن المَلومَ هو، وليسَ ما يُلقي باللوم عليه، فيندرجُ تحت قول الله تعالى: (ومَن يَكسِب خَطيئَةً أو إثمًا ثم يَرمِ به بَريئًا فَقَدِ احتَمَلَ بُهتَانًا وَإثمًا مُبينًا)!
وحديثنا موجه إلى الهروب من النفس، والذي لا يتأتى إلا بالانشغال، وذلك لأنه - كما تبينَ- لا يمكن لإنسانٍ أن يخلوَ بنفسه ثم تظل صامتة لا تُحدث فيه حديثا ولا تُسمِعه من نجواهَا رِكزًا!
صور الهروب المختلفة في رداء الانشغال الزائف
هذا الشخص يتخذ من الهروب طرائقَ قِدَدًا، ويتوفر على نية موجهة في تفريق عزمه وتشتيتِ طاقة ذهنه، في نواحيَ شتى:
(وهو أمر محمود، مندوبٌ إليه من قبل الشرع، ولكن شريطةَ أن تنعقد النية على ذلك، وليس على الفرار من النفس)، فلا يزالُ يؤنِّسُ هذا، ويداوي جِراحَ هذا، ويجامل هذا، ويتودد إلى هذا، ثم يرجعُ إلى نفسه فيراها أحوجَ إلى تلك الصنائع من أولئك جميعا، فلا تصدر عنه صنيعةُ خيرٍ إلا وهي مشوبةٌ بالنقص، لأن فاقد الشيء لا يُعطيه، فإن أبى إلا أن يفعلَ؛ كانَ كَمَن يَحتَلِب من ضَرعٍ أجدبَ قاحلٍ!
الهروب إلى المُستقبَل: وتارةً يهرب لأحلام اليقظة فتراه مشغولا ولكن بأخيلةِ الأماني، وليسَ بالسعي إليها، فكأنه يتخذ من الطموحِ - الذي هو في أصله قوةٌ نبيلة دافعةٌ إلى التطور والنمو- يتخذ منه مَلجَأً يأوي إليه من سؤالات النفس! فيضعُ الهدفَ وراءَ الهدف، والحلم فوق الحلم، لا لأنه بلغَ الأولَ فيترقَ منه إلى الثاني، ولكن لكي يمتلأ بنشوةٍ مختلقة ويزهو بتلك الخيالاتِ زهوا كاذبا، ربما يُغنيه حتى عن السعي إلى تيكَ الأهداف، لأنه قد بلغها في أوهامِه، وتنعم بها في رياضِ أفكارِه، وحسبُ امرئٍ من التخاتُل والغَبنِ؛ أن يَعتاضَ عن تحقيق أحلامه بصورة أحلامه؛ انطلاقا من أن العقلَ لا يفرق بين الحقيقة والخيال! فتراه هائما في خُطَطٍ بعيدة، ومشروعاتٍ في طي الغيب، فيُكثر الحديثَ عما سَيفعلُه في قابل، ولكن هذا القابلَ لا يأتي أبدًا، لأنه ليسَ تخطيطا، بل هو ملاذٌ من الحاضرِ! ولأنَّ المطالَب لا تُنَال بالتمني ولكن بالمُغالَبة، ولأن الهروبَ لا يأتي بالمرغوب، بل يُباعِدُ منه. وأقلُّ من ذلك أن يَتَّفِقَ له إنجارٌ كبير، ثم لا يجني من ورائه سوى شعور غامضٍ بالفراغ، كأنه مَا كَانَ يركض سعيا إلى ما حقق، وإنما فَرَقًا من التوقف، وهرَبًا من الفراغ!
الهروب إلى الماضي: وأحيانًا يتشاغل بالذكريات والبكاء على أطلال الماضي! فيدأبُ على سَردِ وقائعِ الزمن الجميل، ويُكثر الحديثَ عن أمجادِ البارحة، إما متذكرا لها في نفسه وإما ذاكرا لها على مَلأٍ من المُقَربين. ليس فحسبُ لأن أحداثَ الماضي تستحق التذكر، ولا لأنها فقط تمسَح بسحرها لأواءَ الحاضر، وتُضمد بيمينها الحانية تباريح الدهر، ولكن أيضا - وهذا هو المهم- لأن الماضي مَوضعٌ آمنٌ لا يطلب فعلا، ولا يُلزم مسؤولية!
وهكذا يَتَفَرَّقُ الهروبُ في أبعادِ الزمن الثلاثة: حاضِرٍ ننشغلُ عنه بالعيشِ في حاضرٍ آخرَ لا يعنينا، وذكرياتٍ تنبعثُ إلينا من أجداثِ الماضي، وآمالٍ عن المستقبل تصرفنا عن العمل لهذا المستقبل. ولعمري؛ إن الخطر ليسَ في العمل، ولا في الذكرى، ولا في الأمل والحُلم. فكل هؤلاء من سِيمَا الأحياء دون الأموات، فمن لا يحلم ولا يتذكر ولا يعمل في الحاضر ليسَ بحي أصلا! المشكلة فقط في توجيه هذه الأمور، في أن نُحيلَها من وسائلَ للحياةِ؛ إلى وسائلَ للهروب من الحياة! فالفَرقُ بين الانشغال الذي هو عملٌ نافع، والانشغالِ الذي هو هروب؛ هو أن الأولَ يسوقُ المرءَ إلى ذاته، والأخيرُ يَنأَى به عنها. والاختلاف بين الحُلم المُثمر، والحلم الهارب؛ هو أن الأولَ يعمل عملَ البوصلة في تحديد الاتجاهات، وقوة الرياح في تحريك الشراع، بينما الثاني؛ فيجعلُ الحياة مَحضَ انتظارٍ وترقب. والانشغالُ بالماضي بهدف التعلم من أخطائه وتعزيز نقاط القوة؛ أمر حسنٌ محمود، أما أن يكونَ سبيلا للهروب من الواقع؛ فغَبنٌ فاحش!
ومن ألطف حيل الهروب؛ أن يأتي في صورة الاهتمام الزائد بالتفاصيل (التي تخصه والتي لا تعنيه)، والتخطيط الذي لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها؛ فهنالك يدق عن الملاحظة، لأن الهروبَ يخلع على حاملِه من خُلق اللامبالاة وغَيض الاكتراث، فحين يأتي الهروب في زي الاهتمام المبالغ والتخطيط المُفَصَّل؛ فقل أن يدرك المصابُ به أنه هو هوَ؛ ولكن في حُلَّةٍ مخادعة، كأنه يقول لصاحبه: أنت على النقيض من ذلك. فتراه ينصرف بالمظهر عن الجوهر، ويخوضُ في جِدالاتٍ طويلةٍ لا تَمُتُّ له بشيء، ويَلِجٌّ في قضايا هامشيةٍ لا تتصل بحياته من قريب ولا بعيد. أو قد تكونُ هذه القضايا بالفعل بعضا من حياته، ولكنه يأبى إلا أن يجعلَ من البعض كُلًّا، ومن الهوامِش والفروع أَصلًا! لأن العقلَ حين يخشى مجابهة الأسئلة الكبرى؛ فإنه يتَلَهَّى عن ذلك بالأسئلةِ الصغرى، وحين ينزعج بالقضيةِ المحورية؛ يَتَحيَّف إلى قضايا هامشية. ولا عجبَ إذن أن تراه مُتحمسا للأمور التي لا تخصه، بينَا هو عاجزٌ عن قرارٍ واحدٍ يتعلقُ به! وتراه جريئا على خوض معارك الآخرين، هَلوعًا أن يخوضَ معركتَه الخاصة، كما أنه يحترف إدارةَ التفاصيل الصغيرة في حياته، في الوقت الذي يتغاضى عن إدارة المعنى الكلي لها! فلديه أجندة مفصلة للمواعيد، والاجتماعات، والملفات، والمهام اليومية، ويَترَاءى له أنه مُنَظَّمٌ إلى الدرجة القصوى، يضع كل شيء في موضعه اللائق، بيدَ أنه يُخفي وراءَ هذا النظام المُتَأنِّق فوضًى غيرَ مُتأنقة! ويتذرع بذريعةِ التفاصيل عن لُبِّ المعنى.
