الأشخاص كالمرايا. انعكاس ما نُخفيه عن أنفسنا

الأشخاص كالمرايا. انعكاس ما نُخفيه عن أنفسنا

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

الأشخاص كالمرايا: انعكاس ما نخفيه عن أنفسنا

لطالما استوقفني أن يستعيرَ القرآن لفظَ النفس للدلالة على الغير، فكُنتُ في صغري أتعجب مثلا حينما أسمع قولَه: فإذا دَخَلتم بُيُوتًا فسَلِّموا على أنفسكم، وكنت أتساءل: كيف لي أن أُسَلِّمَ على نفسي؟ هل أصافح يميني بشمالي؟ فلما كبرتُ وتبينَ لي أن المقصود هو أهليكم، زاد عجبي، فلماذا لم يقل: فسلموا على أهليكم؟ والواقع أن التعبير بأنفسكم في هذا السياق؛ أكثر دفئا، وأكثر اتساقا مع مقام الألفة والسلام، الذي تُعنَى الآيةُ بتأصيلِه من خلال الأمر الإلهي المُباشر، فكأنكم تُسلِّمونَ على أنفسكم لأن أزواجكم بعضٌ منكم. ولم يقتصر الأمر على الأهل فحسب، بل ولا على أشخاص مختلفينَ فقط، بل انسحبَ على المخالفين أيضا! فقال: لا تسفكون دماءَكم ولا تُخرجونَ أنفسَكم من دياركم. فمعلومٌ أن المرء لَن يُخرجَ ذاتَه من داره، وإنما سيخرج أناسا يختلفونَ معه، فجاء القرآن ليقولَ لهم: حتى هؤلاء المخالفين؛ هم من جنسكم، وبعضٌ منكم، فكما لا ترضونَ بهذا الفعل مع أنفسكم التي بين جوانحكم؛ فلا ترضوا به مع أنفسكم التي تسكن أجسادا أخرى غيرَ أجسادِكم! ولا تَسفكوا دماءَكم التي تجري في عُروقِ غيرِكم! أردتُ من هذه التقدمة؛ أن أقولَ: أننا جميعا من نفس واحدة، هي نفس آدم عليه السلام، فكأننا ذاتٌ واحدة تَفَرَّقَت في أجسادٍ كثيرة، أو نُسَخٌ مكرورةٌ من ذاتٍ واحدة. 

إن ما يعنيه ذلك؛ أننا حين نطالعُ وجوهَ الناس؛ فكأننا نطالع وجوهَنا نحن، وحينَ ننظر في المرايا؛ فإنها لا تعكسُ ذواتَنا فقط، ولكن تعكس نفوسَ الآخرين أيضا! فنظنُّ أننا نرى الناس كما هم، والواقع أننا نراهم كما نحن! فالناس يُشبهونَ المرايا إلى حد بعيد، لا يُقَدِّمونَ إلينا صورتهم، ولا يُعَبِّرونَ عن طويتهم؛ بقدر ما يعيدون إلينا صورَتَنا، ويكشفون بظاهرهم عن طويتنا، ولا مانعَ أن تكون هذه الصورة المعكوسة مُكَبَّرةً أو مصغرة، كاملةً أو مشوهةً، ولكنها في النهاية صورتنا نحن. ولا تفهمنَّ من كلامي، أنني أعني الملامحَ وتقاسيمَ الوجه والديباجة، فهذا مما لا يحصيه العَدُّ، ولا تحيط به الأرقام، بل هو بعددِ الأنفس والنسمات، ولكني أعني النفس الواحدةَ التي تَشَعَّثَت في أفراد البشر. 

بيدَ أن التشابه لا يعني التطابقَ التام، ولا أن كل البشر سواءٌ في أفكارِهم ومذاهبِهم، وإنما أعني أنهم يتشابهونَ في سجاياهم إلى حد بعيد، وينبثقونَ عن أصلٍ واحدٍ. ومثال ذلك ما يكون في لُعبة البازل والتي يتم فيها تقطيع الصورة الكاملة إلى قطع صغيرة غير منتظمة، ويُطلَب من اللاعب إعادة تركيب الأجزاء معا حتى تتكونَ الصورة الأصلية. فهكذا ذات كل واحد منا على حدة، ما هي إلا بضعةٌ من الصورة الأصلية. الناس كالمرايا؛ هذا التعبير لم أصغه من عندي؛ بل هو تعبيرٌ نبوي، يقول فيه صلى الله عليه: المؤمن مرآةُ المؤمن، إذا رأى فيه عَيبًا أصلَحَه. 

