كيف غيّرت السوشيال ميديا مفهوم النجاح؟ عندما أصبح الإنجاز شيئًا يجب أن يراه الآخرون

كيف غيّرت السوشيال ميديا مفهوم النجاح؟ عندما أصبح الإنجاز شيئًا يجب أن يراه الآخرون

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

كيف غيّرت السوشيال ميديا مفهوم النجاح؟ 

عندما أصبح الإنجاز شيئًا يجب أن يراه الآخرون

image about كيف غيّرت السوشيال ميديا مفهوم النجاح؟ عندما أصبح الإنجاز شيئًا يجب أن يراه الآخرون

مقدمة: عندما لم يعد النجاح يكفي… بل أصبح يجب أن يُرى

كان النجاح في الماضي يمكن أن يكون تجربة شخصية هادئة. قد يحصل الإنسان على وظيفة جيدة، أو ينجح في دراسته، أو يؤسس مشروعًا، أو يبني أسرة مستقرة، ثم يستمر في حياته دون الحاجة إلى تحويل الإنجاز إلى عرض عام.

أما اليوم، فقد دخل عنصر جديد إلى تعريف النجاح: الظهور.

لم يعد السؤال دائمًا: ماذا حققت؟

بل أصبح، بصورة مباشرة أو غير مباشرة:

كم شخصًا يعرف أنك حققت ذلك؟

هذه النقلة تبدو بسيطة، لكنها تحمل تحولًا اجتماعيًا وفلسفيًا عميقًا. فقد أصبحت المنصات الرقمية بيئات يستطيع فيها الإنسان تقديم نفسه باستمرار، وتلقي ردود فعل فورية، ومقارنة حضوره بحضور الآخرين.

وهذا لا يعني أن وسائل التواصل الاجتماعي اخترعت رغبة الإنسان في التقدير. فالحاجة إلى الاعتراف الاجتماعي قديمة قدم الجماعة البشرية نفسها. الجديد هو أن التكنولوجيا جعلت بعض أشكال الاعتراف مرئية وقابلة للقياس والتكرار.

أصبح النجاح يمكن أن يظهر في عدد المتابعين، والمشاهدات، والإعجابات، والتعليقات، والانتشار.

لكن هنا تظهر المفارقة:

هل تقيس هذه الأرقام النجاح فعلًا، أم أنها تقيس فقط قدرة النجاح على جذب الانتباه؟

التمييز بين السؤالين ضروري؛ لأن عدد المشاهدات قد يخبرنا بمدى انتشار المحتوى، لكنه لا يخبرنا بالضرورة عن معنى حياة صاحبه أو جودة إنجازه أو رضاه عنه.

ولهذا فإن دراسة مفهوم النجاح في عصر السوشيال ميديا ليست مجرد دراسة للتكنولوجيا، بل هي أيضًا دراسة لكيفية تغير نظرتنا إلى القيمة والمكانة والإنجاز والذات.


image about كيف غيّرت السوشيال ميديا مفهوم النجاح؟ عندما أصبح الإنجاز شيئًا يجب أن يراه الآخرون

المحور الأول: من النجاح الذي نعيشه إلى النجاح الذي نعرضه

لم يكن النجاح يومًا مفهومًا ثابتًا.

في بعض المجتمعات ارتبط بالثروة، وفي أخرى بالمكانة الاجتماعية، وفي أخرى بالمعرفة أو السلطة أو خدمة الجماعة. لكن المنصات الرقمية أضافت إلى هذه المعايير شيئًا جديدًا: قابلية العرض.

فالإنجاز الذي يمكن تحويله إلى صورة أو فيديو أو قصة قصيرة يصبح أكثر قابلية للتداول.

شهادة جامعية يمكن تصويرها.

ترقية مهنية يمكن الإعلان عنها.

مشروع جديد يمكن عرضه.

رحلة يمكن توثيقها.

منزل جديد يمكن تصويره.

حتى لحظات الراحة يمكن تقديمها بوصفها دليلًا على نمط حياة معين.