وربما انطلى على صاحبه بأن يأتيه في صورة حب المعرفة والاطلاع، فلا يزال يتقلب بين الكتب والأفكار والمواقع والفلسفات المتباينة كأنما يبحث عن ضالةٍ ينشدها، والواقع أنه يتلبَّطُ في أمورٍ تصرفه عن نفسه، ويُشَعِّثُ من همه خشيةَ - إن هو اجتمعَ- أن يطلعه على ما يفرق من معرفته! فكأنه يأبى إلا معرفة الظاهر ليحتبسَ فيه عن معرفة الباطن، ولو كان من جنس التفاهات العقلية، وزُبالات الرأي، وحُثَالاتِ المنطق! أما إن كانَ من جنس الأفكار النافعة؛ فقلَّ أن يُفيقَ صاحبُه من سكرة الخداع! لأنه يظن نفسَه مشغولا بالحق، وهو مشغول عنه، ويحسبه مجتهدا في معرفة الحقيقة، وهو مجتهد في الهروب منها!
وآيةُ هذا الخداع؛ أن تراه مثلا يتصفح كتابا ثم لا يفقه منه شيئا، أو يَمتَهِدُ المسألةَ ثم لا يخلص فيها إلى رأي، أو يلج في جدالٍ علمي لا يستفيد أيٌّ من طرفيه، فلا تستوي له قضيةٌ على ساق الكمال، ولا يختمر له ثريدٌ على أثافِ النضوج، وهو مع ذلك لا يرقأ نَهمُهُ أن يُرَاقَ على كل مائدة، ولا فضوله أن ينسكبَ على كل أطروحة؛ فكأنه يجتهد ألا يشبع، لأن الشِّبَعَ آيةُ الفراغ، والفراغُ مَئِنَّةٌ أن ترتفعَ عقيرةُ النفس، وهو دؤوبٌ أن يسكِتَهَا! ولا يزالُ يَضربُ في كل سبيلٍ بخطوة، دونَ أن يكمل سبيلا واحدا إلى النهاية، فتراه كمن يسيحُ في الأرض مُتنزِّهًا، لا مُقيما فيها ولا إليها نازحا، يتخذ من الكتب والعلوم نوافذ يطل منها على العالم، وليس من بينها نافذةٌ واحدةٌ تُطِلُّ على نفسه، ويعرف الكثيرَ عن الخارج، ولا يَكتَنِهُ الداخلَ إلا قليلا!
وقد يكون الهروب عبرَ التكنولوجيا، من خلال الشاشات: هواتف ذكية، حواسيب، إعلانات، مواقع إلكترونية، شبكات التواصل الاجتماعي. فإذا هو يندفع إلى الانشغال الرقمي حتى النخاع، وينصرم الزمان سريعا، بينما هو في مَبعَدَةٍ عن صمته الداخلي! ولا يفعل - بذلك السيل من الإشعارات، والأخبار، والمنشورات- سوى التلهي عن سؤالٍ يلح في أعماق نفسه: هل أنا حاضرٌ في حياتي؟ هل أنا أعيش الواقع كما ينبغي أم أنني فقط أرجئ العيشَ فيه؟!
وقد يأتي الهروب؛ في صورة مقارنةٍ يعقدها بين نفسه وبين الآخرين، وقد تحدثنا عن مَغَبَّةِ المقارنة السيئة في مقال سابق، فلن نعيد هنا ما ذكرناه هناك، ولكن نومئ فحسب إلى أنها مظهر من مظاهر الهروب من مواجهة الذات! فالأيسرُ أن ينشغلَ المرء بها، فيجعلها عذرا يواري بها سوأتَه، لأن سبقَ الآخرين يؤولُ في نفسه المتهوكةِ إلى عدم الجدوى من المحاولة! فينظر إلى فلانٍ الذي حقق حلمه هو، فيتعلل بأن القدرَ قد جاوزَه إلى غيرِه، وأن الحظ حالفَ الآخر بينما تجافى عنه.
ثم هي - مع ذلك- هروبٌ من وجه آخر، وهو أنه ينصرف من المقارنة الإيجابية إلى السلبية. أما الأولى فهي ما ينعقد بين الواقع والمأمول، وأما الثانية فتكون بين نفسه والآخرين، فيكون التشاغل بالثانية انشغالا عن الأولى.
وربما يكون الهروب عبر العلاقات الاجتماعية الكثيرة ولكنها سطحية هشة، فالخُلطاءُ كثيرون، لكنه لا يدع أحدا منهم يعرفه حقَّ المعرفة! والمحيطونٌ به جمعٌ غفير، لكنهم كأسرابِ القَطَا، لا تراهم إلا مترحلين! وينغمسُ في اللقاءات، والمحادثات، والندوات، والحفلات؛ ثم هو مع ذلك وحيدٌ مُستوحش، كأنما يتداول أطرافَ الحديث دونَ أن يتجاوزَ الكلامُ الألسن والآذانَ والحناجر! فيتدثر بما يحسبه معطفا ثقيلا، وإنما مَثَلُه كَمَثَلِ العَنكَبوتِ اتَّخَذَت بَيتًا وإن أَوهَنَ البُيُوتِ لَبَيتُ العَنكَبوتِ لَو كَانُوا يَعْلَمُونَ!
فهو ينشغلُ بتلك العلائقِ الواهية مُحاولا أن يكونَ مقبولا، ربما لأنه يبحث عن القبول خارج نفسه! مجتهدا في أن يُحبَّه هؤلاء عَسَى أن يهرب من كرهه لذاته! أو من أشباح الوحدة، ومخايل الحزن، ودَواعي الخيبة. فكأنه يتشح بهم وشاحًا أسودَ ينضوي تحته إملاقُ النفس، فهي من دونه فقيرةٌ مملقة! وهي به مُنتَبِرَةٌ بارزةٌ ولكنه امتلاء الأجوف! كَمَا مَثَّلَ النبي صلى الله عليه وسلم لمسألةٍ فقال: كَمَثَلِ جَمَرٍ دَحرَجتَه على رجلِكَ، فَنَفِطَ، فَتَرَاه مُنتَبِرًا وليسَ فيه شيء!
وقد يهرب عبرَ الحركة المادية، فيكثر من التنقل دون هدف معلوم، أو يُفرط في ممارسة الرياضة، أو يسافر بين البلدان لا حاجةَ له في التي سافرَ إليها أكثرَ من التي خرجَ منها، كأنه يَهيم على وجهه لا يدري أين يريد! وكأنَّ حركةَ الجوارح عنده تقومُ مقامَ حركةِ النفس وتُغني عنها! مع أن المنطقي أن تنبعثَ الجوارح عن توجيه النفس ولا عكس! ولكن هذا يتحرك أولا ثم لعله ينصرف بذلك أصلا عن معرفة العلة من الحركة والتنقل.
وربما هربَ الإنسان من مواجهة حقيقة أنه بشر ناقص، يصيب أحيانا ويخطئ أحايين، فيهربُ من هذه الحقيقة من خلال طلب الكمال وإدعاء المثالية، لأن طلبَ المُحال هو عينُه مُحالُ الطلب! بمعنى أنه يطلبُ أمرا هو يعلم أنه ليس ببالغه، فيتعذر لنفسه ويَحتَجُّ لها بأنَّ اللهَ لا يُكَلِّفُ نَفسًا إلا وُسعهَا، وهذا المُحَال الذي تَسعينَ إليه - أيتها النفس- ليسَ في وُسعِك، ومن ثم فلستي مُكلَّفَةً به! وهي كلمة حق أُريدَ بها باطل، لأن النبي صلى الله قال: عَليكم بما تُطيقون، فأوجَبَ عليهم ما هو في حدود الوُسع والطاقة، أما أن يأتيَ هذا فيجعل من المثالية عُرضَةً لعدم السعي، فهي مغالطةٌ غير مقبولة، ولكنها واحدة من حِيل النفس! لأن النفس ليست مكلفةً بالمثالية بالفعل، ولكنها بالتأكيد مكلفةٌ بما دونَ ذلك مما هو في حدود الاستطاعة.
وهناك الهروبُ من القرار: بما أن بعضَ القرارات تبدو ثقيلةً جدا، لأنها لا ترسم حدودَ الحاضر فحسب، ولا المستقبل وحده، ولكنها ترسم حدود المصير أيضا، كما في قرار الزواج والطلاق، أو الانتقال إلى بلدٍ آخر، أو ترك الوظيفة إلى غيرها، أو إنشاء مشروع؛ فإنه يتخذُ من الانشغال بالأمور الجانبية؛ تسويفًا وإرجاءً، ربما لأنه لا يملك من الشجاعة ما يتخذ به هذا القرار، لكن العجيبَ أنه أيضا لا يتجاسر على اتخاذِ قرارٍ معاكس! فهو لا يقوى على قرار ترك الوظيفة، ولا البقاء فيها أيضا! ولا على قرار الانتقال إلى بلدٍ أخرى، وإن كان أيضا لم يقرر أن يظل في بلده! فهو في أمرٍ مريج! وحتى يحصل على بعض السلام المؤقت، ويتخلص من تشاكس الأفكار في عقله؛ فإنه يُقرر الانسحابَ مؤقتا من هذا الصراع النفسي المرير؛ ريثما تواتيه الشجاعة يوما، وقلَّ أن يحدث!
أو هو يهرب من ذاتِه الحقيقية إلى ذاتٍ مصطنعةٍ: فلا يعنيه في هذه الحالة إلا أن يُحافظَ على الصورة التي رسمَها لنفسه لدى الناس، فالمهم هو أن يراه الناس قويا متماسكًا، وإن كانَ في داخله ضعيفا مُتضعضعا! أو ناجحا ألمعيا وإن كانَ بضد ذلك! وينسى المسكينُ أن الإبقاءَ على الوهم؛ أشقُّ على النفس من الإبقاء على الحقيقة، لأن الأول لا يتأتى إلا بالتكلف والتعمل والتصنع، بينما الثاني هو ترك النفس لتنسابَ على سجيتها.
مُحصلةُ الانشغال الزائد بهدف الهروب من النفس
ومن هنا يشرئبُ شكلٌ غريبٌ من أشكال الحياةِ؛ حياةٌ حافلةٌ من الخارج قد اتَّخَمَت أفاويقُها وامتلأت ضُروعُها،
ولكنها فارغةٌ من الداخل كالبئرِ التي مُتِحَت عن آخرها! ترى صاحبها دائبا على الحركة والسير، لكنه أيضا لا يدلف نحو شيء، ولا يصل إلى جهة، فهو أشبَه بِمَن يركض سريعا على جهاز المشي، ثم لا يغادر موضعَ قدميه أصلا! وكلما أسرعَ العدوَ، لم يتقدم خطوة وإنما زاد إنهاكا، فيحسب أن بذلَ الجهد دليلٌ على التقدم، مع أن بذل الجهد في الطريق الخطأ يعني التراجعَ، فضلا عن الثبات، ناهيك عن التقدم! لكنَّ هذا هو ما ينخدع به. فإذا انضافَ إلى ذلك؛ أن عدَّ الناسُ أيضا فعلَه تقدما؛ فقد عظمت البلوى، وأُحكِمَت عليه حَبائل الخديعة؛ إذ يتحول الانشغالُ في حقه سِتارًا اجتماعيا، يخلع عليه القبولَ من الخارج، في حين يعتلج الداخل على قلقٍ لا يشعر به إلا هو! فالمحيطون به يجعلونه في مصافِّ الوجهاء، وإن كان هو في سِماطِ الوضعاء! فيزيدون الطين بلة، إذ يهدهدونَ من مشاعر القلق التي تعتمل في نفسه، ويضفون على هروبه صبغةً من الإيجابية!
وثَمَّ مشكلةٌ أعمقُ من ذلك؛ وهي أن هذا الإنسان لا يشعر أنه مخدوع! لا يُحسُّ بالزمان يتفلَّتُ من بين يديه ليصيرَ من خلفه. وكُلَّمَا هَمَّ أن يُراجِعَ نفسه، أو أن يتوقفَ يسيرا ليتأمَّل؛ زَجَّ به الخوفُ إلى حركة جديدة، أو مشروعٍ آخرَ، أو ضجيجٍ جديد، فلا يزالُ يجمَحُ في انشغالٍ مطرد، وهروبٍ مُستَمر! يَحسب أنه يهرب إلى الحياةِ وهو يَهرُب منها، وإلى الإنتاج وهو يبذل مهجته سِفَاحًا، ويُريقُ حُشاشَةَ نفسِه إهرَاقًا! حتى إذا مَضى هزيعٌ من العمر؛ تَأمَّل، فكأنَّ العمرَ مرَّ بالناس دونَ أن يَمرَّ عليه، كما لو كَانَ إبَّانَ مروره مَغشيا عليه! ثم لا جَرَمَ أن يستحيلَ الهروبُ له خُلُقًا، والانشغالُ الزائفُ له عادةً ودَأَبًا، والفعلُ المُتَهَافِتُ - الذي هو أشبَه في جَدواهُ بالبطالة- سجيةً ونَمَطًا! فيرى كلَّ توقفٍ كَسَلًا، وكل تأمل؛ تضييعًا للوقت وهَمَلًا، وكل استراحةٍ؛ تخاذلا وفشلا! مع أن انشغالَه الزائفَ هو الذي يفعل ذلك. فيستمر في الركض على أملٍ أن يتخلصَ من أَلم الفراغ؛ فيكتشف أنه لا يزداد بالركض إلا فراغًا، ولا تملأ جوفَه الإنجازات إن هو حقق منها شيئا، وقَلَّ أن يفعل!
هل تأملتَ يوما قولَه تعالى: فمثله كَمَثَلِ الكَلبِ إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث. لا تتسرع فتحسب أني أصف هذا الإنسانَ المشغولَ الهاربَ؛ بالكلب، ولكن ألا ترى أن الكلبَ يلهث في كل أحواله؛ سواء تم مطاردته أم لا، فاللهاثُ في حقه غير مذموم لأنه آلية لتنظيم حرارته، لكن أن يلهث إنسان دون أن يترتب على ذلك فائدة؛ فهو أمر مذموم! أن نركضَ فرارا من خطر، أو سعيا إلى غاية؛ فهذا من النضج، أما أن ننشغلَ إلى حد الركض السريع، ومن ثم إخراج اللسان من التعب والإعياء (اللهاث) في مقابل لا شيء؛ فهو فعلٌ غريب، أقربُ إلى السفه منه إلى الرشاد!
الهروب من مواجهة النفس لا يدوم
لكنَّ الفرارَ من النفس لا سبيلَ له إلى الديمومة، لأن النفسَ كالطفيلي الذي لا يعنيه حفظ ماء وجهه، بمقدار ما يعنيه أن يحصلَ منك على ما يريد، فالنفس مهما طالَ التغاضي عنها؛ تظل حاضرةً في موضعٍ بداخلك؛ تهتبلُ منك كل سانحة لتطلعك على الحقيقة، وتلك السوانح هي اللحظاتُ التي يخفت فيه الضجيج بالخارج، ولو بسلطان القوة، والتي يخلو فيها المرء بنفسه، دون ثالثٍ يقطع ما بينهما من التناجي.
عند ذلك تَبعَثُ النفس برسائلها؛ في صورة إشاراتٍ لطيفة؛ تَعبٍ غيرِ مُبرر، أو ضيقٍ بلا سبب معلوم، أو شعورٍ بالخواء والفراغ وإن كانت محاطةً بالفئامِ من الناس، أو وميضٍ خافتٍ يُشير إلى موضع علةٍ دونَ أن يفصح عن كنهها.
