من حضارات قديمة إلى مطبخ ياباني صغير: القصة الكاملة للشعيرية المقلية حتى ظهور إندومي
من حضارات قديمة إلى مطبخ ياباني صغير: القصة الكاملة للشعيرية المقلية حتى ظهور إندومي.
مقدمة
ليست الشعيرية مجرد وجبة سريعة، بل هي نتيجة رحلة طويلة بدأت قبل آلاف السنين.
من عجين بسيط يُجفف تحت الشمس في الحضارات القديمة، إلى ابتكار تقنية القلي السريع في اليابان، وصولًا إلى شركات عالمية مثل إندومي… إنها قصة تطور غذائي وإنساني معًا.
أصول الشعيرية في الحضارات القديمة
تعود جذور الشعيرية إلى أكثر من 4000 عام، حيث اكتشف علماء آثار بقايا شعيرية متحجرة في موقع “لاجيا” بالصين، ويُعتقد أنها تعود إلى حضارات قديمة على ضفاف النهر الأصفر.
انتشرت فكرة العجين الممدود والمجفف عبر طرق التجارة إلى:
آسيا الوسطى
بلاد فارس
العالم العربي
أوروبا
وفي كل منطقة تطورت بطريقتها الخاصة:
في الصين: شعيرية القمح والأرز
في إيطاليا: المعكرونة
في العالم العربي: الشعيرية الرقيقة المستخدمة في الشوربة
لكن هذه الشعيرية كانت تُطهى طازجة أو تُجفف فقط، ولم تكن تُقلى بعد.
تطور الشعيرية في اليابان وظهور الرامن
دخلت الشعيرية اليابان متأثرة بالمطبخ الصيني في القرن التاسع عشر، وتطورت إلى ما يُعرف اليوم باسم “رامن”.
أصبحت وجبة شعبية في المدن اليابانية، لكنها كانت تُحضّر طازجة فقط، ولم تكن مناسبة للتخزين الطويل.
ثم جاءت الحرب العالمية الثانية، وواجهت اليابان أزمة غذائية خانقة، فبدأت الحاجة لابتكار وجبة سريعة، مشبعة، وقابلة للتخزين.
موموفوكو أندو: عام من التجارب والفشل قبل النجاح
المخترع الياباني
موموفوكو أندو
موموفوكو أندو، مخترع النودلز سريعة التحضير (الرامن) ومؤسس شركة نيسين، اشتهر بفلسفته التي تربط بين الغذاء والسلام: "السلام يأتي للعالم
عندما يشبع الناس من الأكل".
في عام 1957 بدأ تجاربه في كوخ صغير خلف منزله بمدينة إكيذا، بهدف إنتاج وجبة:
سهلة التحضير
قابلة للتخزين
مشبعة
لكن الطريق لم يكن سهلاً.
التحديات الأولى
الشعيرية المطهية كانت تفسد سريعًا
طرق التجفيف التقليدية لم تنجح
التكلفة كانت مرتفعة، والمنتج غالي الثمن
قضى أندو قرابة عام كامل يجرب:
التجفيف بالهواء
الخَبز
التسخين بالبخار
الضغط الحراري
وكل المحاولات فشلت في إنتاج شعيرية مستقرة.
لحظة الإلهام: طبق التيمبورا
التحول الحقيقي جاء أثناء مشاهدة إعداد طبق
تيمبورا

لاحظ أندو أن القلي العميق في زيت ساخن جدًا يؤدي إلى:
تبخر الماء بسرعة
تكوين مسامات داخل الطعام
حفظ المنتج لفترة أطول
جرّب قلي الشعيرية بعد طهيها بالبخار، وكانت النتيجة ناجحة، وأصبح بالإمكان تخزينها لفترات طويلة مع الحفاظ على قوامها عند إضافة الماء الساخن.
عام 1958 أطلق أول منتج ناجح باسم:
Chikin Ramen
الانتشار والصناعة العالمية
توسعت الفكرة سريعًا عبر شركة
Nissin Foods
التي أسسها أندو وأصبحت رائدة في مجال الشعيرية الفورية.
في عام 1971، ظهر منتج “Cup Noodles”، الذي سهّل استهلاك الشعيرية في أي مكان حول العالم.
ظهور إندومي
في سبعينيات القرن العشرين، تأسست في إندونيسيا علامة تجارية أصبحت من أشهر الأسماء في العالم:
Indomie
طورت الشركة المنتج ليناسب الأسواق المحلية بنكهات متعددة، ووسعت الإنتاج حتى أصبح يُصدّر إلى أكثر من 100 دولة، وأصبح جزءًا من الثقافة الغذائية اليومية في العديد من الدول.
خلاصة
بدأت الشعيرية كعجين بسيط في حضارات قديمة، ثم أصبحت وجبة شعبية في اليابان، وتحوّلت إلى اختراع ثوري بعد عام كامل من التجارب الفاشلة لموموفوكو أندو.
اليوم، ملايين الناس حول العالم يتناولون الإندومي، قصة موموفوكو أندو ليست قصة اختراع غذائي فقط.
إنها قصة إنسان رأى الجوع، فاختار أن يواجهه بفكرة.
الفشل لم يُوقفه.
السعر المرتفع لم يُحبطه.
التجارب غير الناجحة لم تُنهِ حلمه.
لأنه كان يؤمن أن أبسط فكرة قد تغيّر العالم… إذا كانت نابعة من حاجة حقيقية.الابتكار الحقيقي لا يولد من الراحة… بل من الحاجة.
تثبت القصة النية الصادقة والعمل الجد ييصنعان المستحيل