ومن المعاني المترتبة على نظرية المرايا هذه؛ أنه ينبغي ألا نتحجرَ الحكم على باعتبارِهم إما شركاء وإما أعداء، فهناك بين الطرفين وَسَطٌ يتسع لآلاف الاحتمالات الأخرى! من بينها مثلا؛ أنهم وسائط لفهم أنفسنا بصورة أعمَق. فمن بائع البقالة، إلى رفيق المواصلات، إلى زميل العمل، إلى شخصٍ لم تره في حياتك إلا مرة واحدة… كل هؤلاء ليسوا مجردَ أحداث عابرة، ولا أجسادٍ متحركة كأنها خشبٌ مسندة! بل هي أرواحٌ متنقلة تُحَاكي تماما أرواحنا! هم مرايا متجولةٌ يكفيها في أداء دور الانعكاس، والتعبير عن ذواتنا؛ أن ننظرَ إليها، ونتعاملَ معها، ثم نترك لها التعبير! 

ومن تلك المعاني أيضا؛ أننا سنكون أكثرَ رحمةً في التعامل مع الناس، لأنهم لا يمثلونَ أنفسَهم فحسب، بل يمثلوننَا أيضا. فكما نرحم تلك النفسَ التي بين أعطافنا؛ فلا ننتهرهُا، ولا نؤذيها، ولا نلومها ونعنفها، ولا نطلب منها فوقَ ما تُطيق؛ فسنكونُ كذلكَ مع الآخرين، لأنهم يحملونَ قطعا منا كما نحمل نحن أيضا قطعا منهم.

اكتشاف الذات يبدأ من الخارج! 

طالما جعلنا نبحث عن أنفسنا، ونرتاضُ الصعابَ في اكتناه ذواتنا، فكأننا نفتش في كهف مظلم، أو بيت مهجور، ثم عمدنا إلى كلام الفلاسفة وسبرنا بطونَ الكتب، فإذا بعضها يحمل عنوان: البحث عن ذاتك الحقيقية، وآخر: قيادة الذات وإدراتها، وثالث: كيف تكتشف نفسك! وهذه المحاولاتُ على مكانتها تنسجم في الغالب على قصورٍ طفيفٍ؛ وهي البحثُ عن الغَرَضِ في الموضع الخطأ! مع أن المرء لا يمكن أن يرى ملامح وجهه إلا بالنظر في المرآة، فلا غروَ أن يرى نفسه فقط عندما ينظر في نفوس الآخرين. يشبه ذلك مَن يتعَنَّى في تهذيب ملامح وجهه، وشاربِه ولحيته، بينما لا يُكلف نفسَه النظرَ في المرآة! 

كيف يعكس الآخرونَ ذواتِنا؟ 

سنقوم بطرح بعض النماذج الحياتية لدور المرآة العاكسة، الذي يلعبه الآخرون في حياتنا:

في الحب والكراهية:

ننجذبُ إلى أناسٍ يمتلكونَ ما نفتقر إليه، أو يفتقدون ما نملك. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: الأرواح جنود مجندة، ما تعارَف منها ائتَلَف، وما تناكَرَ منها اختلف. فكأن الأرواح تسبح في فضاء الدنيا لتبحث عمن تشاكله؛ فإن وجدته ائتلفَت به وانسجمَت معه، وإن فَرَضَ عليها الواقع أرواحًا مغايرةً لها في الطباع، تنافر شاكلتها؛ نفرَت منها واختلفت معها. ولا يلزم من المشاكلة هنا؛ امتلاك ذات الخصائص، بل يكفي وحسب أن تكونَ الروح المنجذبةُ تُحاكي الأخرى في طلب نفس حالتها، أو الرغبة في الصيرورة إلى ذاتِ مبلغها، فربما انجذبَ شخص إلى آخر؛ لأن المرحَ الذي يتصف به الأخير، هو نفس المرح الذي يتمناه في نفسه، أو لأنه يتعوض به عما ينقصه. فتكونُ العلاقة هنا علاقةً تكميلية لجبرِ الثغور ورتقِ الفُتوق. وربما أبغضنَا شخصًا لا لذاته، ولكن لأنه يكشف عن شيء خفي فينا! فنرى فيه ما نكره أن يكونَ فينا، أو ما هو من خصالِنا ولكننا لا ندرك أنها كذلك! 

انجذابنا لأشخاصٍ بأعينهم، يشبه التئامَ الرسغ مع الساعد، والكاحل مع القدم، والأنف فوق الشفتين؛ عندما يتم تفريق هذه الأجزاء من صورة إنسانٍ كامل في ألعاب البازل، ثم يعاد تجميعها، فيأتي كلٌّ في موضعه! يقول ابنُ حَزمٍ الأندلسي في طَوقِ الحمامة: 

 «والحبّ ـ أعزك الله ـ أوله هزل وآخره جدّ، دقّت معانيه لجلالتها عن أن توصف، فلا تُدرَك حقيقتُه إلا بالمعاناة. وليس بمنكر في الديانة ولا بمحظور في الشريعة، إذ القلوب بيد الله عزّ وجل.وأما نحن فنقول: إن الحب اتصالٌ بين أجزاء النفوس المقسومة في هذه الخليقة في أصل عنصرها الرفيع.»

وأما شعور النفورِ من أشخاصٍ آخرين - بالعودة إلى مثال لعبة البازل- فيشبه محاولة وضع الأنف إلى جوار عظمة الساق، أو الرأس أسفلَ القدمين، أو الأذن تحت الحاجب؛ فَمُحالٌ والحال هذه أن تلتئمَ الصورةُ لتصبح إنسانا مخلوقا في أحسن تقويم! بل ستكونُ أقربَ إلى المَسخِ منها إلى إنسان! وربما يحدث أن يكونَ البغضُ لا للتنافر، كالذي يكون بين الأجزاء المتنافرة في صورة البازل، بل قد يكون أحد الشخصين بمثابة الساعد، والثاني بمثابة الكف، ولكن اجتماعهما يتمخض عن ذراعٍ مشوه، به التواءٌ لا يظهر إلا بضم الكف إلى الساعد! ومثالُ ذلك؛ أن يصادفَ رجلٌ بخيلٌ بخيلا مثلَه؛ فتكتملُ في عين الأول صورة البخل التي يبغضها، ولم يكن يلحظها من نفسِه؛ قبلَ أن تتعاضدَ بغيرها من لدن هذا الأخير! 

فيبدو الرجل البخيل مَقبوحَ الطالعِ مُحتَقَرَ الصنيع، لا لكونه كذلكَ في ذاته، ولكن لأنه كشفَ لهذا المزدري عما يزدريه في نفسِه هو! وربما انزعجنا من تصرف رجل غضوبٍ، ووسمناهُ بالتهور وعدم القدرة على ضبط النفس، في الوقت الذي يعكس جانبا كامنا من التهور في ذواتنا! وهذا ثالثٌ ثقيل الظل ضيق العَطَن، فقط لأن الناظرَ إليه ينطوي على هذه الخصال! وكل ما حَدثَ أن الشخصَ المبغوضَ أخرجَ من جيبه مرآةً فوضعها فجأة أمامك، وقالَ لك: انظر، ها أنت ذا! وهنا تكون العلاقةُ علاقةَ فضحٍ وانتقاد. علاقة نُبغِضها لا لذاتها، ولكن لأنها تَشي بذواتنا نحن! 

لا عجبَ إذن أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم: يُبصِرُ أحدكم القَذَى في عين أخيه، وينسى الجذعَ في عينه! فكأن الصورةَ المعكوسة هنا لا تعكس الأبعاد، ولكنها لا تخلو من معنى الدلِّ والإرشاد! فمتى رأيتَ في غيرك نقصا؛ فتحسس نفسَك؛ فإن فيها مثلَه، أو بعضَه، أو قريبا منه! 

