في هذا المقال
مسرحية ماقبل الامتحان!!

في تاريخ البشرية، هناك كذبات كبرى غيّرت مجرى التاريخ، مثل حصان طروادة، أو وعود شركات الاتصالات بالإنترنت اللامحدود. لكن لا توجد كذبة دمرت الخلايا العصبية لطلاب الجامعات والمدارس مثل الجملة الأيقونية الخالدة: «والله العظيم ما فتحت كتاب.. رح احمل المادة!».
تُقال هذه الجملة عادةً قبل الامتحان بنصف ساعة. الشخص الذي يقولها يرتدي وجه البؤس، عيناه غائرتان من قلة النوم (يدّعي أنها بسبب الأرق، والواقع أنها بسبب مراجعة الملحق الثالث)، ويداه ترتجفان كأنه يواجه حبل المشنقة لا ورقة الأسئلة. أنت، كطالب طيب ومغفل، تصدقه، تشعر بالتعاطف معه، وتقول في نفسك: "الحمد لله، لست الوحيد الذي سيعيد المادة هذا الفصل، هناك شريك لي في القاع".
ثم تصدر النتائج، وتحصل أنت على 50 (رأفة من الدكتور)، بينما يحصل صاحب "ما درست شي" على 98.5%، ويخرج ليتذمر لأن الدكتور "ظلمه" في النصف علامة الباقية!
تشريح جثة "الدحيح المتخفي"
لو قمنا بتحليل جيني لسلوك هذا الكائن، سنكتشف أنه لا يكذب بالمعنى التقليدي، بل لديه معايير مختلفة للتعريف البشري بكلمة "دراسة". بالنسبة له:
إذا قرأ الفصل الأول خمس مرات فقط وليس عشرة.. فهو لم يدرس.
إذا حفظ المراجع والهوامش وأسماء دور النشر، ونَسِيَ اسم عامل المطبعة.. فهو لم يدرس.
إذا نام ساعتين كاملتين ليلة الامتحان بدلاً من غيبوبة الـ 20 دقيقة المعتادة.. فهو شخص مستهتر ومضيع للمستقبل.
بينما أنت، إذا فتحت الفهرس وقرأت العناوين الرئيسية وشعرت بالصداع ثم أغلقت الكتاب لتقوم بطهي المعكرونة.. تعتبر نفسك "أنهيت المادة وراجعتها عصف ذهني". هنا تكمن الفجوة الحضارية.
سيكولوجية الكذب الامتحانّي: لماذا يفعلون ذلك؟
علماء النفس (الذين كانوا على الأرجح من فئة "ما درست شي" في شبابهم) يرجعون هذا السلوك إلى آليات دفاع نفسية معقدة:
امتصاص عين الحسود: هناك إيمان عميق بأن ذِكر قراءة ولو صفحة واحدة قد يؤدي إلى جلطة دماغية مفاجئة، أو احتراق ورقة الامتحان بفعل قوى خارقة. لذلك، الشكوى الدائمة هي "الرداء الواقي" ضد عيون الزملاء الفاشلين.
برستيج العبقرية الفطرية: بعضهم يريد أن يثبت للمجتمع أنه يملك عقلاً خارقاً. السيناريو المثالي لديه هو: "أنا لم أفتح كتاباً، دخلت وشربت القهوة، وحللت الأسئلة المعقدة بناءً على ثقافتي العامة وذكائي الخارق الذي ورثته عن أجدادي الفينيقيين".
الوسادة الهوائية للأمان: إذا رسب (وهذا مستحيل)، سيقول: "طبيعي، أنا لم أدرس". وإذا حصل على الامتياز، سيقول: "سبحان الله، توفيق من رب العالمين!". في كلتا الحالتين، كبرياؤه في أمان
طقوس ما قبل المذبحة
المنظر برمتّه قبل الامتحان يتحول إلى سوق عكاظ للنفاق الثقافي. تجد "أبو الـ 98%" واقفاً في الزاوية، يمسك بملخصات ملونة بـ 7 ألوان فوسفورية، يقرأ بسرعة تقلب معها الصفحات وكأنه مروحة، وعندما تقترب منه وتسأله: "كيف الهمة؟"، يغلق الملخص فجأة كأنه يخبئ مخدرات، ويطلق تنهيدة تخرج من أعماق أمعائه الغليظة ويقول: "والله العظيم ضايع.. المادة ضخمة والدكتور معقد، الله يستر من الـ F".
في هذه اللحظة، أنت تصاب بشلل فكري. إذا كان هذا الكائن الفوسفوري ضائعاً، فماذا أفعل أنا الذي أظن حتى الآن أن اسم المادة هو اسم الدكتور؟!
نداء إلى الإنسانية
يا معشر "النيردات" والدحيحة والمستقبل الواعد للأمة: نحن نعلم أنكم سهرتم، ونعلم أنكم ختمتم الكتاب والدفتر، وحللتم أسئلة الدورات منذ عام 1995 وحتى اليوم. ونعلم أنكم تبكون خوفاً من الـ 99 وليس من الرسوب.
ارحموا مشاعر الكائنات الوديعة التي تدخل القاعة متوكلة على الله وعلى مخزونها من "الثقافة العامة" وثقافة "الجواب ج يبدو منطقياً ومريحاً للعين". تصالحوا مع دوافيركم الداخلية، وقولوا بثقة: "نعم درست، ونعم سأحطم الرقم القياسي"، على الأقل لكي نجهز أنفسنا نفسياً للصدمة، بدلاً من أن نموت مرتين: مرة عند رؤية الأسئلة، ومرة عند رؤية علاماتكم التي تشبه درجات حرارة الصيف في الخليج...
تابع جديد Orio Keem
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق