الشريف حسين بن علي: سادن مكة ومطلق شرارة الاستقلال العربي
الشريف حسين بن علي: سادن مكة ومطلق شرارة الاستقلال العربي

1. النشأة في المهجر والعودة إلى كنف الحجاز
يعد الشريف حسين بن علي شخصية محورية في التاريخ العربي الحديث، فهو ملك الحجاز ومؤسس السلالة الهاشمية التي حكمت العراق والأردن، وآخر من تولى إمارة مكة من الأشراف الهاشميين. ولد الحسين في إسطنبول، حيث كان والده يقضي فترة نفيه، لكنه سرعان ما عاد إلى مكة المكرمة في طفولته، لينشأ في رحابها ويتلقى علوم الفقه واللغة، مبرزاً موهبة في نظم الشعر وشغفاً بهوية أرضه وتراث أجداده.
2. بين الدبلوماسية العثمانية وإمارة مكة
تقلبت حياة الشريف بين الحجاز وعاصمة الخلافة إسطنبول، حيث عُين عضواً في مجلس الشورى العثماني لسنوات. ومع وفاة عمه الرفيق عوني، عُين أميراً لمكة المكرمة، وهي الفترة التي شهدت تعاوناً عسكرياً مع الدولة العثمانية، تمثل في قتاله إلى جانب الأتراك في منطقة عسير. غير أن هذا الولاء بدأ يتزعزع مع تغير السياسات العليا في الدولة العثمانية وظهور بوادر الشقاق القومي.
3. الثورة العربية الكبرى ومراسلات الاستقلال
أدى صعود حزب "الاتحاد والترقي" واتباعه سياسة التتريك القسرية إلى تفجر النقمة العربية، مما دفع أحرار العرب في سوريا للتواصل مع الشريف حسين كرمز للشرعية. في تلك الأثناء، دخل البريطانيون على الخط عبر "مراسلات حسين - مكماهون"، واعدين بدعم دولة عربية موحدة تضم الحجاز والمشرق مقابل إعلان الثورة ضد الأتراك. وفي عام 1916، أطلق الشريف رصاصة "الثورة العربية الكبرى"، موجهاً ابنه الأمير فيصل لفتح دمشق بالتعاون مع الضباط الأحرار.
4. الخذلان البريطاني والصمود أمام المطامع الاستعمارية
رغم النجاح العسكري، نكث الإنجليز بوعودهم المقطوعة للشريف، فقسمت البلاد بموجب اتفاقيات سرية، واحتلت فرنسا سوريا، بينما فُرض الانتداب البريطاني على فلسطين لتنفيذ وعد بلفور. اتخذ الشريف حسين موقفاً تاريخياً صلباً، حيث رفض رفضاً قاطعاً التوقيع على أي معاهدة تشرعن الوجود الصهيوني في فلسطين أو تتنازل عن حقوق العرب، مفضلاً خسارة عرشه على التوقيع على ضياع القدس.
5. الصراع في الجزيرة العربية والتخلي عن العرش
داخلياً، واجه الشريف حسين ضغوطاً متزايدة في الجزيرة العربية، حيث دخلت جيوشه في صدام عسكري مع قوات الملك عبد العزيز آل سعود. ومع اشتداد التوتر وسقوط الطائف في يد النجديين، واستجابةً لضغوط داخلية، قرر الشريف حسين التنازل عن العرش لابنه الملك علي عام 1924، وهو العام ذاته الذي بويع فيه بالخلافة خلال زيارته لعمان، في محاولة أخيرة لتوحيد المرجعية العربية.
6. سنوات المنفى والوداع الأخير في بيت المقدس
انتهت رحلة الملك الحسين بمنفى فرضه عليه الإنجليز، حيث نُقل من العقبة إلى قبرص وأقام فيها ست سنوات تحت ضغوط سياسية شديدة. وعندما تدهورت صحته، سُمح له بالعودة إلى عمان ليمضي شهوره الأخيرة في كنف ابنه الملك عبد الله. وبناءً على وصيته ومكانته التاريخية، حُمل جثمانه إلى القدس ليُدفن في رحاب المسجد الأقصى، ليبقى ضريحه هناك شاهداً على رفضه التنازل عن عروبة فلسطين.