وهنا لا تكمن المشكلة في المشاركة ذاتها. فمن الطبيعي أن يشارك الإنسان إنجازاته مع الآخرين.

المشكلة تظهر عندما يبدأ ما يمكن عرضه في التأثير على تصورنا لما يستحق أن نعتبره نجاحًا.

هناك أعمال شديدة الأهمية لا تنتج صورة جذابة.

الأب أو الأم اللذان يقضيان سنوات في رعاية أسرتهما لا يملكان دائمًا مادة قابلة للانتشار.

الباحث الذي يقضي سنوات في قراءة وتحليل المصادر قد لا يمتلك لحظة درامية يمكن تصويرها.

الشخص الذي يعمل بهدوء على تحسين شخصيته أو علاقاته لا يستطيع اختصار هذا التحول في منشور واحد.

وهنا تظهر مشكلة ثقافية:

المنصة لا تعرض الحياة كما هي؛ بل تعيد ترتيبها وفق ما يمكن رؤيته ومشاركته والتفاعل معه.

وهذا يجعل النجاح تدريجيًا أكثر ارتباطًا بالمرئية.

فالإنجاز الذي لا يراه أحد قد يبدأ في الظهور، نفسيًا واجتماعيًا، وكأنه أقل أهمية من إنجاز يحظى بآلاف التفاعلات.

لكن المرئية ليست قيمة في حد ذاتها.

أن يعرف الناس أنك حققت شيئًا لا يجعل الإنجاز أعظم بالضرورة.

وهنا يجب أن نفرق بين:

قيمة الإنجاز، وقابلية الإنجاز للتسويق.

فقد يكون الشيء شديد القيمة ولكنه غير جذاب رقميًا، وقد يكون الشيء شديد الجاذبية رقميًا لكنه محدود القيمة خارج الشاشة.


المحور الثاني: عندما تتحول الإعجابات والمتابعون إلى مقياس للقيمة

أحد أكثر التغييرات وضوحًا في الثقافة الرقمية هو تحويل بعض أشكال التقدير الاجتماعي إلى أرقام.

عدد المتابعين.

عدد الإعجابات.

عدد المشاهدات.

عدد المشاركات.

عدد التعليقات.

هذه الأرقام تمنح الإنسان شيئًا مغريًا جدًا: إحساسًا فوريًا بالقياس.

لكن المشكلة أن ما يمكن قياسه ليس بالضرورة ما يستحق القياس.

إذا حصل منشور على مليون مشاهدة، فهذا يخبرنا أن عددًا كبيرًا من الأشخاص شاهده أو وصل إليه. لكنه لا يخبرنا وحده إن كان المحتوى عميقًا أو مفيدًا أو أن صاحبه أكثر سعادة أو نجاحًا من شخص لديه ألف متابع.

ومع ذلك، فإن طبيعة المنصات قد تجعل الإنسان يربط بين الانتباه والقيمة.

كلما زاد التفاعل، بدا الشيء أكثر أهمية.

وكلما انخفض التفاعل، قد يبدو أقل أهمية.

وهنا يمكن أن نطرح سؤالًا فلسفيًا:

هل أصبح الإنسان يطلب من الجمهور أن يخبره بقيمة ما يفعله؟

إذا كان الجواب نعم، فإن المشكلة تتجاوز السوشيال ميديا نفسها.

لأن الإنسان يصبح معتمدًا على مرآة خارجية لتعريف ذاته.

وهذه المرآة غير مستقرة.

قد ينتشر المحتوى اليوم ولا ينتشر غدًا.

قد تتغير خوارزمية المنصة.

قد يتغير اهتمام الجمهور.

قد يظهر منافس جديد.

وقد يصبح ما كان جذابًا قبل سنوات قديمًا في وقت قصير.

وبالتالي فإن بناء تقدير الذات على مؤشرات رقمية متغيرة يجعل معيار النجاح هشًا بطبيعته.

