بر الوالدين، والعطاء الأبدى

بر الوالدين، والعطاء الأبدى

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

مرافئ الحنان: الوالدان وفلسفة العطاء الأبدي

في زحام الحياة وضجيج صراعاتها، يظل هناك ركنٌ قصيٌّ تسكنه السكينة، وتفوح منه رائحة الطمأنينة؛ ذلك الركن هو "حضن الوالدين". إن الحديث عنهما ليس مجرد سردٍ لفضلٍ عابر، بل هو محاولة لاستنطاق المعجزة البشرية التي تمنح دون مقابل، وتحب دون شروط. البر بهما هو المعيار الحقيقي لإنسانية الإنسان، وهو الجسر الذي نعبر فوقه من ضيق الأنانية إلى سعة الوفاء.

image about بر الوالدين، والعطاء الأبدى
بر الوالدين 

الأبوان: شمس الضحى وقمر الليالي

إذا تأملنا في كينونة "الأم"، سنجد أنها الكيان الذي قسّم روحه ليعطينا الحياة. هي تلك التي اختصرت معاني التضحية في سهرة ليل، أو دعوة بظهر الغيب، أو دمعة فرح لم تكن لأجلها بل لأجل نجاحٍ حققناه. إنها "المدرسة الأولى" التي لا تدرس الحروف بقدر ما تدرس الرحمة.

أما "الأب"، فهو ذلك الظل الممتد الذي يحمينا من هجير الأيام. هو الربان الذي يقود سفينة الأسرة وسط الأمواج المتلاطمة بقلبٍ يرتجف خوفاً علينا، وجبينٍ يتصبب عرقاً ليؤمن لنا سبل العيش الكريم. الأب ليس مجرد منفقٍ أو معيل، بل هو القدوة التي تنطبع ملامحها في شخصياتنا، وهو الجدار الذي نستند إليه كلما مالت بنا الدروب.

جوهر البر: ما وراء الطاعة

كثيرون يظنون أن البر هو مجرد "تنفيذ للأوامر"، لكن الحقيقة الأدبية والروحية أعمق من ذلك بكثير. البر هو "الاستباق"، أي أن تلمح حاجة والديك في أعينهما قبل أن تترجمها ألسنتهما. هو تلك الرقة في الحديث التي تجعل صوتك أدنى من صوتهما، ليس خوفاً، بل إجلالاً وهيبة.

إن أسمى صور البر تتجلى حين يبلغ الوالدان "مرحلة الضعف". هنا يُختبر المعدن الأصيل؛ فهل نردّ الجميل بصبرٍ كما صبروا على جهلنا في الصغر؟ وهل نتحمل وهنهم كما تحملوا طيشنا؟ البر الحقيقي هو أن تشعرهما بأنهما لا يزالان محور الكون في نظرك، وأن مشورتهما هي النبراس الذي يضيء حياتك، حتى وإن كنت تملك من العلم والخبرة ما يفوقهما.

أثر الوفاء في رحلة الحياة

إن بر الوالدين هو "الاستثمار" الوحيد الذي لا يعرف الخسارة. فمن الناحية النفسية، يمنح البر صاحبه شعوراً بالسلام الداخلي والرضا عن النفس، لأنه أدى أعظم الأمانات. ومن الناحية الاجتماعية، يعتبر الابن البار لبنة أساسية في بناء مجتمع متراحم؛ فالذي يقدر والديه، يقدّر قيمة الإنسانية في كل من يقابل.

وعلى الصعيد الروحي، فإن البر هو المفتاح الذهبي الذي تُفتح به أبواب البركة. فكم من عسيرٍ تيسر بدعوة صادقة من أمٍ راضية، وكم من بلاءٍ رُفع بلمسة حنان من أبٍ ممتن. إن الله جعل رضاه معلقاً برضاهما، وجعل عقوقهما من أكبر الكبائر، ليعلمنا أن الطريق إلى الخالق يمر عبر الإحسان إلى خلقه، وأولى الخلق بالإحسان هما الوالدان.

خريف العمر وواجب الوفاء

عندما تتقدم السنون، وتذبل الملامح التي كانت يوماً نضرة، يصبح للكلمة الطيبة وقع السحر في نفوس الوالدين. في هذه المرحلة، لا يحتاجون إلى المال بقدر ما يحتاجون إلى "الوقت". وقتك الذي تخصصه للجلوس معهما، للضحك معهما، لاستعادة ذكريات الماضي التي يجدون فيها هويتهم.

البر هو أن تكون لهما السمع والبصر واليد التي تعين. هو أن تمسح عن قلوبهما غبار الوحدة، وتشعرهما أن وجودهما هو العطر الذي يفوح في أرجاء المنزل. إن العبرة ليست بطول البقاء، بل بصدق العطاء ومسارعة الخطى نحو كسب ودّهما قبل أن يرحلا، فتصبح الذكرى هي الملاذ الوحيد.

الخاتمة: رسالة إلى كل ابن وابنة

إن الوالدين هما الرحمة المهداة والنعمة المسداة. فمن كان منهما حياً، فليسرع إلى تقبيل يديهما وطلب الصفح، ومن كان قد رحل منهما، فليبرهما بالدعاء والصدقة وصلة الرحم التي لا تُوصل إلا بهما.

ليكن برنا لوالدينا أسلوب حياة، لا مجرد ردة فعل. لنجعل من وجوههم قبلتنا اليومية للسلام، ومن كلماتهم دستوراً للقيم. ففي نهاية المطاف، كل جمال نصنعه في حياتهما، سيعود إلينا مضاعفاً في أبنائنا، وفي طمأنينة قلوبنا.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Mahmoud Saad تقييم 5 من 5.
المقالات

8

متابعهم

10

متابعهم

13

مقالات مشابة
-
إشعار الخصوصية
تم رصد استخدام VPN/Proxy

يبدو أنك تستخدم VPN أو Proxy. لإظهار الإعلانات ودعم تجربة التصفح الكاملة، من فضلك قم بإيقاف الـVPN/Proxy ثم أعد تحميل الصفحة.