قصة العقال العربي: من حبل النعمان إلى تاج العز على رؤوس العرب
قصة العقال العربي: من حبل النعمان إلى تاج العز على رؤوس العرب

يَرتدي كثير من العرب اليوم *العقال* — أو كما يُسمّى في بعض اللهجات *العِگال* — بكل فخرٍ واعتزاز، دون أن يعرفوا القصة التاريخية العميقة وراء هذا الرمز الذي صار جزءًا من الهوية العربية. فالعقال لم يكن مجرد قطعة من الزي التقليدي، بل تحوّل عبر القرون إلى **رمزٍ للشهامة والوفاء والكرامة العربية*.
بداية الحكاية: النعمان بن المنذر وكسرى الفرس
تبدأ قصة العقال في **زمن الملك النعمان بن المنذر**، أحد ملوك الحيرة العرب الذين عاشوا في ظل الإمبراطورية الفارسية.
كان **كسرى ملك الفرس** يبحث عن امرأة تتصف بجمالٍ خاص وصفات نادرة، فأشار عليه أحد المقربين أن **بنات النعمان بن المنذر** يتمتعن بتلك الصفات. فأرسل كسرى إلى النعمان طالبًا أن يزوّجه إحدى بناته.
رد النعمان بحكمة العرب واعتزازهم بأنفتهم قائلاً:
“إن وافق جميع العرب على زواج ابنتي منك، زوّجتك إياها، أما إن رفضوا فلن أفعل.”
كان هذا الرد بمثابة صفعة لكسرى، الذي رأى فيه إهانة لسلطانه، فاشتعل غضبه وأرسل في طلب النعمان على الفور.
مأساة النعمان وربط العقال
شعر النعمان بالخطر، فأودع **بناته عند هانئ بن مسعود الشيباني**، أحد وجهاء العرب المعروفين بالشجاعة، ثم توجه إلى كسرى مضطرًا.
لكن كسرى لم يغفر له كلماته، فأمر **بأسره وربطه بعقال البعير** — أي الحبل الذي يُعقل به البعير — ثم قُتل النعمان بطريقة بشعة، ويُقال إن كسرى أمر بأن **يُداس النعمان تحت أقدام الفيلة** حتى الموت.
وصل الخبر إلى العرب، فاشتعلت مشاعر الغضب والحزن، وقرروا أن يجعلوا من ذلك **العقال رمزًا للشرف والوفاء**. قالوا حينها:
> “لنتخذنَّ عقال البعير الذي أوثِق به النعمان تاجًا على رؤوسنا.”
ومنذ ذلك اليوم، صار العرب يلبسون **العقال فوق الرأس**، علامة على **الكرامة والعزة والوفاء**، فالعقال لم يعد مجرد رباط للرأس، بل **رمزٌ للتاريخ والرجولة والوفاء لأهل العروبة**.
من لون وبر البعير إلى السواد الأندلسي
في بداياته، كان العقال مصنوعًا من **وبر الإبل**، فكان لونه الطبيعي **بنيًّا مائلًا إلى الصفرة**، تيمّنًا بوفاء العرب وإبلهم.
لكن بعد **سقوط الأندلس**، دخل الحزن إلى قلوب العرب، فصبغوا العقال باللون **الأسود** تعبيرًا عن حزنهم على ضياع تلك الجوهرة الإسلامية، وقالوا آنذاك:
“لن نرفع السواد حتى تعود الأندلس.”
ورغم مرور القرون، لم تعد الأندلس، وبقي **العقال الأسود** شاهدًا على حزنٍ قديم، ورمزًا للوحدة والوفاء الذي لم ينقطع بين العرب.
العقال بين الماضي والحاضر

اليوم، لم يعد العقال مجرد إرثٍ تاريخي، بل **عنصر أساسي من الزي العربي الأصيل** في الجزيرة العربية والعراق وبلاد الشام والخليج.
يُرتدى العقال فوق **الغترة أو الشماغ**، ويتكوّن عادة من خيوط سوداء سميكة، تُلف على الرأس مرتين أو ثلاثًا.
ويُقال إن طريقة لفّ العقال ونوعه ولونه تُشير أحيانًا إلى **مكانة الشخص الاجتماعية** أو **منطقته الأصلية**.
ففي **السعودية والكويت وقطر والإمارات**، يُعتبر العقال جزءًا من الزي الوطني الرسمي، بينما في العراق يُعرف باسم **العگال**، ويُرتدى فوق الكوفية البيضاء أو المشجرة.
وفي جميع الحالات، يظل **العقال رمزًا للوقار والرجولة والانتماء العربي**.
معنى كلمة “شيخ”.. رمز الشجاعة والخدمة
ولا تكتمل صورة العقال دون ذكر كلمة **“شيخ”** التي ترتبط عادة بمن يلبس العقال. فكلمة “شيخ” في الأصل لا تعني فقط الكِبر في السن، بل هي **صفة لمن يجمع بين الشجاعة والحكمة والخدمة**.
وإذا تأملنا حروف الكلمة وجدنا فيها معاني عظيمة:
* **ش**: شجاعٌ في المواقف.
* **ي**: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
* **خ**: يخدم مجتمعه بما يرضي الله تعالى.
هكذا ارتبط **العقال بالشيوخ**، لا لأنه تاج مادي، بل لأنه **تاج من القيم والمروءة والكرم**.
ورغم مرور القرون، لم تعد الأندلس، وبقي **العقال الأسود** شاهدًا على حزنٍ قديم، ورمزًا للوحدة والوفاء الذي لم ينقطع بين العرب.
الأسئلة الشائعة حول أصل العقال ومعناه التاريخي
1. ما هو أصل العقال العربي؟
يعود أصل **العقال العربي** إلى حادثة تاريخية في عهد **النعمان بن المنذر** عندما أمر **كسرى ملك الفرس** بربطه بعقال البعير وقتله. ومنذ ذلك اليوم، اتخذه العرب رمزًا للشرف والكرامة، ولبسوه فوق رؤوسهم كتاج فخرٍ وعزة.
2. لماذا لُوِّن العقال باللون الأسود؟
في بداياته، كان لون العقال هو لون **وبر الإبل الطبيعي** (بني أو بيج)، ولكن بعد **سقوط الأندلس**، صبغه العرب باللون الأسود تعبيرًا عن حزنهم على فقدانها، وقالوا: *لن ننزع السواد حتى تعود الأندلس.* ومنذ ذلك الوقت، بقي اللون الأسود تقليدًا دائمًا للعقال.
3. ما الفرق بين العقال والعگال؟
كلمة **العقال** هي اللفظ الشائع في الجزيرة العربية، بينما تُنطق في اللهجة العراقية **العگال**، وكلاهما يُشير إلى نفس القطعة التي تُرتدى فوق الغترة أو الكوفية لتثبيتها على الرأس.
4. ماذا يرمز العقال في الثقافة العربية؟
يرمز العقال إلى **الوقار، والهيبة، والانتماء العربي**. كما يُعتبر علامة على **الرجولة والشهامة والكرم**، وارتبط عبر التاريخ بزيّ **الشيوخ والزعماء** ورجال القبائل.
5. هل ما زال العقال جزءًا من الزي الرسمي اليوم؟
نعم، في دول الخليج العربي والعراق والأردن وسوريا، يُعتبر **العقال جزءًا من الزي الوطني الرسمي**، ويرتديه الرجال في المناسبات الرسمية واليومية، كرمزٍ للهوية العربية الأصيلة.
خاتمة: تاج العزة الذي لا يُنسى**
قصة العقال ليست مجرد حكاية من الماضي، بل **صفحة من كتاب الشرف العربي**.
فمن حبلٍ قيّد به ملكٌ مظلوم، إلى تاجٍ يرمز للكرامة والعزة، ظل العقال شاهدًا على **وحدة العرب وتاريخهم الطويل في الدفاع عن الكرامة والحق**.
إنه رمزٌ يذكّر كل من يضعه على رأسه بأن **العزة لا تُشترى، والكرامة لا تُهدى، بل تُصان بالمواقف والمروءة.** (العقال العربي – أصل العقال – قصة النعمان بن المنذر – الزي العربي التقليدي)