والأبحاث الحديثة لا تدعم اختزال آثار السوشيال ميديا في نتيجة واحدة. فقد وجد تحليل تلوي ومراجعة منهجية نُشرا عام 2024 أن الاستخدام المفرط لوسائل التواصل لم يُظهر ارتباطًا ذا دلالة إحصائية ببعض مؤشرات الرفاه في التحليل، بينما ارتبط الاستخدام الإشكالي ارتباطًا سلبيًا بالرفاه الذاتي والنفسي. كما كانت الدراسات شديدة التباين فيما بينها، وهو ما يوضح صعوبة استخلاص علاقة عامة بسيطة بين "كمية الاستخدام" والرفاه.

وهذا التفصيل مهم جدًا.

فليست كل دقيقة على السوشيال ميديا متساوية.

هناك فرق بين شخص يستخدم منصة للتواصل مع أصدقائه، وشخص يستخدمها بصورة قهرية للحصول على التقدير، وشخص آخر يستخدمها للعمل.

لذلك فإن السؤال العلمي الأفضل ليس:

كم ساعة تستخدم السوشيال ميديا؟

بل:

كيف تستخدمها؟ ولماذا؟ وماذا تفعل هذه الممارسة بحياتك اليومية؟


المحور الثالث: اقتصاد المقارنة… لماذا يبدو نجاح الآخرين أكبر؟

أصبح الإنسان المعاصر يعيش وسط عدد غير مسبوق من النماذج الاجتماعية.

في دقائق قليلة يمكن أن يرى عشرات الأشخاص الذين يبدون أكثر نجاحًا منه.

شخص اشترى منزلًا.

آخر بدأ شركة.

ثالث حصل على وظيفة مرموقة.

رابع سافر حول العالم.

خامس حقق دخلًا مرتفعًا.

سادس يبدو وكأنه يعيش علاقة مثالية.

المشكلة ليست في وجود هؤلاء الأشخاص.

بل في أن الشاشة تجعل نجاحاتهم حاضرة أمامنا باستمرار.

وهنا تدخل المقارنة الاجتماعية.

المقارنة مع الآخرين آلية نفسية قديمة، ويمكن أن تكون مفيدة عندما تساعدنا على التعلم وتقييم قدراتنا. لكنها قد تصبح أكثر إشكالية عندما تتحول إلى حكم شامل على الذات.

فالإنسان قد يبدأ بسؤال:

"كيف فعل ذلك؟"

ثم يتحول السؤال إلى:

"لماذا لم أفعل ذلك؟"

ثم إلى:

"ما الخطأ في حياتي؟"

ثم ربما إلى:

"أنا أقل قيمة منه."

وهنا حدث تحول خطير: انتقلنا من مقارنة نتيجتين إلى مقارنة شخصين كاملين.

لكن المقارنة الرقمية غالبًا غير متكافئة.

أنت تعرف تفاصيل حياتك الداخلية.

تعرف خوفك.

وتعرف فشلك.

وتعرف الفرص التي ضاعت منك.

وتعرف اللحظات التي شعرت فيها بأنك لا تستطيع الاستمرار.

بينما قد لا تعرف من حياة الشخص الآخر سوى النتيجة التي قرر أن يعرضها.

ولهذا فإن المقارنة قد تكون بين:

حياتك الكاملة مقابل أفضل لحظة لديه.

وهذا أحد الأسباب التي تجعل الثقافة الرقمية تحتاج إلى ما يمكن تسميته المحو الأمية الرقمية النفسية: أي القدرة على إدراك أن المحتوى الرقمي عينة منتقاة من الواقع وليس صورة إحصائية كاملة عنه.

وتؤكد الجمعية الأمريكية لعلم النفس أن تأثير وسائل التواصل ليس واحدًا لدى الجميع، وأن التجربة الرقمية تتأثر بخصائص المستخدم، وسياقه الاجتماعي، ونوع المحتوى، ووظائف المنصة وطريقة استخدامها. كما توصي بتطوير القدرة على التشكيك في مدى دقة وتمثيلية المحتوى الذي نراه وعدم التعميم بناءً على صور أو منشورات محدودة.

وهذا يعني أن رؤية شخص ناجح لا ينبغي أن تتحول تلقائيًا إلى دليل على أن حياتنا فاشلة.

قد يكون نجاحه حقيقيًا.

لكن الاستنتاج الذي نبنيه منه عن أنفسنا قد يكون غير صحيح.


المحور الرابع: عندما يتحول النجاح إلى أداء اجتماعي

هنا نصل إلى الجانب الفلسفي الأكثر عمقًا.

الإنسان لا يعيش فقط؛ بل يروي لنفسه وللآخرين قصة عن حياته.

"أنا ناجح."

"أنا مثقف."

"أنا مستقل."

"أنا شخص يعيش حياة استثنائية."

في البيئة الرقمية، أصبحت هذه السرديات قابلة للنشر والتعديل وإعادة الإنتاج باستمرار.

الصورة تصبح جزءًا من الهوية.

والمنشور يصبح جزءًا من السيرة الذاتية.

والتفاعل يصبح نوعًا من التصديق الاجتماعي.

وهنا يمكن أن يحدث انقلاب في العلاقة بين الحياة والصورة:

بدل أن تعكس الصورة حياتنا، قد تبدأ الحياة نفسها في التكيف مع الصورة التي نريد عرضها.

قد يختار الإنسان مكانًا لأنه يبدو رائعًا في الصور.

وقد يبدأ مشروعًا لأنه يحمل صورة جذابة عن النجاح.

وقد يلاحق إنجازًا لأنه قابل للنشر، لا لأنه يتوافق فعلًا مع قيمه.

وهذا يقودنا إلى سؤال فلسفي:

هل أريد النجاح نفسه، أم أريد صورة الإنسان الناجح؟

الفرق بين الاثنين هائل.

قد لا يكون الإنسان مهتمًا بالثراء بقدر اهتمامه بالأمان.

وقد لا يريد الشهرة بقدر رغبته في الاعتراف.

وقد لا يريد المنصب بقدر رغبته في الشعور بالكفاءة.

وقد لا يريد السفر نفسه بقدر رغبته في الحرية.

لكن السوشيال ميديا تختصر هذه المعاني المعقدة أحيانًا في صور ورموز.

سيارة = نجاح.

سفر = حياة جيدة.

متابعون = تأثير.

دخل مرتفع = قيمة.

جسد مثالي = انضباط.

وهنا تحدث عملية اختزال خطيرة:

الحياة متعددة الأبعاد تتحول إلى مجموعة من الرموز المرئية.

وهذا ليس مجرد سؤال نفسي، بل سؤال فلسفي حول طبيعة القيمة.

فالشيء الذي يبدو ناجحًا ليس بالضرورة شيئًا يستحق أن يكون هدفًا.

وقد يكون أعظم أشكال الحرية في العصر الرقمي أن يستطيع الإنسان أن يسأل:

هل أريد هذا فعلًا، أم أنني تعلمت أن أريده؟


المحور الخامس: كيف نستعيد تعريفنا الخاص للنجاح؟

إذا كانت السوشيال ميديا قد وسعت مجال المقارنة، فالحل ليس بالضرورة أن نتوقف عن المقارنة تمامًا.

فالمقارنة قد تكون أداة معرفية.

يمكن أن نتعلم من الآخرين.

يمكن أن نكتشف إمكانات لم نكن نعرفها.

يمكن أن يحفزنا نجاح شخص آخر.

لكن ينبغي تغيير وظيفة المقارنة.

بدل:

لماذا أنا أقل منه؟

يمكن أن نسأل:

ماذا يكشف نجاحه عن شيء أريده أنا؟

وبدل:

لماذا حياتي متأخرة؟

نسأل:

ما المعيار الذي أستخدمه للحكم على تقدمي؟

ثم ننتقل إلى مقارنة أكثر عدلًا:

أنا اليوم مقابل أنا بالأمس.

ماذا تعلمت؟

ما الذي أصبحت أكثر قدرة على فعله؟

ما المشكلة التي أصبحت أتعامل معها بصورة أفضل؟

ما العلاقة التي أصبحت أكثر نضجًا؟

ما المهارة التي بنيتها؟

ما الشيء الذي أصبح أقل أهمية بالنسبة إليّ؟

هذه الأسئلة لا تمنحنا أرقامًا جذابة، لكنها قد تمنحنا شيئًا أكثر أهمية: إحساسًا واقعيًا بالاتجاه.

ومن منظور فلسفي، يمكن القول إن المشكلة الأساسية ليست أن الآخرين يملكون تعريفًا للنجاح، بل أننا قد نسمح لهم بتحديد تعريفنا نحن.

فإذا كان النجاح يعني لك المال فقط، فستجد دائمًا من يملك أكثر.

وإذا كان يعني الشهرة، فهناك دائمًا شخص أكثر شهرة.

وإذا كان يعني الجمال، فسوف تجد دائمًا معيارًا جديدًا.

وإذا كان يعني عدد المتابعين، فلن يكون هناك رقم نهائي.

لذلك يحتاج الإنسان إلى تعريف داخلي أكثر تعقيدًا للنجاح.

قد يشمل الإنجاز، لكنه لا يختزل فيه.

وقد يشمل الاستقلال المالي، لكنه لا يساوي الحياة كلها بالمال.

وقد يشمل المكانة، لكنه لا يجعل المكانة معيار القيمة الإنسانية.

وقد يشمل السعادة، لكنه لا يفترض أن الحياة الجيدة خالية من الألم أو الفشل.

وهنا يصبح النجاح أقرب إلى الاتساق بين ما نفعله وما نراه جديرًا بالحياة.

وهذا لا يعني الانعزال عن المجتمع أو رفض التقدير الاجتماعي.

بل يعني ألا يصبح التقدير الخارجي هو الحكم النهائي.

وتشير APA، خصوصًا في سياق المراهقين، إلى أن الاستخدام ليس ضارًا أو نافعًا بطبيعته، وأن النتائج تتأثر بالسياق والمحتوى والخصائص الفردية. كما تشدد على أهمية الثقافة الرقمية والقدرة على فهم طبيعة المحتوى، وتوصي بالحد من المقارنات المرتبطة بالمظهر لدى المراهقين، خصوصًا عندما ترتبط بنتائج سلبية في صورة الجسد أو بعض المؤشرات النفسية.

ومن هنا يمكن أن يكون السؤال الأكثر نضجًا:

ليس: كيف أصبح أكثر نجاحًا في نظر الآخرين؟

بل:

كيف أبني حياة أستطيع احترامها حتى عندما لا ينظر إليها أحد؟


الخاتمة: ربما لا نحتاج إلى نجاح أكبر… بل إلى تعريف أكثر صدقًا للنجاح

غيّرت السوشيال ميديا علاقتنا بالنجاح لأنها جعلته أكثر ظهورًا، وأكثر قابلية للقياس، وأكثر تعرضًا للمقارنة.

لكنها لم تخترع رغبتنا في الإنجاز أو الاعتراف.

لقد أعادت تنظيمها داخل بيئة جديدة: بيئة يمكن فيها تحويل الإنجاز إلى صورة، والصورة إلى تفاعل، والتفاعل إلى رقم، والرقم إلى معيار للمقارنة.

وهنا تكمن المشكلة.

فالرقم قد يخبرنا كم شخصًا شاهد المحتوى، لكنه لا يستطيع أن يخبرنا إن كانت حياة صاحبه ذات معنى.

وعدد المتابعين قد يقيس الوصول، لكنه لا يقيس الحكمة.

والشهرة قد تقيس الانتباه، لكنها لا تقيس بالضرورة الرضا.

والمال قد يمنح إمكانات واسعة، لكنه لا يقدم وحده تعريفًا مكتملًا للحياة الجيدة.

ولهذا ربما نحتاج في عصر السوشيال ميديا إلى إعادة اكتشاف فكرة بسيطة لكنها عميقة:

ليس كل ما يراه الناس نجاحًا هو بالضرورة النجاح الذي نحتاجه نحن.

قد يكون النجاح أن تبني مشروعًا ضخمًا.

وقد يكون أن تنجح في بناء حياة هادئة.

