حين يتأخر الفهم… ويأتي اليقين من الله
رسالة اليقين من الله
في ليلةٍ هادئة، كان المطر يتساقط بخفة على نافذة غرفة سليم، وكأن كل قطرة تحمل معها همسات قديمة لم يسمعها من قبل. جلس وحيدًا، يتأمل الظلام والهدوء الذي يغطي المدينة، وعقله يعج بالأسئلة عن حياته، عن والده الذي رحل منذ عشر سنوات، وعن ذلك الفراغ الذي لم يملأه شيء.
فجأة، سمع طرقًا خفيفًا على الباب، ليس بطريقة مزعجة، بل وكأنه يناديه. نهض بحذر، فتوجه نحو الباب، ووجده مسدودًا كما هو، لكن على الأرض أمامه كان هناك ظرفٌ بنيّ قديم. انحنى والتقطه، وإذا بخطٍ مألوف يكتب اسمه. قلبه خفق بشدة، فالخط هو خط والده المتوفى، الذي لم يره منذ سنوات طويلة.
دخل الغرفة وأغلق الباب خلفه، وجلس على الطاولة. نظر إلى الظرف مرة أخرى، ثم أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يفتحه. كانت الرسالة قصيرة، لكنها مليئة بالمعاني الثقيلة:
“يا بني، إن قرأت هذه الرسالة، فاعلم أن الله لا يضيع حقًا، وأن ما خفي عنك كان لحكمة. قد تأخر الجواب، لكن الله أرحم من أن يترك قلبك تائهاً.”
ارتجف سليم وهو يقرأ السطور التالية، التي كشفت له أن وفاة والده لم تكن حادثًا عابرًا كما ظن، بل كانت نتيجة مكيدة من شخصٍ وثق به الجميع. ولكن والده لم يرد أن يترك قلبه يملأه الحقد أو الكراهية، بل أراد أن يعلّمه الصبر، وأن يثق بالله في كل أمر.
في نهاية الرسالة، كتب والده عنوان منزل مهجور على أطراف المدينة، وأرفق الآية الكريمة:
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
لم ينتظر سليم بزوغ الفجر. توضأ، وصلى ركعتين لله، طالبًا الهداية، ثم ارتدى معطفه وخرج تحت المطر، متوكّلًا على الله. كانت الطريق مظلمة وباردة، لكن قلبه مليء بشعور بالطمأنينة واليقين، كما لو أن الله يمشي معه خطوة بخطوة.
وصل إلى المنزل المهجور، ودخل بحذر، يردد الأدعية في قلبه. كل غرفة كانت مليئة بالغبار والذكريات القديمة. وبينما كان يتقدم، لاحظ صندوقًا خشبيًا صغيرًا في وسط الغرفة، وفوقه صورة له مع والده في طفولته، يضحكان معًا. شعر بوخزة في قلبه، وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يفتح الصندوق.
في الداخل، وجد أوراقًا ومستندات ورسالة أخيرة من والده. قرأها بعينين دامعتين، وإذا بها تحوي وصية روحية:
“يا بني، إن استطعت أن تعفو فافعل، وإن قدرت أن تصبر فاصبر. الدنيا فانية، والآخرة هي الباقية. لا تجعل الحقد يسكن قلبك، ولا تطلب حقك بظلم. ثق بالله، فهو أعلم بما يصلح قلبك.”
حين قرأ سليم الرسالة، شعر بأن شيئًا كبيرًا قد تغير داخله. لم تعد الحياة مجرد ذكريات وحنين، بل أصبحت فرصة جديدة للثقة بالله، والتصرف بالعدل والصبر في مواجهة كل ابتلاء. فهم أن الابتلاء جزء من الرحمة، وأن الصبر ليس ضعفًا، بل عبادة ترفع الإنسان روحياً.
خرج من المنزل مع بزوغ الفجر، والسماء ملبدة بسحب خفيفة، والشمس تتسلل بين الغيوم. لم يحمل شيئًا ماديًا، لكنه حمل في قلبه شعورًا عميقًا بالطمأنينة واليقين، وعرف أن كل ما تأخر في حياته لم يكن ضائعًا، بل كان الله يهيئ قلبه ليكون مستعدًا لاستقبال الحقيقة في الوقت المناسب.
ومنذ تلك اللحظة، بدأ سليم حياته من جديد: قلبه مطمئن، روحه راضية، وعقله متيقن بأن الله لا يخذل من توكل عليه، وأن كل رسالة تصل متأخرة ليست إلا حكمة من الله، ودعوة للتقوى، والصبر، واليقين.
النهاية… بداية حياة جديدة بالإيمان والصبر.