الرماد الناجي من نار الخذلان

الرماد الناجي من نار الخذلان

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات


الرماد الناجي

يحدث أن تخرج من النار حيًّا، لكنك تظل رمادًا تذروه أقلّ الرياح.

نعم، نجوت… لكنها نجاة زائفة.

هل يقوى الإنسان حقًّا بتجاربه المؤلمة؟

وهل حقًّا «الضربة التي لا تقتلني تقوّيني»؟

يا لها من سخرية حين تُقال في مواجهة التجربة والألم والضربة.

الحقيقة أن الإنسان، في بدايته الأولى مع المحنة، يغرق فيها؛ يغرق في معانٍ كثيرة، وتبريرات وأسئلة، ثم يكتشف لاحقًا أن معظمها لم يكن له جواب. 

وببراءته وفطرته الطفولية، يبكي بكاء القهر، وينتظر الحل، أو العدالة، أو حتى الاعتراف بما حدث له. يكاد يجنّ من عجزه عن احتمال ذلك التمزق في داخله. يصبح كل شيء ثقيلًا عليه، ويمتنع عن أداء مهامه، لا اختيارًا، بل لأنه ما زال عالقًا في صدمته الأولى؛ غاضبًا، مقهورًا، فاقد الاتزان.

فذلك الطفل الذي ظنّ أن الخذلان بعيد عنه كل البعد، ارتطم بالأرض فجأة، واكتشف أن الحياة ليست كما تخيّلها.

ويمضي باحثًا عن دواء لوجع الروح، منشغلًا بالحصول على المساعدة التي تعينه على التعافي، من دون أن يتأمل طويلًا معنى ما حدث. يتوغله الوجع، فيسعى إلى تفريغه أمام الجميع، لعلّه يخفف من حدته.
ويمضي الإنسان في الأرض حاملًا آثار ألمه. تأخذه الحياة في طرقها، وتتوالى عليه الضربات واحدة تلو الأخرى؛ فما هذه الدنيا إلا دار ابتلاء، لا تعرف عمرًا ولا وقتًا، ولا تأتي في ظرف نختاره، ولا تسير على قاعدة ثابتة. وما إن يكاد جرح أن يلتئم، حتى تأتي الأيام بما هو أشد.

وقد تُبتلى بكسر شديد يرهقك، ويستدعي كل أوجاع روحك التي قادتك إليه. لكنك هذه المرة تعتمد على الوقت؛ فأنت ذلك المجبور، المحبط، الحزين، الذي تعلّم من قبل أن المحنة ستمر، لكنها ستترك أثرًا إلى الأبد. تبتعد عنها خوفًا من عذاب المرة الأولى، وتتذكر رحلة من الآلام العميقة التي غيّرتك. صرت تحمل جرحك، وتذوب فيمن حولك، وتتجه أكثر إلى البحث عن الدواء، من دون أن تشارك أحدًا، رغم ما فيك من هروب ونزيف لا يلتئم. فأنت قادر اليوم على الخروج وحدك…

وتبدأ الحياة من جديد، وتقطع مع نفسك وعودًا ألّا تعود إلى الوجع. لقد أصبحت ناجيًا من صدمات العمر؛ تتناسى وتمضي، حتى تأتي الرياح بموج عاتٍ وابتلاء شديد.

وهنا تكتشف أنك لست ذلك الطفل الذي يصرخ من ندبته، ولا ذلك الناضج الذي علّمته الأيام كيف يتعايش مع أوجاعه؛ فأنت العبد الفقير الضعيف بين يدي الله.

هذه المرة لا تبحث عن دواء يخلّصك من الألم، ولا تنتظر شيئًا؛ فأنت على يقين بأن الوقت كفيل بذلك، ولا تركض خلف إجابة لكل ما حدث. تلجأ إلى الله، وتبقى بين يديه، وتعرف أن الله لا يكلّف نفسًا إلا وسعها.

وتصبر وتحتسب، لأنك تعلم أن هذه أيضًا ستمر، كما مرّت ماقبلها، وأن ما عليك إلا أن تتمسّك بالله، وتستشعر مقامك حيث أقامك، بيقين أنك مسخّرلما خُلقت له.

وتبدأ الحياة من جديد… image about الرماد الناجي من نار الخذلان

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
سحر ابراهيم تقييم 5 من 5.
المقالات

2

متابعهم

2

متابعهم

8

مقالات مشابة
-