عبقرية البيان وهندسة النقد: فلسفة الفصاحة في الوجدان الجاهلي
عبقرية البيان وهندسة النقد: فلسفة الفصاحة في الوجدان الجاهلي

تتجلى البلاغة العربية في أصلها كفنٍّ رفيع لا يقل شأناً عن النحت والموسيقى، فهي "فن الكلمة" الذي يزاوج بين إحكام اللفظ وعمق المعنى. ولم تكن الفصاحة في العصر الجاهلي مجرد ترفٍ لغوي، بل كانت نتاجاً لطبعٍ أصيل وفطرة سليمة تميز بها العرب، فبرعوا في اختيار الألفاظ والملاءمة بينها وبين المعاني في تراكيب متماسكة وصور بيانية بديعة. هذه الملكة اللسانية لم تكن مهارة فنية فحسب، بل كانت ركيزة أساسية من ركائز "السيادة"؛ إذ يخبرنا الجاحظ أن العربي لا يسود قومه إلا بتكامل خصالٍ ست، كان "البيان" سادسها، وبدونه يعجز المرء عن نيل زعامة عشيرته مهما بلغت نجدته وسخاؤه.
لقد قامت فلسفة الكلام عند الجاهليين على قدسية "الإيجاز"، فكانوا يميلون إلى "إجاعة اللفظ وإشباع المعنى"، معتبرين أن البلاغة هي إيصال العلم الكثير بالقول اليسير. هذا الحرص على الاختصار والاقتصاد في اللغة دفعهم لحذف الحروف والجمل ما دام المعنى مفهوماً، فكان الإيجاز عندهم وسيلة لإشراك السامع وتفعيل خياله، وليس مجرد تقليل للحروف. ولعل هذا الميل للإيجاز نبع من اعتمادهم على الذاكرة في الحفظ؛ فما قَلَّ ودَلَّ كان أيسر على الحفظ وأقرب للتذكر، مما جعل "الإيجاز" الحد الفاصل بين البليغ وغيره في ذائقتهم الفنية.
ولم يقف الاهتمام الجاهلي عند حدود الإيجاز، بل اتسع ليشمل كافة الألوان البيانية من تشبيه واستعارة وكناية وطباق، حتى أصبحت القصيدة عملاً فنياً متكاملاً ينم عن قدرة فائقة في حوك الكلام. ويتجلى هذا الاعتناء في "مدرسة الحوليات" التي كان يتزعمها زهير بن أبي سلمى، حيث كان يمكث حولاً كاملاً في تنقيح قصيدته وتثقيفها خوفاً من النقد. هذا المنهج يدل على أن البلاغة لم تكن مجرد سليقة عفوية، بل كانت صناعة تتطلب الممارسة والمزاولة والمراجعة الدؤوبة لصقل الموهبة والوصول بالعمل الأدبي إلى قمة الكمال والجودة.
أما النقد في ذلك العصر، فقد كان نقداً فطرياً منبعثاً من العاطفة والذوق المحض، أكثر من كونه نقداً تعليلياً قائماً على القواعد الراسخة. وكانت الأسواق الأدبية، وعلى رأسها "سوق عكاظ"، بمثابة الأكاديميات التي يُعرض فيها النتاج الأدبي للتمحيص والمفاضلة. هناك، كانت تُضرب القباب لكبار النقاد كالنابغة الذبياني، ليفد إليه الشعراء والخطباء طلباً للتحكيم. وكانت أحكام هؤلاء النقاد تصدر بإجمال ينم عن ذوق فني رفيع يدرك مواطن الجمال والقبح دون الحاجة إلى شرح مطول، فكان الناقد يوجز في حكمه كما يوجز الأديب في قوله.
لقد كان "ذوق الصفوة" من الجمهور هو الحكم الأول والنهائي في بيان القيمة الفنية للقول، حيث كان الجاحظ ينصح الأديب بعرض نتاجه على العلماء؛ فإن أصغت إليه الأسماع استمر، وإن انصرفت عنه القلوب وجب عليه ترك هذه الصناعة. هذا الضغط الفني دفع الشعراء إلى التأنق المفرط في التعبير وتنميق العبارة، خاصة أولئك الذين اتخذوا من الشعر وسيلة للتكسب ونوال عطايا الأشراف. فكان التجويد ضرورة لإرضاء ذائقة الممدوحين الذين لا يقبلون إلا ما صَفَا لفظه وجزل أسلوبه، مما رسخ تقاليد "التنقيح" كأداة لا غنى عنها للشاعر الباحث عن الخلود والقبول.
ختاماً، يمكن القول إن الأدب والنقد في العصر الجاهلي، رغم بساطة أدواتهما التحليلية مقارنة بالعصور المتأخرة، وضعا الحجر الأساس للهوية البيانية العربية. فبين "سليقة" الشاعر و"ذوق" الناقد، تشكلت ملامح لغة تتسم بالجزالة والإيجاز والقدرة العجيبة على التصوير. إن تلك الممارسات الفنية التي اعتمدت على صقل الموهبة بالدربة (كما في مدرسة زهير) أثبتت أن العرب أدركوا مبكراً أن الجمال الكلامي هو وعاء الفكر وسر بقائه، مما جعل تراثهم الجاهلي يظل حياً كنموذج أعلى للفصاحة التي لا تُبارى.