أزمة الحقيقة في عصر ما بعد الواقع (Post-Truth Era): كيف غيَّرت وسائل التواصل الاجتماعي مفهوم الصدق والمعرفة؟
أزمة الحقيقة في عصر ما بعد الواقع (Post-Truth Era): كيف غيَّرت وسائل التواصل الاجتماعي مفهوم الصدق والمعرفة؟
الكلمات المفتاحية الرئيسية:
الأخبار الزائفة (Fake News) - عصر ما بعد الحقيقة (Post-Truth Era) - غرف الصدى (Echo Chambers) - التضليل الإعلامي (Disinformation / Misinformation) - الإنفوميديا (Infomedia) - الترند (Trending / Trending Topics) - الانفصال المعرفي (Epistemic Fragmentation) - الانحياز الأيديولوجي (Ideological Bias) - ثقافة التحقق (Verification Literacy) - المنصات الرقمية (Digital Platforms).

مقدمة:
حين تفقد الحقيقة مركزها
لم تعد الحقيقة في عالم اليوم مسألة اتفاق على الوقائع بقدر ما أصبحت موضع صراع بين سرديات متنافسة. ففي الفضاء العام المعاصر، لم يعد الاحتكام إلى الدليل كافيًا لحسم النقاش، كما لم يعد الخطأ يُقصى بالتصحيح، بل كثيرًا ما يُعاد إنتاجه في صورة رأي، أو شعور، أو قناعة شخصية. هذا التحوّل العميق في موقع الحقيقة ومعناها لا يمكن فهمه بوصفه ظاهرة إعلامية عابرة، بل ينبغي النظر إليه كعلامة على تحوّل ثقافي أوسع، طال طرائق المعرفة، ومعايير الصدق، وآليات تشكيل الرأي العام، في ما يُعرف اليوم بـ عصر ما بعد الحقيقة (Post-Truth Era).
في هذا السياق، برز مفهوم «ما بعد الحقيقة» (Post-Truth) بوصفه توصيفًا لحالة أصبح فيها الخطاب العاطفي والانحياز الأيديولوجي (Ideological Bias) أكثر تأثيرًا من الوقائع القابلة للتحقق. وقد أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي، بما تتيحه من سرعة وانتشار وانتقائية خوارزمية، في تعميق هذه الحالة، عبر إعادة تشكيل العلاقة بين الفرد والمعلومة، وبين الرأي والمعرفة، في فضاء تهيمن عليه المنصات الرقمية (Digital Platforms). ومن هنا، لا تسعى هذه المقالة إلى رصد مظاهر التضليل الإعلامي (Disinformation / Misinformation) أو الأخبار الزائفة (Fake News) فحسب، بل إلى فهم التحوّل الذي أصاب مفهوم الحقيقة ذاته، وكيف أعادت البيئة الرقمية رسم حدود الصدق والمعرفة في الوعي المعاصر.

المحور الأول:
الحقيقة تحت ضغط التفاعل والانتشار
في عالمنا المعاصر لا تُقاس الحقيقة بمدى مطابقتها للواقع، بل بمدى قدرتها على الانتشار، وإثارة الانفعال، وحشد التأييد. ففي زمنٍ تتدفق فيه الأخبار بلا توقف، ضمن ما يمكن تسميته بثقافة الإنفوميديا (Infomedia)، لم يعد السؤال الأساسي: «هل هذا صحيح؟» بل أصبح: «كم مرة تم تداوله؟ ومن يصدّقه؟». هكذا دخلنا ما يُعرف بـ«عصر ما بعد الواقع»، حيث تتراجع الوقائع أمام العاطفة، ويغدو الانطباع الشخصي أقوى من الدليل، والرأي أعلى صوتًا من المعرفة.
لقد أسهمت وسائل التواصل الاجتماعي في هذا التحوّل بصورة جذرية؛ فهي لم تغيّر فقط طرق التواصل، بل أعادت تشكيل علاقتنا بالحقيقة ذاتها. فلم تعد الحقيقة شيئًا يُكتشف، بل شيئًا يُصاغ، ويُروَّج، ويُعاد إنتاجه وفق منطق المنصات الرقمية، حيث يصبح الترند (Trending / Trending Topics) معيارًا غير معلن للأهمية والمصداقية. ومن هنا، لم تعد أزمة الحقيقة مسألة معرفية خالصة، بل أزمة ثقافية تمس الوعي الجمعي، وتنعكس على السياسة، والإعلام، وأنماط التفكير اليومية.

المحور الثاني:
ما المقصود بعصر ما بعد الواقع؟
يشير مصطلح Post-Truth أو «ما بعد الحقيقة» إلى حالة ثقافية وسياسية يصبح فيها تأثير العواطف والمعتقدات الشخصية في تشكيل الرأي العام أقوى من تأثير الوقائع الموضوعية والحقائق القابلة للتحقق. ولا يعني ذلك أن الحقيقة قد اختفت أو لم تعد موجودة، بل يعني—على نحو أدق—أنها فقدت مركزيتها بوصفها معيارًا حاسمًا للحكم والتقويم، وأصبحت تُزاحَم، وأحيانًا تُهمَّش، لصالح الخطاب العاطفي، والسرديات الإيديولوجية، والانطباعات الذاتية.
والخطورة هنا لا تكمن في الكذب ذاته، فالكذب ظاهرة قديمة بقدم الإنسان، بل في تراجع السلطة المعرفية للوقائع. فلم تعد الحقيقة الموثقة كافية لإقناع الجمهور إذا تعارضت مع مشاعره أو قناعاته المسبقة، خاصة داخل ما يُعرف بـ غرف الصدى (Echo Chambers)، حيث يُعاد تدوير الأفكار نفسها داخل جماعات متجانسة. وهكذا ننتقل من صراع بين «حقيقة وكذب» إلى حالة من الالتباس، حيث تتعدد السرديات، ويتشظى مفهوم الحقيقة في صورة انفصال معرفي (Epistemic Fragmentation)، تنتج عنه «حقائق» مرتبطة بالهويات والانتماءات.

المحور الثالث:
وسائل التواصل الاجتماعي وصناعة المعنى
لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا حاسمًا في إعادة تشكيل مفهوم المعرفة. فالخوارزميات لا تعمل بوصفها أدوات محايدة، بل كآليات انتقاء تُبرز ما يثير الانفعال ويضمن التفاعل، لا ما يتسم بالدقة والعمق. وهكذا يُكافأ المحتوى الصادم أو الجدلي—حتى لو انطوى على تضليل أو معلومات مغلوطة—بينما يُهمَّش الخطاب المتوازن الذي يتطلب قراءة وتأملًا.
وفي هذا الفضاء الرقمي، لم يعد تداول المعلومة دليلًا على صحتها، بل على قدرتها على إثارة الاستجابة. وهنا تتحوّل الحقيقة إلى منتج يخضع لمنطق السوق الرقمي، حيث يُنظر إلى ما يُستهلك أكثر بوصفه أكثر صدقًا. ومع الوقت، يُعاد تشكيل الوعي الجمعي وفق هذا المنطق، فيغدو «الترند» بديلًا عن البرهان، والانتشار بديلًا عن التحقق.

المحور الرابع:
تحوّل مفهوم الصدق
من أخطر نتائج عصر ما بعد الواقع تحوّل مفهوم الصدق ذاته. فالصدق لم يعد يعني مطابقة القول للواقع، بل انسجامه مع مشاعر المتلقي وقناعاته المسبقة. وهنا تتقدّم عبارة «أشعر أن هذا صحيح» على «هذا صحيح بالفعل».
ويكشف هذا التحوّل عن تغليب التأثير العاطفي على البرهان العقلي، حيث يصبح الخطاب المؤثر وجدانيًا—حتى وإن كان مضللًا—أكثر فاعلية من الخطاب القائم على الدليل. ومن زاوية فلسفية، يشير هذا الوضع إلى انتقال مركز الحقيقة من العالم الموضوعي إلى الذات الفردية، بحيث يتحول السؤال من: «هل هذا صحيح؟» إلى: «هل يخدمني هذا الخطاب؟». ومع أن التجربة الذاتية لا يمكن إلغاؤها، فإن تحويلها إلى معيار وحيد للصدق يفضي إلى نسبية مفرطة، تتآكل معها إمكانات الحوار العقلاني.

المحور الخامس:
أزمة المعرفة والوعي الجمعي
في ظل هذا التحوّل، تراجعت الثقة في المؤسسات التي كانت تُعد حارسة للمعرفة: الإعلام التقليدي، الجامعات، والخبراء. ولم يكن هذا التراجع نتيجة أخطاء هذه المؤسسات فحسب، بل نتيجة مناخ عام يشكّك في كل سلطة معرفية، ويفتح المجال أمام أنماط مختلفة من التضليل الإعلامي والأخبار الزائفة.
وقد أسهم هذا المناخ في ازدهار نظريات المؤامرة، لا لأنها تقدّم أدلة قوية، بل لأنها تمنح شعورًا باليقين في عالم مرتبك. وهكذا، لا يعود الإنسان يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن سردية تمنحه الطمأنينة والانتماء.

المحور السادس:
المسؤولية الفردية في زمن الالتباس
في هذا السياق، لا يمكن اختزال الفرد في موقع الضحية. فالمتلقي يشارك، بوعي أو دون وعي، في إعادة إنتاج الأزمة، من خلال المشاركة السريعة، والتداول غير المتحقق، والانحياز لما يؤكد قناعاته. ومن هنا تبرز الحاجة إلى ترسيخ ثقافة التحقق (Verification Literacy) بوصفها مهارة أساسية في العصر الرقمي.
إن أزمة ما بعد الحقيقة هي، في جانب منها، أزمة في العلاقة بين المعرفة والثقة والمسؤولية الفردية.

خاتمة:
هل انتهت الحقيقة؟
لا يعني الحديث عن عصر ما بعد الواقع أن الحقيقة قد انتهت، بل أن صورتها التقليدية لم تعد كافية في عالم تحكمه السرعة والمنصات. فـ«ما بعد الحقيقة» ليست إنكارًا للحقيقة، بل إعادة ترتيب لأولويات الخطاب العام، بحيث تصبح الحقيقة أقل أهمية من فعاليتها العاطفية والسياسية.
والتحدي الحقيقي لا يكمن في غياب الوقائع، بل في غياب الاستعداد للاحتكام إليها. وربما نحتاج اليوم إلى ثقافة معرفية جديدة تعيد الاعتبار للفهم لا للانفعال، وللعقل لا للضجيج، حتى تستعيد الحقيقة مكانتها بوصفها أفقًا مشتركًا للفهم، لا مجرد رأي قابل للتداول.