في هذا المقال
شجرة الأركان.. الحكاية المغربية وراء الزيت الذي غزا العالم
في جنوب غرب المغرب، حيث تمتد الأراضي بين الجبال والمناطق شبه الجافة، تنمو شجرة تبدو للوهلة الأولى متواضعة، لكنها تحمل وراءها تاريخًا طويلًا من المعرفة والعادات والعمل. إنها شجرة الأركان، أو Argania spinosa، التي أصبحت اليوم مرتبطة في أذهان كثير من الناس بزيت ثمين يُستخدم في المطبخ والعناية بالبشرة والشعر.
لكن قصة الأركان لا تبدأ من قنينات مستحضرات التجميل الموجودة على رفوف المتاجر. قصتها تبدأ من الأرض، ومن المجتمعات التي عاشت إلى جانب هذه الشجرة وراكمت عبر أجيال معرفة طرق استغلال ثمارها والحفاظ على مواردها.
وقد خصصت اليونسكو لمجال الأركان في جنوب غرب المغرب محميةً للمحيط الحيوي سنة 1998، لما يتميز به هذا المجال من تنوع بيولوجي وأهمية بيئية واجتماعية.
شجرة تأقلمت مع بيئة صعبة

الأركان شجرة قادرة على التأقلم مع الظروف الجافة، وهي من الأنواع المميزة للنظام البيئي في جنوب غرب المغرب. وتوفر أشجار الأركان موارد مهمة للسكان المحليين، كما تساهم في الحفاظ على التوازن البيئي في المنطقة.
ولا تكمن قيمة الشجرة في الزيت وحده. فالأركان جزء من منظومة محلية تجمع بين الزراعة وتربية الماشية واستغلال الموارد الطبيعية، وهو ما جعلها مرتبطة بالحياة اليومية والاقتصاد المحلي في مناطق انتشارها.
معرفة تنتقل من جيل إلى جيل
خلف كل كمية من زيت الأركان التقليدي توجد سلسلة طويلة من العمليات تبدأ بجمع الثمار وتجفيفها، ثم إزالة اللب وكسر النواة واستخراج اللوز وطحنه، قبل مواصلة عملية الاستخلاص.
وتوضح اليونسكو أن هذه المعارف والمهارات تنتقل تقليديًا من خلال الممارسة والتعلم غير الرسمي، وأن النساء في المناطق القروية يؤدين دورًا أساسيًا في الحفاظ عليها ونقلها إلى الأجيال التالية.
ولم يعد هذا الجانب الثقافي مجرد تقليد محلي غير معروف خارج المنطقة؛ فقد أدرجت اليونسكو سنة 2014 الممارسات والمعارف المرتبطة بشجرة الأركان ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للإنسانية.
من ثمرة صغيرة إلى زيت ثمين
استخراج زيت الأركان بالطريقة التقليدية ليس عملية سريعة. بعد جمع الثمار وتجفيفها، تتم إزالة الغلاف الخارجي، ثم تُكسر النواة الصلبة للوصول إلى اللوز.
بعد ذلك، يُطحن اللوز ويُعجن بالطريقة التقليدية، مع إضافة الماء تدريجيًا خلال عملية الاستخلاص. وتختلف تفاصيل العمل بحسب نوع الإنتاج والطرق المتبعة.
وتعطي منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة مثالًا يوضح صعوبة العملية: قد يحتاج إنتاج نصف لتر فقط من زيت الأركان إلى نحو 50 كيلوغرامًا من الثمار.
وهذا يساعد على فهم السبب الذي يجعل زيت الأركان منتجًا ذا قيمة مرتفعة مقارنةً بالعديد من الزيوت النباتية الأخرى.
زيت للمطبخ وزيت لعالم التجميل
ليس كل زيت أركان يُستخدم بالطريقة نفسها.
الزيت المخصص للاستهلاك الغذائي يدخل في عدد من الاستعمالات داخل المطبخ المغربي، ويمكن أن يُستخدم في بعض الأطباق والوصفات التقليدية. كما يرتبط الأركان بتحضير منتجات غذائية أخرى، من بينها أملو، وهو خليط معروف في المطبخ المغربي.
أما زيت الأركان المخصص للاستعمال التجميلي، فأصبح حاضرًا في منتجات العناية بالبشرة والشعر حول العالم. وتذكر اليونسكو أن لزيت الأركان استعمالات متعددة تشمل الغذاء والتجميل، إضافة إلى استعمالات تقليدية أخرى.
النساء في قلب الحكاية
من الصعب الحديث عن الأركان من دون الحديث عن النساء اللواتي ارتبطت بهن تقاليد استخراج الزيت.
في المجتمعات المحلية، ساهمت النساء في الحفاظ على طرق العمل التقليدية ونقلها إلى بناتهن. ومع ظهور التعاونيات، أصبح إنتاج زيت الأركان أيضًا وسيلة للحصول على دخل وفرص اقتصادية للنساء في المناطق القروية.
وتشير اليونسكو إلى أن إنتاج زيت الأركان يوفر فوائد اجتماعية واقتصادية للنساء من خلال العمل والدخل، بينما ساهمت التعاونيات في ربط الإنتاج المحلي بالأسواق الوطنية والدولية.
وهكذا، لم تعد القصة مرتبطة فقط بشجرة تنمو في منطقة معينة، بل أصبحت أيضًا مرتبطة بعمل نساء استطعن تحويل معرفة موروثة إلى نشاط اقتصادي.
كيف خرج الأركان من المغرب إلى العالم؟
مع ازدياد الاهتمام العالمي بمنتجات العناية الطبيعية، بدأ زيت الأركان يحظى باهتمام متزايد خارج المغرب، خصوصًا منذ تسعينيات القرن الماضي، بحسب منظمة الأغذية والزراعة.
وأصبح الزيت يدخل في مجموعة واسعة من المنتجات، من مستحضرات العناية بالبشرة إلى منتجات الشعر، بينما حافظ الزيت الغذائي على مكانته في المطبخ المغربي.
هذا الانتشار الدولي جعل الأركان واحدًا من المنتجات المغربية التي أصبحت معروفة لدى مستهلكين في أسواق مختلفة حول العالم.
شجرة تحمي أكثر من مجرد مصدر للدخل
أهمية الأركان لا تتوقف عند الجانب الاقتصادي. فالمجال الذي تنمو فيه الأشجار يشكل نظامًا بيئيًا مهمًا، وتساهم الشجرة في دعم التنوع البيولوجي وفي مقاومة الظروف المناخية الصعبة.
وتشير اليونسكو إلى أن محمية الأركان تواجه أيضًا آثار تغير المناخ، بما في ذلك فترات طويلة من الجفاف تتبعها أحيانًا أمطار غزيرة وفيضانات.
لهذا أصبح الحفاظ على شجرة الأركان مرتبطًا أيضًا بالحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية وسبل عيش السكان المحليين.
أكثر من مجرد "ذهب سائل"
قد يكون من السهل اختصار قصة الأركان في عبارة "الذهب السائل"، لكن هذه العبارة لا تحكي القصة كاملة.
وراء الزيت توجد شجرة متأقلمة مع بيئة صعبة، ومجتمعات راكمت معرفة تقليدية عبر الأجيال، ونساء لعبن دورًا أساسيًا في الحفاظ على هذه المعرفة، ومنظومة بيئية واقتصادية ما زالت مرتبطة بالأركان.
ولهذا فإن قيمة الأركان لا تقاس فقط بسعر زجاجة الزيت. إنها تكمن أيضًا في العلاقة بين الإنسان والأرض، وفي المعرفة التي تنتقل من جيل إلى آخر، وفي قدرة منتج محلي على الوصول إلى العالم دون أن يفقد جذوره المغربية.


النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق