في هذا المقال
إعادة قراءة كتاب Hate in the Homeland لسينثيا ميلر إدريس: صناعة الكراهية وصعود اليمين المتطرف عالميًا
.
1. حين يصبح الغريب متهمًا
تبدأ أهمية كتاب «الكراهية في الوطن» للباحثة الأمريكية سينثيا ميلر إدريس، الصادر عن مطبعة جامعة برينستون عام 2020. لا تكتفي المؤلفة بتتبع الجماعات المتطرفة أو سرد جرائمها، بل تبحث في الأماكن التي تنمو فيها أفكارها قبل أن تتحول إلى مواقف سياسية أو سلوك عنيف. والسؤال الذي تضعه أمام القارئ ليس فقط: لماذا يكره بعض الناس الآخرين؟ بل أيضًا: كيف تصبح الكراهية فكرة قابلة للتداول، ثم موقفًا مقبولًا، ثم جزءًا من الثقافة اليومية؟

2. من الهامش إلى الحياة اليومية: كيف تتطبع المجتمعات مع التطرف؟
تستند الفكرة المركزية للكتاب إلى مفهوم يمكن ترجمته بـ«تطبيع التطرف»؛ أي انتقال الرسائل المتشددة من دوائر محدودة إلى فضاءات اجتماعية أوسع، بحيث لا تبدو غريبة أو مثيرة للقلق كما كانت في البداية. وتشرح ميلر إدريس أن هذا التحول لا يحدث بالضرورة عبر انضمام شخص إلى تنظيم متطرف منذ اللحظة الأولى، وإنما قد يبدأ بالتعرض المتكرر لشعارات أو صور أو روايات تقدم جماعة بعينها بوصفها تهديدًا دائمًا.

في هذه المرحلة، قد يظن المتلقي أنه يشاهد محتوى ترفيهيًا أو يشارك رأيًا سياسيًا عابرًا، بينما تتشكل تدريجيًا لديه تصورات أكثر عدائية عن المجتمع. وهنا تكمن قوة الكتاب: إنه ينقل البحث من التركيز على المتطرف المكتمل إلى دراسة المساحات التي قد تسبق التطرف المنظم. وتؤكد مراجعة أكاديمية للكتاب أن إسهامه الأساسي يتمثل في توضيح الكيفية التي يلتقي بها الشباب بالأفكار المتطرفة في حياتهم العادية، أحيانًا قبل أي انخراط جاد في جماعة متشددة. لكن هذا لا يعني أن كل من يشاهد محتوى مثيرًا للجدل سيصبح متطرفًا؛ فالتأثير يتفاوت باختلاف السياق والتجارب والعلاقات الاجتماعية.
3. الملابس والطعام والرياضة: الوجوه غير المتوقعة للكراهية
من أكثر جوانب الكتاب إثارة للاهتمام أن المؤلفة لا تحصر تجنيد اليمين المتطرف في الاجتماعات السرية والخطب السياسية، بل تتتبع حضوره في أنماط الاستهلاك والترفيه والأنشطة اليومية. تناقش، مثلًا، استخدام بعض العلامات التجارية والملابس رموزًا للهوية والانتماء، وكيف يمكن لمنتج عادي ظاهريًا أن يحمل دلالات سياسية لدى جماعات معينة. وتتناول كذلك نوادي الفنون القتالية المختلطة، حيث قد تتحول قيم مثل الانضباط والتضامن والشعور بالأخوة، وهي قيم ليست متطرفة في ذاتها، إلى مدخل لبناء روابط تستغلها بعض البيئات المتشددة.
كما تبحث في المحتوى الرقمي المرتبط بالطعام ونمط الحياة، موضحة أن الرسائل الأيديولوجية لا تحتاج دائمًا إلى خطاب سياسي مباشر حتى تصل إلى الجمهور. وتكمن الدقة هنا في التمييز بين المكان نفسه وبين الطريقة التي يُستغل بها: فارتداء قطعة ملابس أو ممارسة رياضة أو مشاهدة برنامج طبخ لا يجعل صاحبه متطرفًا. إنما القضية هي كيفية توظيف بعض هذه المساحات لتمرير تصورات إقصائية، وصناعة شعور بالتفوق أو الانتماء القائم على رفض الآخرين.
4. الإنترنت: حين تصل الدعاية إلى الإنسان بدلًا من أن يبحث عنها
في الماضي، كان الوصول إلى بعض الجماعات المتطرفة يتطلب غالبًا علاقات مباشرة أو دخول بيئات محددة. أما اليوم، فقد تتيح المنصات الرقمية وصول الرسائل المتشددة إلى المستخدم أثناء بحثه عن موضوع لا يبدو سياسيًا أصلًا. وتناقش ميلر إدريس دور غرف الدردشة والألعاب الإلكترونية ومنصات الفيديو والصور الساخرة في إتاحة فرص للتواصل والتأثير. فالمحتوى المتطرف قد يظهر في صورة مزحة أو مقطع استفزازي أو نظرية مؤامرة تقدم تفسيرًا بسيطًا لمشكلات معقدة.

وإذا تكررت الرسالة داخل مجتمع رقمي يشجعها، فقد يشعر المتلقي بأنه اكتشف حقيقة يخفيها الآخرون، وأن المجموعة التي يشاركها المحتوى تمنحه المعرفة والانتماء معًا. ومع ذلك، لا يصح اختزال المسألة في خوارزميات المنصات وحدها؛ فالتطرف عملية متعددة العوامل، تتداخل فيها العلاقات الشخصية والظروف السياسية والاجتماعية والتجارب الفردية. وتكمن أهمية طرح الكتاب في أنه يربط بين العالم الرقمي والواقع المادي، بدلًا من التعامل مع الإنترنت باعتباره فضاء منفصلًا عن المجتمع. فما يتعلمه الفرد في مجموعة افتراضية قد يؤثر في لغته ومواقفه وعلاقاته خارج الشاشة، والعكس صحيح.
5. الوطن بين الانتماء المشروع واحتكار الهوية: قراءة نقدية
يحمل عنوان الكتاب دلالة أعمق من مجرد الإشارة إلى انتشار الكراهية داخل الحدود الوطنية. ففكرة «الوطن» نفسها قد تصبح أداة للإقصاء حين تُربط بحق حصري لجماعة عرقية أو دينية أو ثقافية، ويُصوَّر الآخرون باعتبارهم غرباء مهما طالت إقامتهم أو كانت مساهمتهم في المجتمع. وتوضح المؤلفة أن الاعتزاز بالمكان والجذور العائلية ليس تطرفًا في حد ذاته؛ فالمشكلة تبدأ عندما يتحول الارتباط بالوطن إلى ادعاء امتلاك حصري له على أساس العرق أو الأصل، أو إلى إنكار حق الآخرين في الانتماء.
ومن هنا تتجاوز أهمية الكتاب الولايات المتحدة وأوروبا، رغم أن أمثلته تنطلق أساسًا من سياقات بحثية غربية، لتطرح سؤالًا يصلح لفهم مجتمعات متعددة: متى يصبح الدفاع عن الهوية وسيلة لإهانة المختلف؟ ومع ذلك، تحتاج أطروحة الكتاب إلى قراءة نقدية متأنية؛ فليس كل خطاب قومي متطرفًا، وليست كل خلافات الهجرة أو الهوية دليلًا على نزعة عنصرية. كما أن السياقات التاريخية والسياسية تختلف من بلد إلى آخر، ولا يمكن نقل تفسير واحد إليها جميعًا دون فحص. قوة الكتاب أنه يقدم عدسة لفهم آليات التطرف، لا وصفة جاهزة لتفسير كل مجتمع أو كل خلاف سياسي.
6. الخلاصة:
تترك إعادة قراءة «الكراهية في الوطن» انطباعًا مهمًا: الخطر لا يكمن فقط في الشخص الذي يعلن عداءه بصوت مرتفع، بل قد يكمن أيضًا في البيئة التي تجعل الإقصاء مقبولًا، وتحوّل السخرية من جماعة إلى عادة، والشك في حقوقها إلى رأي عادي لا يستدعي النقاش. وتنجح سينثيا ميلر إدريس في توسيع زاوية النظر إلى التطرف، إذ تجعل الثقافة اليومية والفضاءات الرقمية ومؤسسات المجتمع جزءًا من التحليل، بدلًا من حصر الاهتمام في التنظيمات العنيفة وحدها. لكن الكتاب لا يدعونا إلى الاشتباه في كل اختلاف أو إلى اعتبار كل تعبير عن الهوية علامة خطر؛ بل يدفعنا إلى فحص الرسائل التي تنزع عن الآخرين إنسانيتهم، وتصور وجودهم تهديدًا لمجرد أنهم مختلفون.
وتظل إحدى أهم نقاطه أن مواجهة التطرف تتطلب فهم الطرق التي يكتسب بها الأفكار أنصارًا، لا الاكتفاء بإدانة نتائجها بعد وقوع الضرر. أما السؤال الذي يبقى بعد إغلاق الكتاب، فهو ما إذا كان المجتمع قادرًا على حماية شعور أفراده بالانتماء من دون أن يحوله إلى امتحان قاسٍ يفرض على بعضهم إثبات أنهم يستحقون العيش فيه. عند تلك النقطة، لا تعود الكراهية قضية تخص جماعة هامشية فحسب؛ بل تصبح اختبارًا لمعنى الوطن نفسه.
المصادر والمراجع
Cynthia Miller-Idriss, Hate in the Homeland: The New Global Far Right. Princeton University Press، 2020.
https://press.princeton.edu/books/hardcover/9780691203836/hate-in-the-homeland
Katrine Fangen، مراجعة أكاديمية للكتاب، مجلة YOUNG، 2022.
https://journals.sagepub.com/doi/10.1177/11033088211041726
Western States Center، Hate in the Homeland: Reader’s Guide، دليل للفصول والمفاهيم والأسئلة النقدية.
https://www.westernstatescenter.org/hateinthehomeland
تابع جديد Alkatp
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق