الأفكار التي تسكن فينا أكثر مما نسكن فيها
الأفكار التي تسكن فينا أكثر مما نسكن فيها
إن بين الإنسان وبين أفكاره علاقة تكاملية، كالحلقة المُستديرة؛ لا تَتَّبِعُ فيها موضع نقطة حتى تقودَك إلى التي تليها، حتى تعودَ أدراجَك إلى حيث بدأتَ. أفكارُنا ليست مجرد معانٍ جامدة تَسبح فوق قشرة الدماغ، ولا هي - فَحَسْبُ- إشاراتٍ عصبية تتأرجح بين خلايا المخ، إنها أشخاص كاملةٌ تسكن في أجسادنا، تحاورنا ونحاورها، وتجادلنا فتظفر بالنصر أحيانا، وتولي مهزومةً في أحيان أخرى. ولكن الغريب أن نكونَ نحن مَن يسكن في الأفكار لا هي التي تسكن فينا! والفرق بين الأمرين؛ أن القاطِنَ يملك حريةَ الرحيل متى شاءَ ذلك، بينما لا يستطيع المَسكَن أن يلفظَ ساكنيه إلى الخارج، إلا أن يأتي زلزالٌ يقتلعهم منه اقتلاعا! هنالك حيث تكونُ الفكرة قوية بحيث يعني التخلصُ منها؛ نقضَ البُنيانِ لا مجردَ الخروج منه!
الأفكار حين تكون سجنا!
عندما نسكن في بناءٍ مصنوعٍ من أفكارنا؛ فهذا يعني أننا لا نملك حقَّ المغادرة، إلا كمن يسكن بيتا لا يدعه إلا ساعاتٍ من اليوم والليلة، ثم لا يجد بُدًّا من أن يأويَ إليه في النهاية. إن بعضَ الأفكار ليست فحسبُ بيتا أفيحَ؛ كالحديقة الغناء نتقلب بين خمائلها، وجداول الماء فيها، ونَمَلُّ منها موضعا فنأنس منها بغيره؛ بل هي زنزانة ضيقة مصفدة لا تسنح لنا بالحراك إلا في حدود قضبانها! وَمَثَلُ الأفكار منا، كمثل مَن ألقى في الأرض بذرةً لا تزيد عن السنتيمتر، ثم تركها، فَجعلَتْ تتشعَّبُ في طبقات الأرض، فأنبَتت جذورا، فأنشأت الجذور فروعا، ثم أغصانًا وأوراقا وثمارًا، واستَحَالَت شجرةً باسقةً تحتل موضعه الذي يسكن فيه، فلم يجد مناصا من أن يسكن هو فيها! ولم تكتفِ بظلالٍ تتفيؤ عن يمينه وشماله، بل أصبحت ظلاما مستطيرا يتغشَّاه من حوالَيه، فحجبت عنه النور؛ إلا ما يتسلل من بين فروعها لواذًا؛ ورجَعت هي المهيمنةَ عليه ولم يعد هو مهمينًا عليها، وغدَت قسطاسَ أحكامه على الأشياء لا ناجمةً عنها! فالأصل أن تنبثقَ الأفكار عن التعرض للأشياء، لا أن تكونَ سببا لها، ولأوراقِها حفيفٌ لا كالحفيف بل ضوضَى تحجب السماعَ إلا أن يكونَ للصوتِ الصادر عنها!
ليسَت كل الأفكار كذلك، ولكننا نتحدث عن النوع الذي يترسَّخُ منها في الأعماق حتى يغدو بمثابة المحتل، الذي يدخل بلدا فلا يرضى بأقلَّ من إخراجِ أهله منه، وسُكنَى ديارِهم واستبدال السكان الأصليين، وإعادة ترتيب الوطن من الداخل. فهناك أيضا أفكار عابرة كأبناء السبيل، أو كالضيف الخفيف، يزور قليلا ثم لا يلبث أن يغادر! النوع الذي نعنيه من الأفكار؛ هو نوعٌ يشبه الورَمَ الخبيثَ يستأصل الخلايا الأصلية ويحل محلها. هو صِنفٌ يتقلد دورَ القاضي، ويتبوأُ مقعدَ الملك المطاع، والقانونِ الذي لا يُخرَق؛ فيحكم على العالم من خلاله هو، لا من خلال الحقائق والبراهين.
من هذا النوع مثلا؛ أفكارُنا عن النجاحِ، أو عن الفشل،عن الصواب والخطأ،عن الذاتِ وعن الآخرين، وعن العالم أيضا. إنها أفكارٌ لا تَعرِض؛ ثم تودع، بل هي تدب في النفس دبيب الأَكَلة في قصعة الطعام، لا تتركه حتى ينفد! فهي أيضا لا تترك صاحبها إلا بالموت أو بأن يتعاطى لقاحا يستأصل شَأفَتَها قبل أن تستأصلَ هي ما تَبقى منه. في كل مرة تضرب؛ تعود أقوى مما كانت، لأنها لم تعد فكرةً فحسبُ؛ بل أضحت عادةً في التفكير! إنها بهذا التعريف المُسهَب أقوى من الوسواس القهري - وإن كانَ هو من جنسها- بيدَ أنها لا تقتصر على الإلحاح كما يفعل الوسواس، ولا تعمد مثله إلى تزييف الواقع من جانب واحد، بل من كل جوانبه؛ لأن الواقعَ لا يُرَى إلا من خلالها!
فلا تزال فكرةُ عجزٍ تعتلج في صدر أحدهم حتى تَشلَّه عن الحراك، وليسَ له من العجز إلا فكرة تسكن في نفسه! ولا ينفكُّ إنسانٌ يكابد من عثراتِ أفكاره، ما لا يكابد من عِثارِ واقعِه! وربما استطردَت ببعضهم خيولُ الخوفِ حتى داهَمَت نفسَه التي بين جنبيه، فجعلَ يَفرَقُ من الفعل فَرَقَ مَن لا يُحسِنُ السباحة؛ أن يُلقى في سواءِ البحر! فالعالمُ في ناظريه مَسرَحٌ من التهديد، والناسُ من حولِه ثُلَّةٌ من المُنتفعينَ والمُغرضين، يَتحَيَّنونَ منه غفلةً حتى يباغتوه، ويَهتبلونَ منه ضعفا حتى ينقضوا عليه! وربما انطَوَى آخرُ على فكرةِ النقص الذاتي، فجعلَ يرَى كلَّ مَن يمشي على قدمين أفضَلَ منه! ومَن يعتقد عن الناس أنهم جميعا خائنون! ومَن يرى في نجاحات غيره تهديدا له، ومَن يَظُنُّ العالمَ قَتُورًا شحيحا لا يعطيكَ بعضَه حتى تعطيه كلَّك! ومن يعتقد أن الأغنياءَ قاطبةً لصوصٌ!
وهناكُ مَن يسكنُ بناءً من الأفكار أيضا، ولكنها من النوع الجيد؛ كمَن يتبنى فكرةَ الأملِ والتفاؤل، فيَبعَثا في قلبه السرور وهو في سواء القِفار؛كالنور يسطع في غيابات الكوارث، فيرَاها ضئيلةً هشةً في رِياضِ النعم وجنات العطاء، وكالماء يُنبِتُ الكلأَ في الأرض البور، وتتخلَّقُ به الفرص في أرحام القواصِم. وكمن ينعقدُ في داخله على تقبل الناس كما هم، لا كما يحب هو أن يكونوا. وكالذي يعتقدُ أن في كل نازلةٍ جانبا مشرقا ولابد، فيتحرَّى البحثَ عنه.
إنها أفكارٌ معقودةٌ في سواء النفس، أقربُ إلى أن تكونَ موسومةً بالعقيدة، منها بالأفكار. فليسَ بالضرورة أن تنصرفَ مُفرَدَةُ العقيدة إلى الأفكار الدينية الراسخة، بل هي تنصرف بالأحرى إلى كل فكرةٍ راسخة بصرف النظر عن موضوعها! وإنما وُسِمَت بذلك، لكونها تشبه عقدةَ الحبل، لا تُحَلُّ إلا بأن تُبادَ أو تُقَص أو تُحرَق.
خطورة الأفكار حين تحركنا دون أن نشعر
ومع خطر كل ما تقدم؛ إلا أن الجانبَ الأكثر خطرا؛ هو أن صاحبها يظن نفسَه حرا طليقا، يفكر كيفما شاء، ويُقرر حيثما تقتضي الحكمة، والواقع أنه ليسَ حُرًّا؛ إلا بمقدار ما أُودِعَ في قَدَمَيه من الأثقال، كالدابة ترتعُ.. ولكن في حدود أرسانِها! وكالصبيِّ يَعدو.. لكن في أمتارٍ معدودة حَدَّهَا له الأهلُ استبقاءً له من الهَلَكة! فهو أيضا يفكر؛ ولكن في إطار الفكرةِ القديمة التي تسكنه منذ زمنٍ بعيد! أو على الأصح؛ التي يسكنها هو دونَ أن يدري!
فهو يُشبه مَن يدرس المسألةَ من كل جوانبها، ويُقَلِّبُها على كافة وجوه النظر، ثم يترك القرارَ في النهاية إلى طفلٍ ذي ستة أعوام! فلا تكون حريته - في اتخاذ القرار- إلا بمقدار حرية هذا الصبي الذي احتَوَشَته الطفولةُ في ضحالةِ الرأي، وهشاشةِ المنطق! إنها في هذه الحال - بتشبيهٍ آخرَ- بمثابة السائق في الحافلة، يمتلك حق توجيه المقود دونَ جميع الركاب، فكأننا من أفكارنا المتجذرة؛ كالركابِ من هذا السائق، غيرَ أنه أصم لن يستجيبَ للأصواتِ الناعقة من حوله لأنه لا يسمعها!
ومتى استقرَّت فيه زمنًا؛ صارَت كالأصل الذي هو بعض فروعه، أو كالوطنِ الذي هو بعض أضيافِه، فلم تعد رأيا يَتبَنَّاه؛ بل عينين؛ هو من دونهما أعمى لا يبصر شيئا، ومعيارَه الذي تُوزَن عليه الوقائع، فهي صغيرةٌ وكبيرةٌ، وعظيمة وحقيرة، ونافعة وضارة؛ لا لأنها كذلك، ولكن لأنَّ معيار الفكرة التي يعيشُ في أكنافِها أدلَى بتلك الشهادة! فيعودُ هو صنيعةَ أفكاره لا صانعا لها، وترجعُ هي حاكمةً عليه لا محكومةً بذهنه. حتى إذا صارَت بعضًا منه، أو هوَ صارَ بعضًا منها؛ فهو وفكرته ذاتٌ واحدة، وأفكاره هي هويته، وهويته ثلةٌ من أفكاره؛ فقلَّ أن يطمعَ في مناقشتِها فضلا عن أن يطمع في تغييرها!
إذن فخطورةُ الفكرة الراسخة هنا: في كونها تتقلَّدُ زِمَامَ التوجيه، وفي كونها راسخةً جدا مُستَعصيةً على التغيير. لكن هناك ما هو أهم من ذلك؛ وهو قدرتها على التواري والتخفي، قدرتها على التأثير دون الحاجة للظهور، فهي لا تحتاجُ أن تَشرئبَ لكَ من جُحر النفس لتقولَ لك: [بالمناسبة، أنا الفكرة التي تنظر من خلالها إلى العالم، وكل ما تراه لن يعبر إليك إلا بعد أن أقومَ أنا بفلترته وتنقيته}! وإن كانَ هذا بالضبط هو ما تقوم بفعله! فإنما يعنيها التأثيرُ، وليس الظهورَ بمظهر المؤثر!
تماما كما يعملُ الشيطان في صمت دامس، حتى إن كادَ لَيكون هو الفاعلَ الحقيقي، ولكنه يلبس ثيابا متبذلةً من التواضع قائلا: {وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي}! ولَعَمري إن للفكرة التي نعنيها أثرًا أعمقَ من تأثير الشيطان، إذ لا سلطانَ له علينا في الحقيقة، بينما لتلك الأفكار التي نسكنها سلطانٌ وأي سلطان!
وحين يكون التأثير خفيا؛ فإنه لا يُقاوَم ولا يُعارَض، إذ كيفَ تُنافِح ما لا ترى؟! وعندئذ فهو ينمو ويترعرع دون مقاومة، ويتبسَّطُ في الخلق دون محاولة للتحجيم! فيعمل في الخفاء كما تعمل القواعد في اللغة؛ نتحدث وفقا لها دوما، ولا نُفكر في وجودها أصلا! كما أننا نرفع الفاعل وننصب المفعول، ولو أتى الكلام على نحو آخر، لمَجَّه السامع دون أن يدري لماذا!
فتمر الأعوام تلو الأعوام ونحن نُفَسِّرُ الأحداثَ بالطريقةِ ذاتها، دون أن نتوقفَ بُرهَةً لنسألَ: من أين أتت هذه الطريقة ابتداءًا؟ هل تعرف السبب في كوننا لا ندرك تأثير الأفكار؟ لأننا لا نُدرك أصلا أن ثمةَ قواعد خفية تتحكم في اللعبة، وأن أفكارًا بعينها هي المَعبَرُ لأحكامِنا على الأشياء، حتى غدت كأنها جزء من طبيعة الأشياء!
تعدد ردود الأفعال نحو الحَدَث الواحد
حُكِي أن رَجُلَين محبوسين تَطَلَعَا من خلف قضبان السجن؛ فاتجه بصر أحدهما إلى النجوم وأبراج السماء؛ فقالَ غدا سوف أخرج من هذا المكان، ولن يحولَ بيني وبينكِ حائلٌ أيتها النجوم الزاهرة، فاهتزت نفسه طربا، وهانت عليه لأواء الأسر. ونظر الثاني إلى الوحل؛ وقال: غدا سوف أوضع في هذا الطين، فما أنتَ أيها الوحل والسجن إلا واحد، فأنا اليومَ مَدفونٌ في هذا السجن، وغدا أُدفَن في هذا الطين؛ كلاكما قبر، فازداد هما على هم، وكأن قضبان الحديد قد غادرت أماكنها لتلتَفَّ حول قلبه ونفسه؛ فضاقت حتى زَهَقَت من كَمَدِها!
إن تَبايُنَ الظروف الملابسة للأحداث بين الناس؛ قد يُوهِمُ بأن المشكلةَ في هذه الظروف، وأن ردودَ الأفعال تعتمد فحسب على طبيعتها؛ فإذا استَوَت، ومع ذلك تمايزَ المتعرضون تمايزا فَجًّا؛ رَجَعَ الأمر إلى شيء خفي في تلك الذوات المتعرضة! إنه قوة الفكرة التي يحملها كل منهم.
لقد أُودِع ابن تيميةَ السجنَ أيضا فقالَ كلمته المشهورة: (ما يصنع أعدائي بي، وأنا جنتي وبستاني في صدري، إن حَبسوني فَسجني خَلَوة، وإن نَفَوني؛ فَنَفيي سياحة، وإن قَتلوني فموتي شهادة!) فتشعرُ - إبانَ تسمع ذلك- أنه يُشفِق على أعدائه، وقد أعيتهم الحيلة أن يلحقوا به الضرر، فكأنه قالَ لهم: يمكنكم أن تتحكموا في كل الظروف الخارجية، لكنَّ شيئا واحدا سوف يذهب بكل جهودكم؛ إنه قوة أفكاري، وهي مما لا سبيلَ لكم عليع، فكم أنتم مساكين، إذ تنفثونَ الهواءَ في بالونٍ مَثقوب!
فكرة تحدد المصير ولكنها من صُنع المحيط!
هذه الأفكار التي تمتلك من القوة ما يجعلها بمنزلةِ المَلِك على الجوارِح، والتي أصبحَت - من طول المُقام فينا - كالسكنِ الذي نحنُ بعض النزلاء فيه؛ ربما لم نقم نحن باختيارِها منذ البداية، ربما تسللت إلينا عبرَ أَثير العقل الاواعي! قد تكون كلمةً عابرةً نطقَ بها مَن لا يدري أنها ستكونُ لنا سجنا أبديا! وربما كانَ الناطق لا يروم من ورائها إلا خيرا، ولكنه ألبَسَها ثَوبًا من الفظاظة والغلظة؛ فولجَ الوعاءُ الغليظُ ومكثَ الخيرُ الذي بداخله في الخارج! وربما كانت كلمة لا يُرادَ بها ظاهرها، بل ما وراءَها، فلم يُدرِك الصغيرُ إلا ظاهرَ اللفظ دونَ حقيقة المعنى. قد يقول الوالد لولده: أنت كَسولٌ، ويريد بها: إني أَربَأُ بك يا بُنَيَّ عَن أن تكونَ كَسولًا، فلا يزال الصبي يكبر، ويكبر في نفسه معنى الكسل حتى يكونَ إحدى سجاياه الخالصة! ربما كانت هذه الفكرة الكبيرة في مبدأ الأمر تجربةً مؤلمةً، قصيرةً في الزمن، ولكن عميقة في الأَثر إلى حد تشكيل الكينونة وإرساء الهوية! أو حَدَثًا عارضا لولا أن تعاهدَه صاحبه ورباه في نفسه وسقاه؛ لكانَ في طي النسيان! نعم قد لا نكون مسؤولينَ بالكلية عن نشوء فكرة في أنفسنا، ستكونُ في القابل جزءًا من شخصياتنا بل ومصائرنا أيضا.
كيف نتعامل مع هذه الحقائق؟ 
تبين لنا مما طرحناه ما يلي:
أن بعض الأفكار تربو في داخلنا لتتقلدَ زمام الحكم على الأمور،
وأنها تعمل في خفاء فلا نشعر أننا صرنا تابعا لها، ولم تعد هي متبوعةً لنا،
وأنها بمثابة البذرة التي يتعاهدها الزارع، أو الطفل الذي يُنَشَّأ على أمر ثم لا يلبث أن يكونَ طبيعةً فيه،
وأن التحكم فيها - بعد أن ربت وصارت شجرةً باسقة أو رجلا كبيرا- ليس بالشيء الهين،
وأننا قد لا نكون مسؤولين عن هذه البذرة الأولى، ولكننا بكل تأكيدٍ مسؤولونَ عن مصائِرنا،
وقد تبينَ لك كيف أن الأفكار لا تُسهِم فحسب في صناعة المصير، بل تكون صاحبةَ اليد الطولى في ذلك!
وانطلاقا من هذه المعاني؛ فإن مراجعةَ أفكارنا واختبارَ ما تنعقد عليه عقولنا؛ ليسَ تَرَفًا فكريا، أو أمرا ثانويا؛ بل هو ضرورة وجودية، وفرضٌ عقلي يتحتم علينا. لأنَّ المرءَ قد يضرب في فلواتِ التغيير، ثم لا يظفر بتغيير، وينقم على الحياة، والمشكلة ليست في الحياة، بل في تلك الفكرة التي ينظر عبرَ عدساتِها إلى الحياة.
مبدأ العلاج وأوله؛ هو النظر في الفكرة قبل تقبلها، واختبارُها قبل التسليم لها، لأنَّ الوقايةَ خير من العلاج، والثوب الجديد أفضل من المُرقَّع بالتأكيد. فالعبرةُ ليسَت في كمية الأفكار التي تتجول في العقل؛ بل في جودتها، وصلاحها لأن تكون عَدَسَةً يُنظَرُ بها إلى الحياة. من الفطنة ألا نترك عقولَنا حَرَمًا مُستَبَاحًا لكل ما هَبَّ ودبَّ من الأفكار، أو نجعَلَها تُربَةً حاضنةً لكل ما درجَ من الخواطر.
نعم ليسَ من السهل التحكم في التفكير بالكلية، ولكننا بالتأكيد نستطيع اتخاذ قرارٍ واعٍ باحتضان البعض، وطرد البعض الآخر. فكر في الأمر بهذه الطريقة:
هذه الفكرة التي تقبل أن تُسكنها عقلَك بمثابة أطفال الملاجئ، وأنت لم تُرزَق بأبناء، فقررتَ تَبني البعض؛ فإن لاحَ لك عقوقُ بعض هؤلاء اللاجئين؛ فليسَ من الحكمة أن تحتضنَه وتُربِّيَه، لأنه سوف يُرهقك في الكِبَر طُغيانا وجُرمًا، ولا يبعد أن يطردَك هو من عقر دارِك إن لم تُسارع أنت بطرده!
فكذا أفكارك السلبية، يوشِكُ - إن قَبلتَ بها أبناء لعقلك- أن تحتله، لتصبح أنت ضيفًا عليها غير مرغوب فيه! ليس كل ما يطرأ من سَنَحاتِ الخيال، وفيض الخاطرِ؛ أَهلًا لأن يُقيمَ في القلب، وليست كل فكرةٍ تتبرجُ في حِلَىً مُتَأنقةٍ؛ صالحةً لأن تُشَيِّدَ منها في نفسِكَ بَيتًا.
فإن كان أوان انتقاء الأفكار قد فاتَ؛ فإن إعادةَ النظر فيما بُنِي منها في عقولنا لم يَفُت. ولستُ أنكر أن الأمرَ صعب، أو صعب جدا، لأنه يشبه اقتلاع الأشجار من جذورها، ولأننا دَرَجنا على فحص الأفعال والسلوك، ولم نَعتَد مراجعة الأفكار، كلنا يسألُ نفسَه: لماذا فعلتُ كذا؟ ولماذا لم أفعل كذا؟ لكنَّ أحدا لا يسأل: ما الفكرة التي تنطمر في عقلي الباطن، فتجعلني أصدرُ عنها؟ لماذا أعتقد أن الصوابَ هو فعل هذا دون ذاك؟ ومن ثمَّ تصير مراجعةُ الأفكار احتمالا غيرَ قائم أصلا، اللهم إلا في لحظاتٍ نادرةٍ من الصدق مع النفس؛ أرجو أن يكونَ هذا المقالُ بعضَ الدوافع إليها. على كل حالٍ؛ فإن كانَ الأمر يستحق؛ فإن العقلَ يُحَتِّم المحاولة.
هَب أنك تفحصتَ عقلك؛ فوجدتَه رُكَامًا من الأفكار السلبية، وأطلالًا من المُعتقدات البالية؛ فالتخلصُ منها يبدأ بطرح سؤال. سؤالٍ بسيط ولكنه عميقٌ في الوقتِ نفسِه: هل هذه الفكرة حقيقة أم مَحضُ افتراض؟ نعم، فالمُعتَقد لا يُنَاقش، وما تعَرَّضَ للنقاش يفقد من قداسته بمقدار ذلك! فإن كان إنسانٌ يعتقد مثلا أن الغنى لا يتحقق إلا بالخروج على القوانين، والحِيل المحرمة، والغش والخداع، ثُم قيلَ له: هل أنت متأكد من هذا؟ هل درستَ جميع الأثرياء في العالم ثم تبينَ لك أنهم مخادعون؟ ألا تعرف غنيا واحدا على ظهر الكوكب لا يمارس الغش والسرقة؟ ألا تحب أنت نفسَك أن تكونَ ثريا ولكن بطريق مشروع؟ فإذا وجه هذه الأسئلةَ إلى نفسه؛ بدأ الاعتقاد في التخلخل، وجعل يفقد من تماسكه. كأنه يراجع نفسه بسؤالها: هل أنا أسلم بهذا الأمر لأنه حقيقةٌ مُسَلمة، أم لأنَّ عقلي يطفو فوق قصةٍ قديمة تَعَلَّمَ أن يحكيَها كلما لَابَسَ حَدَثًا جديدا؟
الأصل في هذه الفكرة الراسخة؛ أنها تميل إلى مغالطة التعميم الجائر، والتمطي فوق حدود الزمان والمكان. فالذي يعتقد عن نفسه أنه كسول مثلا؛ ينزع بشكل لا واعي إلى تعميم المسألة على كل زمان ومكان، فهو كسول في كل وقت، متقاعسٌ أينما حَلَّ! وإذا واجَه نفسَه بالسؤال؛ فسوف يستخرج من ذاكرته من الدلائل والشواهد ما يعكس هذا الاعتقادَ عن نفسه. والذي جعلَ العالمَ مَسرَحًا للتهديد؛ قد انسلخَ من الحيادية، وتحَيَّفَ إلى إطلاق المقيد، وتعميم الخاص، فقد كانت واقعةً واحدةً كافيةً لديه لِتَنسِحبَ على العالم بأسره. السؤالُ يسحبُ بساطَ التعميم شيئا فشيئا من تحت هذه الفكرة المتأصلةِ في عقله، فيقول له - تلميحا لا تصريحا- هناك الكثيرُ من الأشياء التي لا تنطبقُ عليها فكرتك. فتأخذُ في التراجع والاضمحلال، ليكتشف أنها ليست جزءًا من كيانه كما كان يعتقد، بل هي مجرد فكرة ولجت إليه ذاتَ يوم، ويمكنها من ثم أن تغادر. هنالك يبدأ في استدراك الكثير من حريته التي لطالما ظلت عقودا أسيرةَ فكرته، ويضع عنه أغلالا كانت عليه، ويتَنَسَّمُ عبقَ الحقيقة وهي مجردة من أقنعةِ الزور، تتأرَّجُ صدقا وشفافيةً ونقاءً.