أدب التمرد ولواعج الوجد: من حنين ابن زيدون إلى صعلكة الهمبتة
أدب التمرد ولواعج الوجد: من حنين ابن زيدون إلى صعلكة الهمبتة

المقدمة:
يظل الأدب العربي مرآة عاكسة لتقلبات النفس البشرية وتحولات المجتمعات؛ فبين قصور الأندلس المترفة وبوادي السودان الفسيحة، تبرز روابط خفية تجمع بين ألم الفراق وعزة التمرد. يتناول هذا المقال ثنائية الحب والحنين عند "بحتري الأندلس" ابن زيدون، مسلطاً الضوء على عبقريته التي جعلت من وجده تجاه "ولادة" وقرطبة أسطورة خالدة، ثم يعرج على ظاهرة "الهمبتة" السودانية بوصفها امتداداً حديثاً لصعلكة العرب الجاهليين، مستعرضاً أوجه الشبه بين تمرد الشاعر وتمرد الفارس البدوي في سبيل الحرية والعيش.
ابن زيدون.. شاعر الذات والطبيعة:
تجلت عبقرية ابن زيدون في قدرته الفائقة على دمج مشاعره الإنسانية بمظاهر الطبيعة الأندلسية، مما أضفى على شعره صبغة رومانسية مبكرة. ففي منفاه ومناجياته لقرطبة وولادة بنت المستكفي، لم يكن يرى الرياض والنسائم إلا شركاء في لوعته، كما صور في نونيته الخالدة التي اعتبرت آية في السبك البياني، حيث جعل من الطبيعة الصامتة أعينًا تبكي لبكائه وأفقًا يضيق بضيق صدره، مما بوأه زعامة الشعر في القرن الحادي عشر الميلادي.
نونية الوفاء وأسطورة الحب:
أضحى حب ابن زيدون لولادة حافزاً لتفجير طاقات لغوية وموسيقية فريدة، فقصيدته "أضحى التنائي" لم تكن مجرد أبيات في الوداع، بل لوحة وجدانية متكاملة رسمت معالم الوفاء والإخلاص. وقد بلغ من شهرة هذه القصيدة أن جعل الأندلسيون حفظها شرطاً للظرف والأدب، حيث جسدت فلسفة الحب عند الشاعر باعتبارها عاطفة تذيب الفوارق الطبقية والنسبية، وتجعل من الخضوع للمحبوب عزاً لا مذلة.
جغرافيا التمرد بين الصعلكة والهمبتة:
في سياق آخر للتمرد، تبرز ظاهرة "الهمبتة" في السودان كشقيق تاريخي لصعلكة الجاهلية، حيث تشابهت الظروف المناخية القاسية للبوادي مع البواعث الاجتماعية والاقتصادية. فالهمباتة، مثلهم مثل الصعاليك، اتخذوا من السلب والنهب وسيلة للعيش واعتراضاً على رتابة الحياة الرعوية، مع تركيزهم الخاص على "نهب الإبل" لكونها رمز الثروة البدوي والأقدر على خوض غمار المسافات الشاسعة للإفلات من "الفزع".
القيم الأخلاقية في أدب المغامرين:
لم تكن الهمبتة مجرد لصوصية عابرة، بل كانت "طريقة حياة" محكومة بأعراف صارمة تشمل الكرم، المروءة، والوفاء للزملاء. فالهمباتي، كالصعلوك عروة بن الورد، يوزع كسبه على الفقراء والأرامل ويرى في كنز المال عيباً، بل إن المجتمع البدوي السوداني كان ينظر للهمباتي نظرة إعجاب وتقدير، معتبراً أفعاله ضرباً من الشجاعة والفروسية التي تثبت اكتمال رجولة الفرد وتصالحه مع قيم البادية وقوتها.
جماليات القصيدة المبتورة والواقعية:
تميز شعر الهمباتة، كما شعر الصعاليك، بالخروج عن النمط التقليدي الطويل؛ فابتعدوا عن المقدمات الطللية والمسادير المطولة، واكتفوا بـ "الدوبيت" والرباعيات المختصرة التي تناسب حياة "أبناء الليل" القائمة على السرعة والاختلاس. هذه النصوص كانت ترجماناً صادقاً لمعاناتهم، وقلقهم، واعتزازهم بقوة الزند التي تمكنهم من اقتحام "الزريبات" المحصنة في وضح النهار لا في خفية الليل.
الانصهار الإنساني بين الشرق والمغرب:
إن الربط بين حنين ابن زيدون وشجاعة الهمباتة يكشف عن جوهر الشخصية العربية التواقة للكمال؛ سواء كان ذلك الكمال في الحب والوفاء أو في البطولة والعدالة الاجتماعية. ورغم اندثار هذه الجماعات في العصر الحديث، إلا أن إرثها الشعري يظل باقياً كشاهد على قدرة اللغة العربية في التعبير عن أقصى درجات الوجد وأقصى درجات التمرد في آن واحد.
الخاتمة:
ختاماً، يظهر لنا أن الأدب العربي، سواء كان غزلًا رقيقًا في قرطبة أو حماسةً ثائرة في بطانة السودان، يظل وفيًا لجذور القيم الإنسانية. لقد استطاع ابن زيدون أن يخلد اسمه بدموع الحنين، بينما استطاع الهمباتة تخليد ذكرهم بشجاعة الكلمة والزند. إن هذه النماذج تؤكد أن التمرد على السائد، سواء كان وجدانياً أو اجتماعياً، هو الوقود الحقيقي للإبداع الذي يتجاوز حدود الزمان والمكان.
التوصيات:
تعميق الدراسات المقارنة:
تشجيع الباحثين على دراسة الروابط بين الأدب الشعبي السوداني والأدب العربي الفصيح (الأندلسي والجاهلي) لاستكشاف وحدة الوجدان العربي.
توثيق التراث الشفاهي:
ضرورة جمع وتحقيق أشعار الهمباتة والمنطوقات البدوية في السودان قبل ضياعها، لكونها تمثل جزءاً حيوياً من تاريخ "الصعلكة المعاصرة".
إعادة قراءة ابن زيدون:
تقديم شعر ابن زيدون للأجيال الجديدة ليس فقط كشاعر غزل، بل كنموذج للوفاء الإنساني والارتباط بالوطن (قرطبة) في أحلك ظروف الاغتراب.
المرجع:
مجلة العربي الكويتية العدد رقم 362 يناير 1989م