في هذا المقال
نهج جديد لعلاج السرطان: تدمير الورم ميكانيكياً بدلاً من حرقه حرارياً
داخل خلايا سرطان الكبد، اختبر عالم الفيزياء المصري الدكتور أحمد الجندي وفريقه طريقة مختلفة لقتل الخلايا السرطانية، إذ استخدموا جسيمات نانوية مغناطيسية يحركها المجال المغناطيسي لتوليد قوة ميكانيكية داخل الخلية بدلاً من تسخينها.
ويُعَد ذلك أول تطبيق عملي لتقنيته الجديدة التي كرمتها الجمعية الدولية للمواد المتقدمة في السويد بمنحها مؤخراً جائزة ماري كوري لعام 2026م في مجال طب النانو لعلاج السرطان.
ولا تستخدم تلك التقنية إبرة جراحية ولا جرعة دواء ولا تسخيناً متعمداً للخلايا، فقط تقوم باستخدام جسيمات مغناطيسية ومجال مغناطيسي متناوب، والنتيجة التي أشارت إليها الدراسة المنشورة قبل أيام في دورية "ماتيريالز توداي كيمستري" (Materials Today Chemistry) هي حدوث انخفاض في حيوية خلايا سرطان الكبد بنسبة 63%.
والفرضية التي اختبرها أحمد -وهو أستاذ للفيزياء بجامعة تكساس في إل باسو- مختلفة عن الطريقة التقليدية للعلاج المغناطيسي، فبدلاً من استخدام المجال المغناطيسي لتسخين الجسيمات، استُخدم لتحريكها ميكانيكياًّ داخل الخلية، أي أنه لا يعمل في هذه الحالة مولداً للحرارة، بل كأنه محرك مجهري داخل الخلية السرطانية.
واستخدم أحمد وفريقه البحثي في الدراسة الجديدة جسيمات نانوية مصنوعة من "كربيد الحديد"، واختبروها على خلايا "هيب-جي2″، وهي نموذج مخبري يُستخدم لدراسة سرطان الكبد. وكانت الجسيمات بأحجام مختلفة، تراوحت بين 35 و154 نانومتراً، وباستخدام تقنيات التصوير وقياس الخلايا، تأكد الباحثون من أن هذه الجسيمات استطاعت دخول الخلايا.
وجاءت الخطوة الحاسمة بعد ذلك، فعند تردد بلغ 164 كيلوهرتز وشدة مجال بلغت 150 أورستد (وحدة لقياس شدة المجال المغناطيسي)، بدأت الجسيمات تستجيب للمجال المغناطيسي.
الْمَوتُ بـِ"الْاسْتِمَاتَةِ" وَ"النَّخْر":
ويقول أحمد للجزيرة نت "لم نكن نبحث عن إحداث ارتفاع كبير في درجة الحرارة، بل كان هدفنا معرفة تأثير الحركة، فالمجال المغناطيسي يولّد على الجسيمات قوى وعزوما ميكانيكية، وهذه العزوم تدفع الجسيمات إلى الدوران والحركة داخل الخلية".
ويضيف "عندما تتحرك هذه الجسيمات داخل المساحة المحدودة للخلية، يمكن للقوى والعزوم الناتجة عنها أن تُحدث اضطراباً في بنيتها".
وتشير نتائج الدراسة إلى أن هذا الاضطراب أدى إلى إحداث أضرار شديدة دفعت الخلايا السرطانية إلى الموت، إما بطريقة منظمة تُعرف بـ"الاستماتة"، أو نتيجة تلف مباشر للخلية يُعرف بـ"النخر"، أي أن الجسيمات لا تحاول قتل الخلية بتسخينها، وإنما بإحداث تأثير ميكانيكي داخلها.
وعن كيفية التأكد من أن الأضرار التي حدثت في الخلية سببها الحركة وليس الحرارة، يقول أحمد "اختبرنا قدرة الجسيمات على إنتاج الحرارة، ووجدنا أن قيم التسخين كانت منخفضة، كما لم تُظهر التجارب ارتفاعا ملحوظا في درجة الحرارة تحت الظروف المستخدمة".
ويضيف "في المقابل، أظهرت صور الخلايا اضطراباً واضحاً في الغشاء بعد تطبيق المجال المغناطيسي أثناء وجود الجسيمات داخل الخلايا، وهو ما يؤكد الفكرة التي راهنا عليها منذ سنوات، وهي القضاء على الخلايا بالقوة وليس الحرارة".
لِمَاذَا "كَرْبِيدِ الْحَدِيدْ"؟:
ولأن الفكرة تعتمد على استجابة الجسيمات للمجال المغناطيسي، كان اختيار المادة عنصراً أساسياًّ، واختار أحمد وفريقه البحثي "كربيد الحديد" بسبب خواصه المغناطيسية العالية، كما صنعوا الجسيمات بأطوار بلورية وأحجام مختلفة، لدراسة علاقتها بالسلوك المغناطيسي وقدرتها على التأثير في الخلايا.
ويوضح أحمد "هدفنا النهائي لم يكن صناعة جسيم مغناطيسي أفضل، بل معرفة كيف يمكن تحويل خواصه الفيزيائية إلى قوة داخل خلية سرطانية".
ويعمل أحمد منذ أكثر من 20 عاماً على الجسيمات النانوية المغناطيسية وتطبيقاتها الطبية، واختبر في أبحاث سابقة الفكرة على أورام أخرى، بينها سرطان البروستاتا والثدي في نماذج حيوانية.
وكانت الفكرة الأساسية هي التخلص من إحدى مشكلات العلاج المغناطيسي الحراري، وهي الحاجة إلى توليد حرارة كافية لقتل الورم.
وتدخل الجسيمات في العلاج المغناطيسي الحراري إلى الورم، ثم تُعرض لمجال مغناطيسي متناوب، فتتحول الطاقة المغناطيسية إلى حرارة، وقد ترتفع حرارة المنطقة المستهدفة إلى نحو 40-45 درجة مئوية.
ويقول أحمد "المشكلة أن الحرارة لا تعرف وحدها أي الخلايا سرطانية وأيها سليمة، ولهذا فإن النهج الجديد يغير المعادلة، وبدلا من السؤال: كيف نسخّن الورم؟، يصبح السؤال: كيف نستخدم المغناطيس لإحداث قوة في الخلية السرطانية؟".
ويضيف أن أهمية تجربة سرطان الكبد التي أُجريت في الدراسة الأخيرة أنها لا تكتفي بإظهار انخفاض حيوية الخلايا، بل تحاول أيضا الاقتراب من تفسير الآلية الفيزيائية التي تقف وراء هذا التأثير، عن طريق دراسة خصائص الجسيمات المغناطيسية، وقدر القوى والعزوم التي يمكن أن تتولد عليها تحت المجال المغناطيسي.
الطَّرِيقُ لَا يَزَالُ طَوِيلاً:
ورغم سعادته بالنتائج التي توصلت إليها دراسته، فإنه يشدد على ضرورة عدم المبالغة في تفسيرها، مشيرا إلى أن الرقم 63% المذكور في النتائج يحتاج إلى أن يوضع في سياقه، فهذه ليست نسبة نجاح لعلاج على مرضى سرطان الكبد، بل إنها نسبة انخفاض في حيية خلايا سرطانية تحت ظروف مخبرية محددة، كما أن التجربة الحالية لا تجيب بعد عن أسئلة أساسية، مثل: هل تعمل الآلية بالطريقة نفسها داخل ورم حقيقي؟ وما الجرعة المناسبة؟
ويقول "الإنجاز الحالي ليس علاجاً جاهزاً لسرطان الكبد، لكنه خطوة تجريبية في اتجاه مختلف، وهو استخدام المجال المغناطيسي لتحويل جسيمات نانوية إلى أدوات ميكانيكية دقيقة داخل الخلية السرطانية".
ويضيف "الخطوة التالية هي فهم الآلية بصورة أدق، وتحديد الجرعة ونظام التعرض، ثم اختبار السلامة والفاعلية في نماذج حيوانية أكبر، وبعدها فقط يمكن أن يبدأ السؤال الأصعب، وهو: هل تستطيع هذه القوة التي دمرت الخلايا في المختبر أن تفعل الشيء نفسه داخل جسم الإنسان؟".

عنوان المرجع العلمي للدراسة العلمية الحديثة المنشورة على موقع دورية "ماتيريالز توداي كيمستري" (Materials Today Chemistry) في عدد شهر "أكتوبر / تشرين الأول" الجاري :
"Yin-Yang-like induced mechanical torques of AMF-driven ICNPs leading cell death in HEP-G2 liver cancer"
"عَزْمٌ مِيكانيكِيٌّ مُسْتَحَثٌّ عَلَى نَمَطِ اليِين وَاليَانغ نَاتِجٌ عَن الجُسَيْمَاتِ النَّانَوِيَّةِ المِغْنَاطِيسِيَّةِ المَدْفُوعَةِ بِمَجَالٍ مِغْنَاطِيسِيٍّ مُتَرَدِّدٍ، يُؤَدِّي إِلَى مَوْتِ الخَلَايَا فِي سَرَطَانِ الكَبِدِ HEP-G2"
ملخص المرجع العلمي للدراسة العلمية الحديثة المنشورة على موقع دورية "ماتيريالز توداي كيمستري" (Materials Today Chemistry) في عدد شهر "أكتوبر / تشرين الأول" الجاري :
"Iron Carbide magnetic nanoparticles (ICNPs) are produced with tunable phase structures and sizes to target and treat HEP-G2 liver cancer cells under applied alternating magnetic field (AMF). Crystal structure measurement reveals different phases of iron carbide, including θ-Fe3C, h-Fe5C2, and o-Fe7C3 tailored by Fe:C ratios which are confirmed by TEM analysis too. Morphology measurements reveal tuning in particles nucleation revealing different sizes ranging 35-154 nm for different phase structures with narrow size distributions. Magnetic properties reveal ferromagnetic behavior with MS ranging from 93 to 130 emu/g and HC ranging from 200 to 550 Oe for all prepared samples. Hyperthermia experiments are performed for all samples dispersed in water revealing low SAR values with minimal thermal effects under clinical conditions of applied AMF. Confocal microscopy and flow cytometry confirm rapid and efficient internalization of the ICNPs in HEP-G2 cells. A considerable 63% reduction in cell viability is observed in HEP-G2 cells after implementing an AMF at a frequency of 164 kHz and an amplitude of 150 Oe. Cell viability is evaluated longitudinally on Days 1, 3, and 6 to assess longer-term treatment effects and cellular responses to single and repeated AMF exposures. The ICNPs-Driven cell death mechanisms under AMF are discussed by estimating the induced mechanical forces and opposite/complementary torques like Yin-Yang philosophy. This leads to semi-rotation of the ICNPs under AMF causing apoptosis and necrosis cell death. The results indicate a viable pathway for ICNPs to be used for AMF-Driven nanoparticle for liver cancer treatments".
"تُنتَج الجسيمات النانوية المغناطيسية من كربيد الحديد (ICNPs) ببنى طورية وأحجام قابلة للضبط، وذلك لاستهداف خلايا سرطان الكبد HEP-G2 وعلاجها تحت تأثير مجال مغناطيسي متردد مُطبَّق (AMF). ويكشف قياس البنية البلورية عن أطوار مختلفة من كربيد الحديد، من بينها θ-Fe3C وh-Fe5C2 وo-Fe7C3، مُهيَّأة بنسب Fe:C، وهو ما يؤكده تحليل المجهر الإلكتروني النافذ (TEM) أيضًا. وتكشف قياسات الشكل الظاهري عن ضبط في تنوّي الجسيمات، مما يُظهر أحجامًا مختلفة تتراوح بين 35 و154 نانومترًا لبنى طورية مختلفة، مع توزيعات ضيقة الحجم. وتُظهر الخصائص المغناطيسية سلوكًا حديديًّا مغناطيسيًّا بقيم مغنطة تشبّع (MS) تتراوح من 93 إلى 130 emu/g، وقيم قسرية (HC) تتراوح من 200 إلى 550 Oe لجميع العينات المُحضَّرة. وأُجريت تجارب فرط الحرارة لجميع العينات المشتّتة في الماء، فأظهرت قيم معدل امتصاص نوعي (SAR) منخفضة مع تأثيرات حرارية دنيا في الظروف السريرية للمجال المغناطيسي المتردد المُطبَّق. ويؤكد كلٌّ من المجهر البؤري وجهاز قياس التدفق الخلوي سرعة وكفاءة إدخال الجسيمات النانوية (ICNPs) إلى خلايا HEP-G2. وقد لوحظ انخفاض ملحوظ بنسبة 63% في حيوية الخلايا في خلايا HEP-G2 بعد تطبيق مجال مغناطيسي متردد بتردد 164 kHz وسعة 150 Oe. وتُقيَّم حيوية الخلايا طوليًّا في الأيام 1 و3 و6 لتقدير آثار العلاج على المدى الأطول والاستجابات الخلوية للتعرض للمجال المغناطيسي المتردد مرة واحدة أو مرات متكررة. وتُناقَش آليات موت الخلايا المدفوعة بالجسيمات النانوية (ICNPs) تحت تأثير المجال المغناطيسي المتردد من خلال تقدير القوى الميكانيكية المستحثة والعزوم المتعاكسة/التكاملية على نحو يشبه فلسفة اليين واليانغ. ويؤدي ذلك إلى دوران شبه كامل للجسيمات النانوية (ICNPs) تحت تأثير المجال المغناطيسي المتردد، مما يسبب موت الخلايا بالاستموات (الموت المبرمج) والتنخّر. وتشير النتائج إلى مسار قابل للتطبيق لاستخدام الجسيمات النانوية (ICNPs) كجسيمات نانوية مدفوعة بالمجال المغناطيسي المتردد لعلاجات سرطان الكبد".
مصدر التقرير الصحافي للدراسة العلمية الحديثة تجدونه في قسم العلوم والبيئة على موقع شبكة "الجزيرة. نت" الإعلامية القطرية في الرابط الأول بأسفل المنشور :
الرابط الأول بأسفل المنشور :
https://www.aljazeera.net/.../%D9%84%D8%A7-%D8%AD%D8%B1...
مصدر المرجع العلمي للدراسة العلمية الحديثة تجدونه على موقع دورية "ماتريالز توداي كيمستري" "Materials Today Chemistry" في الرابط الثاني بأسفل المنشور :
الرابط الثاني بأسفل المنشور :
https://www.sciencedirect.com/.../pii/S2468519426007172...
تابع جديد Ahmed Yasser
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق