موزارت والماسونية: من الأفلوت السحري إلى أسرار المحفل

موزارت والماسونية: من الأفلوت السحري إلى أسرار المحفل

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

موزارت والماسونية: عبقري الموسيقى وأخ المحفل

image about موزارت والماسونية: من الأفلوت السحري إلى أسرار المحفل

ولفغانغ أماديوس موزارت (1756-1791)، أحد أعظم العباقرة في تاريخ الموسيقى الكلاسيكية، لم يكن مجرد موسيقار يملأ العالم بأنغامه الخالدة، بل كان أيضاً عضواً نشيطاً في محافل الماسونية (الفراماسونية) خلال السنوات الأخيرة من حياته. انضم إلى الماسونية عام 1784، واستمرت علاقته بها حتى وفاته عام 1791، أي لمدة سبع سنوات حاسمة شكلت جزءاً مهماً من إنتاجه الفني والفكري.

خلفية تاريخية: الماسونية في عصر التنوير

في القرن الثامن عشر، كانت الماسونية حركة سرية تجمع بين الطقوس الرمزية والمثل التنويرية مثل الأخوة والمساواة والتسامح والسعي للمعرفة. انتشرت المحافل في أوروبا، خاصة في النمسا وفيينا، تحت حكم الإمبراطور جوزيف الثاني الذي كان متسامحاً نسبياً معها في البداية.

كان العديد من المثقفين والفنانين والنبلاء ينضمون إليها، بحثاً عن فضاء فكري يتجاوز القيود الدينية التقليدية. ورغم أن الكنيسة الكاثوليكية حظرت الانضمام إليها منذ عهد البابا كليمنت الثاني عشر عام 1738، إلا أن موزارت، الكاثوليكي المتدين ظاهرياً، لم يرَ تناقضاً بين إيمانه وانتمائه الماسوني.

انضمام موزارت إلى المحفل

انضم موزارت إلى المحفل الماسوني في فيينا يوم 14 ديسمبر 1784، في محفل "Zur Wohltätigkeit" (الإحسان أو البر) الذي تأسس حديثاً عام 1783. كان عمره 28 عاماً. سرعان ما تقدم في الدرجات: أصبح "رفيقاً" (Fellow Craft) في 7 يناير 1785، ثم "سيد ماسون" (Master Mason) بعد فترة قصيرة.

كان يحضر اجتماعات محفل آخر هو "Zur wahren Eintracht" (الوفاق الحقيقي)، الذي كان يرأسه العالم إغناز فون بورن. وبعد إصلاح إمبراطوري عام 1785 حد من عدد المحافل، انتقل إلى محفل "Zur neugekrönten Hoffnung" (الأمل المتوج حديثاً).

كان موزارت عضواً نشيطاً جداً: حضر الاجتماعات بانتظام، وأقنع والده ليوبولد بالانضمام، وربما صديقه هايدن أيضاً. كما وجد في المحفل دائرة من الأصدقاء والرعاة ساعدوه مالياً في أوقات الضيق.

المؤلفات الماسونية لموزارت

ألف موزارت ما لا يقل عن ثماني مؤلفات خاصة بالماسونية، منها:

  • موسيقى الجنازة الماسونية (Maurerische Trauermusik, K. 477) — عمل عميق ومؤثر كتبه لجنازة إخوان في المحفل.
  • كانتاتا ماسونية (Laut verkünde unsre Freude) — لاحتفال افتتاح معبد جديد.
  • قطع أخرى مثل "رحلة الرفيق" (K. 468) التي ألفها لحفل ترقية والده.

تظهر في هذه الأعمال رموز ماسونية مثل التركيز على الأخوة، والتنوير، والموت كبوابة للحياة الأبدية، وهو موضوع يتكرر في رسائل موزارت.

الأفلوت السحري: الأوبرا الماسونية بامتياز

أشهر تجليات علاقة موزارت بالماسونية هو أوبراه الأخيرة الأفلوت السحري (Die Zauberflöte, 1791)، التي كتبها بالتعاون مع الليبريتست إيمانويل شيكانيدر، وهو ماسوني أيضاً.

تُعتبر الأوبرا تمثيلاً رمزياً للطقوس الماسونية:

  • رقم 3: يتكرر بكثرة (ثلاث سيدات، ثلاثة أرواح، ثلاث تجارب، ثلاث ضربات في المقدمة الموسيقية ترمز إلى طرقة الماسوني).
  • المفتاح E♭ major: يحتوي على ثلاث فلتات، وهو مفتاح مفضل لدى موزارت في السياقات الماسونية.
  • الرموز المصرية: الإلهام من مصر القديمة، الذي كان شائعاً في الماسونية.
  • الرحلة الروحية: رحلة تامينو وبامينا عبر تجارب النار والماء والصمت ترمز إلى درجات التنوير الماسوني.
  • ساراسترو: يمثل الزعيم الحكيم، مقابل ملكة الليل التي ترمز إلى الجهل والظلام.

رغم أن الأوبرا تحمل طبقات متعددة (ترفيه شعبي، نقد اجتماعي، رموز تنويرية)، إلا أن جوهرها يعكس قيم الماسونية: الانتقال من الظلام إلى النور عبر المعرفة والأخوة والحب.

تأثير الماسونية على فكر موزارت

كانت الماسونية تتوافق مع شخصية موزارت التنويرية: إيمانه بالتقدم الإنساني، رفض التعصب، والسعي للانسجام. في رسائله، يظهر تأثره بأفكار الأخوة والصداقة الحقيقية. كما ساعدته المحافل اقتصادياً، خاصة مع صديقه مايكل فون بوشبرغ الذي أقرضه مراراً.

ورغم ذلك، لم يكن موزارت ماسونياً متطرفاً؛ ظل يؤلف موسيقى كنسية ويحافظ على علاقاته الكاثوليكية. يرى الباحثون أن الماسونية أثرت فيه فنياً وروحياً دون أن تحل محل إيمانه.

الوفاة والأساطير

توفي موزارت في 5 ديسمبر 1791 عن 35 عاماً فقط. دُفن في قبر جماعي حسب العادات، وأقيمت له جنازة ماسونية. أثارت وفاته المبكرة شائعات عن "مؤامرة ماسونية" أو تسميم، لكن لا دليل تاريخي قوي يدعم ذلك؛ يُرجح السبب مرضاً (ربما التهاب الكلى أو عدوى).

إرث موزارت الماسوني

يظل موزارت رمزاً للتلاقح بين الفن والفكر التنويري. أعماله الماسونية لا تزال تُعزف في الاحتفالات الماسونية، والأفلوت السحري تُقدم آلاف المرات سنوياً حول العالم، محملة برموزها الخفية.

في عصرنا، يذكرنا موزارت بأن العبقرية لا تقتصر على النوتات الموسيقية، بل تتجاوزها إلى البحث عن معنى أعمق للحياة: الأخوة، التنوير، والانسجام بين الإنسان والكون.

موزارت لم يمت؛ أنغامه وأفكاره الماسونية التنويرية لا تزال تتردد، تدعونا إلى الاستماع بعمق أكبر، ليس فقط للموسيقى، بل للرسالة الإنسانية التي تحملها.

مصادر أساسية:

  1. Wikipedia: Mozart and Freemasonry — صفحة شاملة موثقة جيداً عن انضمامه للمحافل ومؤلفاته. en.wikipedia.org/wiki/Mozart_and_Freemasonry
  2. Paul Nettl - Mozart and Masonry (1957) — كتاب كلاسيكي متخصص في الموضوع.
  3. H.C. Robbins Landon - Mozart and the Masons (1982) — تحليل مفصل للعلاقة.
  4. Katherine Thomson - The Masonic Thread in Mozart (1977) — دراسة عن التأثير الماسوني في موسيقاه.

مصادر إضافية مهمة:

  • Metropolitan Opera Educator Guide: Mozart and Freemasonry (خاصة بالأفلوت السحري).
  • Grand Lodge of Ohio: مقالة عن المؤلفات الماسونية لموزارت.
  • Jacques Henry - Mozart the Freemason (1991، مترجم 2006) — يركز على التأثير الروحي والرمزي.
  • Volkmar Braunbehrens - Mozart in Vienna 1781-1791 — يناقش السياق التاريخي والعلاقة مع الكاثوليكية.
  • Otto Erich Deutsch - Mozart: A Documentary Biography — وثائق تاريخية أصلية.

دراسات أكاديمية:

  • L.E. Mitchell, The Influence of Freemasonry on Some of the Music of Wolfgang Amadeus Mozart (1969).
  • مقالات على JSTOR وCambridge Core حول الموضوع.

مصادر عربية مفيدة:

  • مقالات في "الحوار المتمدن" والجزيرة عن الإشارات الماسونية في موسيقى موزارت.

هذه المصادر تغطي الجوانب التاريخية، الموسيقية، والرمزية. معظم التفاصيل (تواريخ الانضمام، أسماء المحافل، المؤلفات مثل Maurerische Trauermusik وThe Magic Flute) مدعومة بوثائق ماسونية ومعاصرة لموزارت.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
المقالات

447

متابعهم

222

متابعهم

353

مقالات مشابة
-