كما يحدث في أيام المرض الطويل، حيث تتجرد النفس من مطامعها، فتخلعها على عتبة المرض، وتنجمع على ذاتها في صومعة نائية عن الضجيج، فتكون لها كالمحراب. وكأن المرض يأبى إلا أن يجردها قسرا من ثياب المطامع، لترجعَ إلى حيث بدأت نفسًا نقيةً صافيةً؛ فلا تلبث من برائتها أن تُعلن عن خبيئتها التي طالما بالغَ هو في طمسِها! ليكتشفَ حينئذٍ أنَّ بينَه وبين نفسه ما يشبه الهوةَ السحيقة، أو الصدعَ الغائرَ!
وكما يحدث في الليالي الطويلة، التي يصاب فيها بالسهاد والأرَق، حيث يُغشي الظلام الحالكُ فوضى الخارج، بينما ينبلج في النفس نورٌ طفيف كنور الشموع، لكنه حين يبزغ في الدجى يكون أبلغَ من نور السراج المتوقد في اليوم المشمس! لأنه النورَ اليسيرَ لا يُظهره النورُ الكبير، بل يظهره الظلام المستطير. فإذا جَنَّ الليل أظلم كل شيء عدا ما ينبعث من ثنايا النفس، وخفتت كل الأصوات خلا ما يصدر عنها. فكل خلوة فرصةٌ لا تتوانى النفس أن تقتنصَها لتفصحَ عن مكنونها، لكنها على صاحبها محنة، تضعه وجها لوجه مع ما يكره!
الخلاصة
بقي أن نقول؛ أنني لا أدعوكَ إلى ترك العمل، واعتزالِ الحياةِ والناس، ولا أهيجك على أن تخلدَ إلى الأرض وتضعَ عن كاهليك ما ينبغي عليك فعلُه! كلا، بل الانشغالُ بالحق علامةٌ على الصحة النفسية. ولكني بالتحديد أربأ بك وبنفسي عن أن ننشغلَ بالتفاهات، أو نتخذَ من الانشغال الزائف مَهربًا من الانشغال النافع. المطلوب منا هو الوعي بالذات دون تجاهلها، والانشغالُ عن بصيرةٍ وغايةٍ موجهة؛ لا عن قتلٍ للفراغ، وهروبٍ من الصمت. الفراغُ نعمة ومنحة؛ فلا تقلبه بسوء استعماله نقمةً ومحنةً.
إن مساكنةَ الفراغ، وموادعةَ البطالة ليست سلوكا سويا على كل حال، ولا يُخاطرنَّك أني دعوتك إلى ذلك، ولكني دعوتك إلى النظر فيهما لا باعتبارهما عدوا تدافعه، ولكن باعتبارهما وسيلةً للتعرف على ذاتك. فالذي يقبلُ المواجهةَ؛ هو وحدَه الذي يحيا بعد ذلك حياةً حافلةً ممتلئةً امتلاءً حقيقيا، لأنه سيتحرك بدافعٍ من الاختيار والقصد دونَ دافع الهروب والخوف.
ولا تحسبنَّ المواجهةَ حَدَثًا دراميا كبيرا، يحمل في طيه معنى الانقلاب والثورة، فالأمرُ أهون من ذلك بكثير. فقط اسمح لنفسك بمساحاتٍ من الصمت؛ ولن تلبثَ المعاني التي طَمَسَها الضجيجُ أن تتبلج. وعندما تكون فارغا؛ فلا يكن همك هو ملء الفراغ، بل أن تنظرَ في هذا الشاغل هل يستحق أن يكونَ نزيلا، وهل هو يتفق مع الرؤية الكلية لحياتك، والرسالةِ العامة التي تسير وفقا لها، وإلا فبقاؤك فارغا أحبُّ إليَّ من أن تنشغلَ بشيءٍ لا يدنيك من رسالتك، ناهيكَ أن يكونَ مقصيا لكَ عنها.