هل اللغة تصف الشعور أم تصنعه؟ بين هيمنة اللغة وبين استخدامها
هل اللغة تصف الشعور أم تصنعه؟
١. هل اللغة مجرد وعاء للمعاني؟
لا شك أن اللغةَ هي وعاء المعاني، والسفينة التي تُقِلُّ الأفكارَ بين مرافئ الناس. وبينما تبقى الأوعيةُ محايدةً تماما، ولا سلطانَ لها على ما بداخل الوعاء؛ فإن اللغةَ ليست كذلك. نحن نعتقد أننا نمتلئ بالمشاعر أولا، ثم نفيضُ بها على الخارج من خلال الكلماتِ والجمل، نظن اللغةَ مرآةً تعكس مشاعرَنا وأن الشعورَ كائنٌ مكتملُ النيان، فقط، تنعكس ملامحه حينَ يُعرَض على مرآة اللغة، وأن الكلماتِ هي مجرد أصداء للمشاعر، وأنها لا تعدو أن تلتقطَ ما بداخلنا فتحيله إلى أصواتٍ وحروف. بمعنى آخر؛ نظن أننا نشعر أولا، ثم نتحدث أو نكتب، فالشعورُ سابق على اللغة. نُحسُّ بالحزن ثم نتخير كلماتٍ تعبر عن الحزن. نُحبُّ ثم ننسجُ من شعور الحب تعبيرا عنه. نتألَّم أولا ثم ننعتُ ذلك الشعورَ بِـ [الألَم]. بيدَ أنَّ هذا الاعتقاد ربما انقلبَ رأسًا على عقب عندما نمعن النظرَ في القضية. ل
٢. اللغة تمنحُ الشعورَ أبعادا مختلفة
أحيانا لا يمكننا أن نُحددَ بدقة طبيعة ما نشعره؛ إلا بعدما نجد الكلمةَ المعبرة عنه. فيظلُّ شعورنا غائما ضبابيا متراميَ الأطراف؛ حتى نقعَ على مصطلحٍ واحد يَلمُّ شعثَه. تبقى مشاعرنا كتلةً عاطفيةً مبهمةً؛ حتى تأتي اللغة، فلا تقفُ عند حد الوصف، بل تقومُ - فوقَ ذلك- بتشريح هذا الشيء المبهم المتداخل، وتُعطيه حدودا، وتصهره في بوتقةِ التعريف والتجريد، ثم تقولُ لنا: إن ما تشعر به في اللحظة الحالية هو خوفٌ، أو ألمٌ، أو شوقٌ، أو رغبةٌ.. إلخ.
فما لم يكن خوفا قبل التصريح بوصف الخوف؛ كان شعورا مربكا يدفعنا للهروب وحسب. وما لم عشقا؛ كانَ شعورا مبهما يحدو على طلب القرب فقط. وما كانَ مجرد مشاعرَ غائمةٍ فحسب؛ صارَ بعد تعريفه لغويا؛ إحباطًا، ويأسًا، وحزنا، وحنينا. حتى صرَّحَ بعضهم بأن اللغةَ تُنشئُ الشعورَ إنشاءً، تماما كما تنحتُ القصيدةُ معنىً من المعاني، فتصيره جسدا. يقول أدونيس: (ما لم نسمِّه؛ لا يوجد، وما لم نقل؛ لا نعرفه). فهو إلماحٌ بأن الاحساسَ وليدُ التسمية.
كم مرةٍ وجدتَ في صدرك انقباضا، لا هو حُزنٌ أبلج، ولا هو فَرَحٌ مُتَلَجلج، ثم طرقَ سمعَك لفظُ الوحشة أو الحنين، فقلتَ: نعم هذا بالضبط هو ما أشعر به. وكأنك وجدتَ ضالتك، وكأن الذي نطقَ بالكلمة قد ولجَ إلى فناء نفسك، وشام مشاعرك، وشعر بما تشعر به، ثم حاكَ من كل ذلك لفظةً واحدة تصف حالك أحسنَ الوصف. ولو أنك عمدتَ إلى نفسك مستنبئًا ومستعبرا، لما أسعفكَ الوصف ولا بلغتَ القدرَ المكافئ لما تشعر به حقيقة. وهنا ينطرح سؤال: هل يعني ذلك أن اللغةَ سابقةٌ على الشعور؟ يعني هل لم تكن تشعر بالوحشة، ثم سمعتَ هذا التعبير، فجعل قلبك يستوحش؟! الجواب: ليسَ دائما (أحيانا تصنع اللغةُ الشعورَ من الصفر كما سيأتي في العنوان التالي) . ولكنَّ اللغة كأنها تقوم بفتح الباب أمام الوجود الواعي. أو كأنها تستخرج الشعور من كهف العقل الباطن إلى منصة العقل الواعي. فما كان قبل اللغة مادة خاما هلامية لا ملامحَ له؛ تم صبه في قالبٍ محدد.
فكأن اللغةَ - غالبا- لا تخلقُ الشعور من رحم العدم، لا تنشئ التغيراتِ الكيميائية في الدماغ دونَ أن يكونَ لها أصلٌ من الواقع. فقبلَ أن نستمعَ أو نقرأَ لفظةً تحمل معنى معينا، ربما عالجنَا تسارعا في نبض القلب، تعرقا، انقباضا في الصدر، توترا في العضلات، أو جفافا في الحلق. هذه الأحداث البيولوجية تحدث قبل التعرض لوقع الكلمات. لكن ما يحدثَ خلفَ ذلك؛ هو تفسيرٌ لهذه الإشارات، وتسميتها، وحبكُها في قصةٍ داخلية. وهذا هو ما تفعله اللغة بالتحديد. فحين نتألم؛ كأننا نحكي لأنفسنا قصةَ الألم، فتصيغُ اللغةُ تلكَ القصةَ في صورة ألفاظ محددة، لتخبرنا أن ما نشعر به هو حزنٌ فاضل، أو فشلٌ مُخزٍ، أو إشفاقٌ نبيل، أو خوفٌ مُرهق، أو حتى اكتئابٌ مزمن!
٣. السر في كثرة المترادفات للمعنى الواحد
ثم لم تكتفِ اللغة بسبر غور النفس، وتجريد المصطلح الملائم لكل حالة شعورية، بل ذهبت أبعدَ من ذلك، فجعلت لكل شعورٍ درجاتٍ تترى، ومترادفاتٍ كثيرةٍ تعبر عن الشيء الواحد. وهذه المترادفات ليست متساويةً تماما، ولكنها درجات كما قلنا، ولا بأسَ أن يكونَ الحد الفاصل بين بعضها والبعض أدقَّ من الشعرة. فاللغة البشرية أَبت إلا تشريح الشعور الواحد، ورفضت أن تصفه باصطلاحٍ مفرد. فمثلا للتعبير عن الحب؛ فقد استعملت عشرات الكلمات مثل: الكلف والهيام والصبابة والمودة والهوى والوَلَه والعشق والتأله والوَلَع والوجد والعبادة.. والأبعد من ذلك؛ أن كل كلمةٍ لا تصف قدرا محددا من الحب فحسب، بل تُنشيءُ وَعيًا مُستقلًّا به أيضا، شعورا مختلفا تماما. فكأنَّ اللغةَ تقوم بأداء ثلاثة أدوارٍ على التوالي فيما يخص الشعور:
١- الشرح: وإعطاء المعنى الشعوري مصطلحا يلائمه.
٢- التقسيم وجعله درجات متعددة لا درجة واحدة: فالخوف مثلا ليسَ درجةً واحدة؛ فهناك الجُبن، والفَرَق، والوجَلُ، والهَلَع، والرعب.
٣- تعميق الشعور وإعادة تشكيله: فإذا تعرضنا للمصطلح الأكثر تعبيرا عن حالتنا الشعورية؛ فإن هذه الحالةَ تزداد عمقا.
وبهذا لا تكونُ اللغةُ - كما ظننا- مجردَ وعاء للشعور، أو قاموسا للأحاسيس، بل هي خريطةٌ مُفَصِّلةٌ لها، لا تكتفي بذكر الموضع بل تُعيننا في الوصول إليه. فهي لا تُخبرنا فقط: ما هذا الذي نشعر به، ولكن أيضا تنبئنا بدقة أين موقعنا في هذا الشعور، أي درجةٍ منه حصدناها، وكيف نُجرده عن غيره، ونمايز بينه وبين الدرجات الأخرى على نفس الخط الشعوري.
فالتغايرُ بين (الغضب والغيظ والسخط والحَنَق) ليس مجرد اختلافٍ في الألفاظ، ولا ترادفا لُغويا فاترا، بل هو اختلافٌ في التجربة ذاتها. وكلما كان المعجم اللغوي لدى الشخص أكثرَ ثراءً؛ كانت مشاعره أكثرَ حدة وعمقا وحياة. فالعلاقة بين اللغة وبين الشعور؛ علاقة تواطؤ وليست نقلا فقط. فالذي لا يعرف من مصطلحات الحب غير لفظة الحب؛ ليسَ كحالِ الصبِّ الكَلِف، ذي الوجد والصبابة، يهيم في بُنَيِّاتِ العشق، ويعزف على قيانِ الهوى، راكعا في محراب الوَلَه والتأله، سابحًا في بحرِ الغَرَام. الذي يتعلم لغةً جديدةً - أو حتى مفرداتٍ جديدةً من نفس اللغة- يكتسبُ قدرةً أعمقَ على التواصل، أو ربما مشاعرَ جديدة، أو بتعبيرٍ أكثرَ دقةً؛ طرائقَ جديدةً للشعور. فالعديد من المشاعر تنمو وتترعرع حين تجد لها تربةً لغويةً خصبة، في حين يذبل البعض الآخرُ حين يعدم المناخَ الملائم.
وقد تصنع اللغةُ الشعور ابتداءً!
فلا غروَ أننا نكونَ أحيانًا في حالة شعوريةٍ محايدةٍ تماما، ثم نقرأ أبياتا في الغزل أو الفخر أو الحب أو حتى التشاؤم؛ فلا نلبث أن نمتلأ بذات المشاعر. وقد نقلتُ لك كلامَ أدونيس في هذا المعنى منذ قليل. فالشعرُ على سبيل المثال ليسَ مجرد زخرفةٍ كلامية، والشاعر غالبا لا يسعى إلى تحسين الشعور وتزيينِه؛ بل يرومُ أن يصنعه ابتداءً. الشاعر لا يشرح شعورًا جاهزًا، بل يبدعه أثناء الكتابة. فلا تعود الكلمة ناقلًا، بل تغدو مولِّدًا. ولا يبعد أن نستحدثَ مشاعرَ لم نكن نحوزها قبل ذلك، ونتبنى أحاسيسَ لم نكن نعرفها. فكأنَّ الكاتبَ أو المتحدثَ البارع ليسَ هو مَن يقول: هذا هو ما أشعر به، وإنما الذي يقول للقارئ أو المتحدث: هكذا ينبغي أن تشعرَ أنت.
فلو اتفقَ أن انتزعتَ كتابا من رف مكتبتك بدافع السأم والملل، ثم شرعت تقلب صفحاته؛ فإنك لن تخرجَ بنفس المشاعر التي دخلتَ بها. فقد كنتَ منذ قليل تشعر بالملل، ولكن بعد أن قرأتَ أبياتَ الحماسة مثلا؛ جعلَ قلبُك ينعقدُ على معانيَ أخرى كالأمل والعزم والشجاعة والشغف والحماس، في الواقع لقد انهزمَ شعور الملل وولى مدبرا، وتبدل بالكلية.
وقد تعجزُ اللغة أيضا عن قول أي شيء
هذا الذي ذكرناه يعني أن اللغةَ قويةٌ جدا، ولكنه لا يعني أنها غير محدودة. فكم من مواقفَ تقفُ العباراتُ دونهَا مكتوفةَ الأيدي، لا تنبس ببنت شفة، بل يكونُ الصمتُ حينَها أبلغَ من الكلام. وكم من مرة نقول فيها: لقد تحشرج الكلام في حلقي، ولن تستطيعَ المجلداتُ الطوالُ أن تصفَ ما في صدري. فحتى وإن كانت هذه مبالغةً أيضا؛ إلا أنها تدل بطريقة ما على أن اللغةَ ليست مطلقة. فهي ليست إدانةً للغة بقدر ما هي تعريفٌ بحدودها. فاللغة التي تصنعُ المشاعرَ أحيانا؛ قد تعجزُ عن البوح بها! وهنا يحضرني قولُ الله تعالى: ولو أن ما في الأرض من شجرة أقلامٌ والبحر يمده من بعده سبعة أبحرٍ ما نَفِدَت كلماتُ الله. فإن كلماتنا تنفد وكلمات الله لا نفاد لها.
ولكن ما المشكلة في كل ذلك؟
إذا كانت اللغةُ بهذا تشرح المشاعر وتكشف عنها وتضع حدودا بين بعضها البعض، وربما تعجز أحيانا، فهذا شيء جيد، فما المشكلة إذن؟
المشكلة هي أن تتجاوزَ اللغةُ حدَّ الكشف عن المشاعر وتبيينها، ثم حد صناعتها وإنشائها منذ المهد إلى التمام؛ إلى حد فَرضِ المشاعر ومنحها حدودا تصبح من خلالها قاضيا أدبيا أو مُشَرِّعًا لغويا. فما كانَ في إطارِ هذه الحدود المُختَلقة؛ هو الصورة المُثْلَى من الشعور، وما عدَاهَا بالزيادة والنقصان قَدحًا وذمًّا. فمَثَلًا؛ في التعبير عن الحب في قصائد العشق والغرام، تكونُ الصورة المثاليةُ مفتعلةً جدا، متكلفةً إلى حد بعيد. صورةٌ تقوم على المبالغاتِ غير المنطقية، والصورِ الهلامية من الحب المأساوي والعشق الأليم، ثم لابد لكي تكتملَ هذه الصورة المثلى؛ أن يموتَ العاشقُ من كَمَدِ البعد، ويُنعَتَ في النهاية بشهيد الغرام! حينئذٍ يُصبحُ الألَمُ هو معيارَ الصدق، ولا يكون العاشق عاشقا حتى ينحلَ في الهوى جسدُه وتنحلَّ في الغرام تلافيفُ عقلِه، وما مجنون ليلى عنكَ ببعيد! فإذا نظرنا إلى قصائد الرثاء كمثالٍ آخر؛ فإنها تجعلُ معيار الوفاء للشخص المَرثي؛ أن يموتَ الراثي نفسه من الحسرة والألَم. انظر إلى قول الخنساء وهي ترثي أخاها:
فَلَوْلَا كَثْرَةُ البَاكِينَ حَوْلِي عَلَى إِخْوَانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي
وَمَا يَبْكُونَ مِثْلَ أَخِي وَلَكِنْ أُعَزِّي النَّفْسَ عَنْهُ بِالصَّبْرِ
لقد همت بقتل نفسها حزنا على أخيها! إن اللغةَ هنا لم تعد وصفا للشعور فحسب، بل جعلته واجبا أخلاقيا، تتناهَى قبلَ ساحله كل الجهود! فإما أن تحزن حزنا يفتت الكبد؛ أو فأنتَ لَم تحزن!
وهذا ابن الرومي، ماتَ له ولد وتبقى له ولدان، فكان كلما نظرَ إليهما؛ لم يتصبر بهما عنه، ولم تهن مصيبته بأن اللهَ أخذَ من أبنائه واحدا وأبقى له اثنين، بل كانَ كلما نظرَ إليهما؛ أشعلا في قلبه نار الحزن!
أرى أخويكَ الباقيينِ كليهما يكونان للأحزان أَورَى من الزند.
فهلَ كانَ أطيبَ لقلبه أن يموتَ ثلاثتهم؟!
هذا هو الوجه القاتم من البلاغة؛ أن تستحيلَ من أداةٍ للتعبير عن المشاعر إلى نصل سيفٍ مسلطٍ على سويداء القلب! من فضفضةٍ واسترواحٍ إلى قوانينَ جائرةٍ نفرضها على أنفسنا، من بديعٍ وسجعٍ وجناسٍ إلى خداعٍ ومبالغاتٍ تقصم الظهر. لا لأن اللغةَ كاذبةٌ، ولكن لأنها أحيانا تتقدمُ الشعورَ فتصنعه، وإن كانَ قائما لم تألُ أن تؤججَه. ولذلك؛ فإننا أحيانا حين نكتب؛ لا نكتفي بالإفصاح عما نشعره، بل ربما كنا نختارُ نوعَ المشاعر أصلا. فتعينَ علينا أن نَحزَنَ كما طرحَ الشعراءُ الحزنَ، ونحب كما وصفوا لنا الحب، ونحكم على صدق التجربة بمستوى فصاحتها، لا بجوهرها.
الخلاصة
اللغة تصنع الشعور أحيانا من الصفر، وإن كان موجودا فإنها تُحدده وتضعه في قالبٍ خاص، ومن ثم فهي تقوي الشعور وتعمقه، وتعطيه مذاقا خاصا، ومع ذلك فهي تعجز أحيانا عن مكافأةِ الشعور، ولكن المشكلة تطمو حينَ نجعلُ من شطحاتها قانونا، ومن مبالغاتها دستورا للصورة المثلى من الشعور، فنحزنُ حزنا مكافئا لحزنِ المتكلم على ولده، وإلا كنا مفرطين! ونعشقُ عشقا تتلفُ دونه عقولنا كما حدثَ لمجنون ليلى؛ وإلا فإننا ما وقعنَا في الحب!