رائد المسرح في حضرة القوافي: توفيق الحكيم وشيجة الحب الموءود والمعارك المؤجلة
رائد المسرح في حضرة القوافي: توفيق الحكيم وشيجة الحب الموءود والمعارك المؤجلة

المقدمة:
لم يكن توفيق الحكيم مجرد كاتب مسرحي استثنائي، بل كان "تعادلياً" يبحث عن التوازن حتى في أعمق تناقضاته الفنية. ورغم أن اسمه ارتبط بالدراما والرواية، إلا أن علاقته بالشعر ظلت "قضية" شائكة ومسكوتًا عنها، بدأت بصدام دامي مع "المعلقات" في الطفولة، وانتهت بمعارك أدبية ضارية لإثبات الهوية العربية للشعر الحديث، مما يجعل من قصة الحكيم مع القريض رحلة إبداعية فريدة تستحق التأمل والتحليل.
القطيعة الأولى والدم المسفوك:
بدأت علاقة الحكيم بالشعر بحدث صادم شكّل وجدانه لسنوات طويلة؛ فبسبب عجز الطفل عن تفسير كلمة في معلقة "زهير بن أبي سلمى"، تلقى صفعة من والده أسالت الدم من أنفه. تلك اللحظة لم تكن مجرد عقاب تربوي، بل كانت إعلاناً عن "دم مسفوك" بين الحكيم والشعر، جعلته ينفر من المعلقات وأصحابها، ويختار الفرار إلى عالم القصص والروايات المترجمة، بعيداً عن قهر القوافي الذي فرضه الوالد رغماً عن ميول الابن.
النقد المدرسي والجمود اللغوي:
لم تكن المناهج التعليمية بأفضل حال من سوط الأب، إذ يرى الحكيم أن النماذج البلاغية التي قُدمت له في صغره كانت "غثة المعنى متكلفة المبنى". لقد انتقد الحكيم بشدة تغييب الفلاسفة والمؤرخين أصحاب الأسلوب البسيط كابن خلدون وابن رشد، لصالح لغة "الحواة والمغنين" التي تهدف لإبهار السمع دون مخاطبة العقل، مما عمق الهوة بينه وبين لغة الشعر التي حُصرت في قوالب المواعظ والحكم الجافة.
ثورة 1919 والتحول غير المتوقع:
رغم الكراهية المعلنة، وجد الحكيم نفسه في خضم ثورة 1919 يكتب الأناشيد الوطنية الحماسية ويقوم بتلحينها، بل ونظم قصائد في الحركة الوطنية ضاعت مع الأيام. هذا التحول يفسره الحكيم بأن الشعر هو الوسيلة الأسرع للانتشار والتعبير في لحظات الانفجار الشعبي، مما يثبت أن الشعر كان كامناً في تكوينه النفسي، وأن كراهيته كانت للظروف المحيطة بالشعر لا للفن في ذاته.
شيطان التمثيل وشيطان القصيدة:
يتساءل الحكيم في مذكراته لماذا لم يكمل طريق الشعر رغم امتلاكه الأداة اللغوية والقدرة على النظم، ويجيب بأن "شيطان الفن" لديه قد ارتدى ثوب التمثيلية قبل أن يلتفت لثوب القصيدة. ويرى أن الشباب يلجأون للشعر كأقرب أثواب الفن تناولاً، لكن حالته كانت استثنائية، إذ استقر شيطان المسرح في أعماقه ولم يترك مجالاً لغيره، وإن ظل الشعر يطارده في شكل "القصيدة النثرية" وتأملاته في الإعجاز الموسيقي للقرآن الكريم.
تجربة باريس والريادة المجهولة:
في باريس خلال العشرينيات، تأثر الحكيم بالمدارس التشكيلية الثائرة، فكتب مقطوعات سماها "قصائد شعرية نثرية"، متحرراً من القوالب التقليدية. هذه التجربة التي ضمها كتابه "رحلة الربيع والخريف" تضع علامة استفهام كبرى: هل كان الحكيم واضع اللبنة الأولى للشعر الحر في العالم العربي قبل مؤسسيه المعروفين؟ لقد كان حذراً في ادعاء الريادة، لكن اعتراف النقاد الأجانب بـ "الوشي الفني" في أعماله كمسرحية "شهرزاد" يؤكد تغلغل الروح الشعرية في نثره.
المعركة الأخيرة والهوية العربية:
في أواخر حياته، خاض الحكيم معركته الكبرى ضد ما اعتبره "الصدى الأوروبي" في الشعر العربي الحديث، مطالباً بشخصية أصيلة لها جذور عربية. ومن المفاجآت التي كشفتها أوراقه ديوان كامل بالفرنسية بعنوان "قصائد عربية"، مما يؤكد قناعته الشخصية بكونه شاعراً رائدًا، سعى في ختام عمره لفتح ملف الشعراء وتأصيل نظرية "التعادلية" في الفن، لتكون مرجعية للنقد الذي يمارسه المبدعون لا "المسنون الذين يشحذون ولا يقطعون".
الخاتمة:
إن تجربة توفيق الحكيم مع الشعر هي تجربة "المبدع الشامل" الذي رفض أن يُسجن في قالب واحد. فرغم جفاء البدايات، ظل الشعر نبضاً خفياً يحرك مسرحه ورواياته، ولم يرحل عن عالمنا إلا بعد أن وضع النقاط على الحروف في قضية الأصالة والمعاصرة، تاركاً خلفه إرثاً شعرياً منثوراً يؤكد أن الحكيم لم يكره الشعر يوماً، بل كره القيود التي تُكبل روح الشاعر.
التوصيات:
إعادة قراءة المسرح الحكيمي: ضرورة دراسة الجوانب الشعرية والموسيقية في مسرحيات الحكيم (خاصة شهرزاد وإيزيس) كجزء من مشروعه الشعري الموازي.
تحقيق الديوان الفرنسي: البحث والترجمة العلمية لديوانه "قصائد عربية" المكتوب بالفرنسية، وربطه بمرحلة "رحلة الربيع والخريف" لتحديد موقعه من ريادة الشعر الحر.
تطوير مناهج الأدب: استلهام رؤية الحكيم في تبسيط لغة التعليم وتقديم النماذج الأدبية الحية (ابن خلدون، الغزالي) بدلاً من المناهج التي تنفر الطلاب من جماليات اللغة.
المرجع:
ص ص : 18-10 أشعار توفيق الحكيم المؤلف إبراهيم عبدالعزيز طبعة 1998م الناشر دار قباء للطباعة ، عبده غريب مدينة العاشر من رمضان الفجالة.