أسامة عبد الرحمن: قيثارة العروبة بين جلال القرآن وهجير الأضواء
أسامة عبد الرحمن: قيثارة العروبة بين جلال القرآن وهجير الأضواء

المقدمة:
في المشهد الثقافي العربي، يبرز الشاعر الدكتور أسامة عبد الرحمن كظاهرة استثنائية؛ فهو الأكاديمي المرموق الذي فرّ من بريق الشهرة ردحاً من الزمن، حتى لُقب بالشاعر الذي "لا يعرفه الناس". ولد في طيبة الطيبة عام 1362هـ، وتسلّح بعلم الإدارة من أرقى جامعات الولايات المتحدة، لكنه ظل مسكوناً بهاجس الحرف، متدثراً بعباءة التراث، ومنطلقاً من عمق وجداني يربط بين نضج الفكر الإداري وعنفوان العاطفة الشعرية، ليصيغ في النهاية تجربة أدبية فريدة تمزج بين الأصالة والتجديد.
الهروب من الأضواء وبواكير التجربة:
عاش أسامة عبد الرحمن طويلاً في ظلال الصمت الفني، مفضلاً أن ينسج قصائده بعيداً عن صخب الإعلام، حتى وصفه الدكتور غازي القصيبي بالشاعر الذي يصر على البقاء مجهولاً. بدأت رحلته مبكراً في مكتبة والده وبين مجالس خاله الراوية، حيث تشكلت قريحته تحت رقابة والدٍ أديب، صقل محاولاته الأولى حتى استقامت قوافيه. ورغم تأخره في النشر حتى عام 1402هـ، إلا أن انطلاقته بديوان "واستوت على الجودي" كانت إعلاناً عن شاعرٍ نضجت تجربته خلف الكواليس، لتمتزج في شعره المعاناة الصادقة بطلاقة التعبير واستشراف المستقبل.
السمت القرآني في عناوين الدواوين:
تميزت المسيرة الشعرية للدكتور أسامة بارتباط وثيق بالقرآن الكريم، ظهر جلياً في اختيار عناوين دواوينه التي استلهمها من آيات الذكر الحكيم، مثل: "واستوت على الجودي"، "وغيض الماء"، "فأصبحت كالصريم"، و"رحيق غير مختوم". هذا الاستلهام ليس مجرد زينة لفظية، بل هو انعكاس لمرجعية بلاغية ولغوية رصينة استقاها من حفظه للقرآن في صغره، مما منح شعره هيبةً وجلالاً، وجعل من نتاجه الأدبي صوتاً إيمانياً يتردد في فضاءات الحداثة والتقليد على حد سواء.
جدلية التكرار بين الضعف والخصوصية:
أثارت ظاهرة "التكرار اللفظي" في شعر أسامة عبد الرحمن نقاشاً نقدياً واسعاً، حيث اعتبرها الدكتور منصور الحازمي أحياناً "أثقالاً وقيوداً" قد ترهق القصيدة، بينما رآها آخرون لازمة عفوية تعبر عن تفرد الشخصية وعمق المعاناة. إن تكرار عبارات مثل "الشعر عندي" أو "لو" في بواكير الأبيات، لا يعكس عجزاً لغوياً بقدر ما يمثل "نبضاً بوحياً" يشعل الحنين وينبش الذاكرة، محولاً الكلمات المكررة إلى محسنات لفظية تتماهى مع توتر اللحظة الإبداعية وصخب الهاجس الشاعري.
نقد العاشق وصوت العروبة:
وصف الدكتور غازي القصيبي ديوان أسامة عبد الرحمن بأنه "نقد العاشقين"؛ فهو شاعر يحمل جراحات الأمة العربية وعذاباتها في كل صفحة. لم يكن نقده شاتماً أو يائساً، بل كان سوطاً يلسع ليصلح، مدفوعاً بمحبة صافية للعروبة. تجلى هذا العشق في قصائده الوطنية، خاصة تجاه القضية الفلسطينية في "شمعة ظمأى"، حيث صاغ من الشقاء رماحاً ومن الدماء دروعاً، مؤكداً أن الشمس ستشرق مهما ادلهم ليل القهر، مما جعل صوته متميزاً بين مئات الأصوات العربية بنبرته الحادة والواضحة.
الإدارة والشعر.. تكامل الفكر والوجدان:
لم يمنع التخصص الأكاديمي الصارم في "الإدارة العامة" أسامة عبد الرحمن من التحليق في روض الشعر، بل أحدث توازناً مدهشاً بين العقل والقلب. فإلى جانب دواوينه، قدم مؤلفات فكرية رصينة مثل "البيروقراطية النفطية" و"عفواً أيها النفط"، حيث وظف رؤيته الثقافية لخدمة قضايا التنمية. بالنسبة له، الإدارة هي "البحث عن مسار"، والشعر هو "المركب الذي له من خافقه شراع"، مما جعل إسهاماته الفكرية صدىً لهواجسه الشاعرية المسكونة بالعمق الإيماني والوعي الوطني.
الرسائل الشعرية ومحاورة التاريخ:
فتح أسامة عبد الرحمن نوافذ حوارية مع رموز الفكر والتاريخ عبر "رسائل شعرية" مفعمة بالفلسفة والشجن. حاور أبا العلاء المعري في بصيرته، وسعيد بن المسيب في صبره على الطغيان، مستدعياً شخوص الماضي ليعلق بها على مآسي الحاضر. ورغم تأثره الواضح بعمالقة الشعر من المتنبي إلى نزار قباني، إلا أنه حافظ على "خيوط الخصوصية" في نسيجه الأدبي، ليظل شاعراً فذاً صبغ قصائده بصبغة متفردة، تجمع بين اعتزاز عنترة وفلسفة المعري، في قالب معاصر يمس وجدان القارئ العربي.
الخاتمة:
إن رحلة الدكتور أسامة عبد الرحمن من "الشاعر المجهول" إلى "الرائد المتمكن" هي قصة وفاء للحرف وقناعة بالرسالة. لقد أثبت أن الشعر الحقيقي هو الذي يسكن في "الروضة" ويثور "بين الضلوع"، وأن المبدع الحق هو من يستطيع أن يطوي الأرض ذكراً بعطائه، سواء كان ذلك عبر تنظير إداري أو بوح شعري، ليبقى أسامة عبد الرحمن شمعةً لا تنطفئ في ذاكرة الأدب السعودي والعربي.