في الإلهام والتحفيز:

أولئكَ الذين يتحدثونَ فُنرهِف لهم السمع والأبصار، ونلقي بقلوبنا على قارعةِ ألسنتهم، فإذا نَطَقوا تسارَعت كلماتهم إلى سويداء القلب، فأنشَأت ما يُشبه سكرة الهوى، أو نشوة الظفر؛ غالبا ما يعكسونَ طَرفًا من إمكاناتنا المُدسَّاةِ بين أعطافِ التجاهل. فالكلامُ البليغُ - كما بيَّنَاه في مقالٍ سابقٍ- هو الذي يلائم مقتضى حال المخاطب، فنشعر أنه يختلجُ الحنايا ويقف على حقيقة الشعور. حتى عَرَّفَ بعضُهم البلاغةَ بأنها: تلك التي إذا سَمِعَهَا الجاهل؛ ظَنَّ أنه يُحسِنُ مِثلَها، فإذا حاولَ؛ لم يستطع! فكأن الشخصَ البليغ - أو بتعبير العصر؛ المُلهِم- هو الذي يستطيع التعبيرَ عنكَ أكثر مما تستطيع أنتَ عن نفسك. وهنا يكون الأشخاصُ أيضا كالمرايا، لأنهم يعكسون الجانبَ المشرقَ منا، والذي - مع إشراقه- لا يُضيء، إلا بأن يُسَلِّطَ عليه أولئك من سُرُجِ كلامهم ومصابيح بيانِهم! إننا نحبُّ في هؤلاء أحلامَنَا نحن المؤجلة، ولا نُبَجِّلُ فيهم ذواتِهم؛ بل شجاعتنا التي لم نستخدمها بعد. فهي أحلامنا نحن ولكنها من صنيعهم هم، أو ربما من كلماتهم. فهؤلاء إما أشخاص ناجحون؛ فنحن نحب نجاحَنا الذي قاموا هم بتحقيقه! أو هم أشخاصٌ يُلهبونَ فينا رغبةَ النجاح، فكأنهم ينبشونَ قبورا ليستخرجوا منها أجسادا لم تفارق الحياةَ بعد، فنحبهم لأنهم ينقذون ما تبقى من أحلامنا من الحَين الوشيكِ، والمَصرعِ القريب! 

كم من كلمةٍ خرجت من بعض هؤلاء، فغيرت مسارا، ورسمت طريقا. والحقُّ أنهم لم يغيروا المسارَ بل أعادوه إلى حيث ينبغي أن يكون. كان الإمام شمس الدين الذهبي في بدايته مُهتَمًّا بالتاريخ، حتى قالَ له بعضُ مشايخه: إن خَطَّكَ يُشبه خَطَّ المُحدَثين، فنفذت تلك الكلمة إلى أعماقه لُيعيدَ توجيه البَوصَلة، وليكونَ واحدا من أساطين الحديث. وحُكِي عن توماس إيدسون أن المدرسةَ قررت فصلَه منها نظرا لتردي مستواه العقلي! فأرسلت كتابا لأمه بذلك، فلما قرأته؛ اغرورَقت بالدمع، فلما سألَها توماس: ماذا يُبكيك يا أمي؟ قالت: أخبروني في هذا الكتاب أنك شديد النباهة، متقد الذكاء، وأن هذه المدرسة أقل من مستواك! وقيل أنها أخفَت عنه هذا الكتاب، ولم يَعثُر عليه إلا بعد موتها، ولكن أيضا بعدَ أن سجل أكثر من ألف براءة اختراع! هنا تعكس المرايا قُدراتٍ لم نكن على وعي بها، وأحلاما مَكبوتَةً في سِرداب العقل الباطن، وأهدافًا لم نجرؤ على السعي إليها، لأنها كانت تترقب بصيصًا من نورٍ يَدُلُّ عليها!

في الانتقاد والنقد الذاتي

النقد إما هدَّامٌ وإما بناء، ولكن العجيب في الصنف الأول؛ أننا لا نتألم منه إلا لكونه أيضا نوعا من المرايا العاكسة! كأن الشخصَ الذي يُوجَّه إليه النقد يقول بلسان الحال: نعم هذه حقيقتي، فكيفَ افتُضِحَ لك أمري؟ ثم يجابه النقدَ بشيء من الصلف والغرور، لا لُيغيرَ الحقائق، ولكن لُيخفي عن نفسه ألَمَ الحقيقة! ويَتَخَرَّصُ غيرَ الصدق، لأن الصدقَ لنفسه مَثلَبة، والكذب ثوبٌ من الزور لكن لا بأسَ به فهو يستر العورات! كم من إنسانٍ أعرِفه، قيل له: أنت فاشل، فدفعَ عن نفسه السبةَ بلسان الفعال دون لسان المقال، فتألمَ نعم، ولكنه لم يجعل غايةَ رده أن يقول: كلا، لستُ فاشلا، وإنما أعرضَ عنها، ومَضَى يُثبِتُ لنفسِه - قبل أن يُثبِتَ لهذا الساب- أنه لم يكن يوما كما قيل. هذا الشخص لم ينشغل بتحطيم المرآة لأنها أخبرته أن الصورةَ قبيحة، ولا هجرَ الناقدَ لأنه قامَ بتعريته أمامَ نفسه، ولا خَاصَم مَن حاولَ فضح تناقضه. ولكنه تأمل في الصورة المرتدة؛ فعملَ على أن تكونَ أفضلَ مما هي عليه! 

ألا ترى أنه من الحمق أن يظنَّ المرء أن تغييرَ الوجوه من حوله كافٍ في تغيير الشعور في داخله؟! ألا يعلم هذا أن الصورةَ ستعود مرة ثانية وثالثة بمرايا مختلفة؛ طالما أن الوجهَ واحد؟! 

فالنقدُ الخارجي أيضا مرآة لذواتنا، ولكنها مرآة ناطقة، لا تكتفي بارتداد الصورة إلينا، ولكنها تُخبر عن ذلك بالمقال أيضا. بيدَ أننا قد نقع في النقد الذاتي من خلال النظر للآخرين، فلا نحتاجُ أن يخبرنا هؤلاء أننا ضعاف في كذا وكذا، ولكن فقط ننظر في عيوبهم؛ فترتد إلينا الصورة لنرى فيها عيوبَنا نحن! 

لماذا تَخفى علينا هذه الحقيقة؟ 

إذا كانَ الأمر بهذا الظهور، فكيف يخفى علينا؟ السبب في رأيي؛ أن التركيزَ على الخارج أيسر من معالجة الداخل. نعم سوف تأبى انعكاساتُ الآخرين إلا أن تكونَ شاهدا على أنفسنا، ولكن للنفس طبيعة مقاومة، فلا جرمَ تتحَيَّفُ إلى جِهةٍ أخرى، كما بيناه في حديث القَذَى! من الأسهل أن ينصبَّ انفعالنا بالمرايا على المرايا فقط، وليس على ما تعكسه. فعندما نرى شخصا يعكسُ مثلا صفةَ العَجلة فينا، فالصوابُ أن نُعدِّلَ من أنفسنا لنتخلقَ بالتريث والحكمة، ولكنَّ ما يحدث هو رد فعل أولي يحدث بشكل تلقائي، وهو أن نلومَ هذا الشخص المتسرع! هذا أيسر لكنه ليس الأصوب، وهذا ما نفعله، ولكن ليس ما ينبغي أن نفعله! عندما يكشف لنا التعرض لمرايا الناس عن صفة نحبها؛ فإن غايةَ ما نقوم به هو أن نحب هذا الشخص، لا أن نتخَلَّجَ إلى داخلنا فنعمق هذه الخصلةَ الحميدةَ فينا! النظرُ إلى مرآةٍ تعكس نقاط ضعفنا، يستتبعُ انفعالا منتكسا لدى البعض، فيلومُ المرآةَ وينعتها بأنها مكسورة أو مشوهة أو غير مصقولة بما يكفي! 

كيف نستخدمُ مرايا الذات هذه؟

بعد الاقتناع بتلك الحقائق التي أوردناها، وإدراك أن ذواتنا الخفية عنا لا تلبث أن ترتد إلينا جليةً عند التطلع في وجوه الناس؛ فالخطوة التالية هي: كيف نستفيد من ذلك:

1- معرفة الأبعاد الحقيقية للانعكاس: فلا يشترط أن يكون انعكاس المرآة انعكاسًا حقيقيا كاملا، ولا يبعد أن يكون مشوها أو ممسوخا! فلا يلزم من ظهور ملامح الوجه مجعدةً؛ أن يكونَ الوجه مُجعَّدًا على الحقيقة؛ فربما كل ما في الأمر أن المرآةَ تحتوي خُدوشًا وشَرشَرَةً! لكن على كل حال؛ فإن رجلا لن ينظرَ للمرآة فيرى كلبا أو طاولةً خشبية! كل ما هنالك؛ أن يَرَى ملامحَه، ولكن مختلفةً بعض الشيء، أو مختلفةً جدا. بتعبيرٍ آخرَ؛ ليسَ كل حكم يُصدره الآخرون بحقك هو حقيقة مطلقةٌ، ومع ذلك فهو دائما إشارة! هو اصبع اتهام أو إشارة تبرئة؛ قد يُرشدك إلى خَللٍ فيك أو فيهم، إلى قصور من قبلك أو من قبلهم. والحكمةُ هنا أن تميز بين الجيد والردئ، بين المرايا النقية التي تدلك على الثغور، والأخرى المكسورة التي تعكسك على غير حقيقتك. 

الإنصاف هو الصدق مع النفس، بأن ننظرَ لهذه الصورة المنعكسة؛ هل تدل علينا بوجه من الوجوه، هل نُبغضُ شخصا لأنه يعكس خلة فينا، أو نحب آخر لكونه يُميطُ الحُجُبَ عن قدراتٍ مخبأةٍ لدينا. يمكن تسمية ذلك بـ {التأمل الذاتي}؛ فكل شعورٍ قوي تجاه شخصٍ؛ هو فرصةٌ مهداةٌ على طبقٍ من ذهب لفهم أنفسنا، والتطلع على الجانب الغائب من ذواتنا. 

2- التعلم من الآخرين: فكما قيل إن السعيدَ مَن اتعظَ بغيره، والشقي مَن اتَّعَظَ الناسُ به. فهذه المرايا المتحركة في جَثامين الناس لا تقتصر على إهدائنا صورة مفصلةً لذواتنا، ولكنها أيضا تُحذرنا من ارتكاب نفس الأخطاء، أو تحفزنا على سلوك نفس الطريق، لأن التجربةَ البشرية هي نموذجٌ قابل للمحاكاة، وليسَ حالةً فرديةً لا تتكرر. فهي بهذا المنظور فرصةٌ للنمو دونَ الحاجة لدفع ثمن المحاولة والخطأ، أو إهدارِ الزمان في ممارسة الطرق غير الناجعة! إن فشل الآخرينَ أحيانا يكونُ لنا كالحمايةِ من السقوط في الفشل، والثمراتُ التي جناها البعضُ من سُلوكِ السبيلِ الخاطئة؛ لا تُنير الطريقَ لهم وحدهم، ولكنها تفعل ذلك أيضا مع من لم يسلك هذه السبل؛ شريطةَ أن ينظرَ نظرا فاحصا ناقدا. المرايا البشرية ليست للتقريعِ واللوم، بل هي للتصحيح والفهم. 

3- الوعي بالمشاعر والعاطفة: عندما تفور العاطفة فوران الماء على النار لدى شخصٍ ليسَ الغضبُ من هِجِّيرَاه؛ فالغالبُ أنَّ المُثيرَ قد لَامَسَ وتَرًا حَسَّاسًا بداخله، وأن الكلامَ قد وقعَ على جُرحٍ يُخفيه. هذه أيضا فرصة أخرى لنعلم عن أنفسنا ما لم نكن نعلم، وندركَ من مشاعرنا ما لم نكن نُدرِك. فحسبك أن تسألَ: ماذا يقول هذا عني؟ لماذا أغضبني هذا التصرف؟ ما الذي كنت أخبئه من نفسي، فجاءَ هذا، واستخرَجَه دونَ أن يقصد، فكانَ خروجه أليما كما تزهق النفسُ كرها لا طوعا! 

وفي الأخير؛ أود أن أختمَ بكلماتٍ منسوبة إلى المَهاتما غاندي، يقول فيها:

"نحن مجرد انعكاس للعالم. كل الميول الموجودة في العالم الخارجي موجودة في عالم أجسادنا. لو استطعنا تغيير أنفسنا، لتغيرت ميول العالم أيضًا. فكما يغير الإنسان طبيعته، يتغير موقف العالم تجاهه. هذا هو السر الإلهي الأسمى. إنه لأمر رائع ومصدر سعادتنا. لسنا بحاجة إلى انتظار ما يفعله الآخرون." 

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Abdelhameed Moustafa تقييم 5 من 5.
المقالات

3

متابعهم

0

متابعهم

1

مقالات مشابة
-