قد يكون أن تصبح مشهورًا.

وقد يكون أن تصبح أكثر معرفة.

قد يكون أن تكسب المزيد.

وقد يكون أن تتحرر من الحاجة إلى المزيد.

وقد يكون النجاح أن تصل إلى مكان لم تصل إليه من قبل.

وقد يكون، في بعض مراحل الحياة، أن تتوقف عن الركض خلف مكان لم تعد ترغب فيه أصلًا.

لذلك، قبل أن تقارن نفسك بشخص يظهر على الشاشة، اسأل:

هل أريد حياته فعلًا، أم أريد الرمز الذي تمثله حياته بالنسبة إليّ؟

وقبل أن تقيس نجاحك بعدد الإعجابات، اسأل:

لو اختفت كل الأرقام غدًا، فما الإنجاز الذي سيظل مهمًا بالنسبة إليّ؟

ربما يكون هذا السؤال أكثر أهمية من كل مؤشرات النجاح الرقمية.

فالحياة ليست منصة عرض.

والإنسان ليس حسابًا.

والقيمة ليست رقمًا.

والنجاح الحقيقي قد يكون، في النهاية، أن تعيش حياة لا تحتاج إلى جمهور حتى تشعر بأنها تستحق أن تُعاش.

ملاحظة علمية وحدود المقال

هذا المقال ذو طبيعة ثقافية وفلسفية وتثقيفية عامة، وليس دراسة أكاديمية متخصصة، ولا يمثل تشخيصًا نفسيًا أو تقييمًا لحالة فردية، ولا يقدم علاجًا أو جرعات دوائية أو توجيهًا طبيًا شخصيًا.

كما أن الأبحاث المتعلقة بوسائل التواصل الاجتماعي والرفاه النفسي لا تسمح بتقرير سببي بسيط من نوع: "السوشيال ميديا تسبب التعاسة" لدى جميع المستخدمين. فالأدلة تختلف بحسب نوع الاستخدام، والمحتوى، والعمر، والخصائص الفردية، والسياق الاجتماعي. وتشير APA صراحة إلى أن آثار وسائل التواصل تعتمد على تفاعل هذه العوامل، وأن كثيرًا من الدراسات المتاحة لا تسمح بإثبات السببية بصورة حاسمة.

أما نتائج الدراسات المذكورة في المقال، فهي نتائج على مستوى مجموعات أو عينات بحثية، ولا يجوز استخدامها بمفردها للحكم على الحالة النفسية لشخص بعينه.

مصادر موثوقة قابلة للتحقق

American Psychological Association (APA). Health Advisory on Social Media Use in Adolescence (2023). يقدم مراجعة قائمة على علم النفس للأضرار والفوائد المحتملة، مع التأكيد على اختلاف التأثيرات باختلاف المستخدم والسياق والمحتوى.

Ansari, S., Iqbal, N., Asif, R., Hashim, M., Farooqi, S. R., & Alimoradi, Z. (2024). Social Media Use and Well-Being: A Systematic Review and Meta-Analysis. Cyberpsychology, Behavior, and Social Networking, 27(10), 704–719. شملت المراجعة 51 دراسة وعينة إجمالية بلغت 680,506 أفراد، ووجدت اختلافًا مهمًا بين الاستخدام المفرط والاستخدام الإشكالي وعلاقتهما بمؤشرات الرفاه.

American Academy of Pediatrics. Benefits and Costs of Social Media in Adolescence. يناقش آليات نفسية مثل المقارنة الاجتماعية والإفصاح عن الذات وإدارة الانطباع، ويعرض كيف يمكن أن تكون آثارها إيجابية أو سلبية بحسب السياق.

U.S. Department of Health and Human Services – Office of the Surgeon General. Social Media and Youth Mental Health. يعرض الموارد والتوصيات العلمية المتعلقة باستخدام وسائل التواصل وتأثيراتها المحتملة على الشباب.

هذه المصادر مناسبة للتحقق من الأساس العلمي العام للمقال، بينما تبقى التفسيرات الفلسفية والنقدية الواردة فيه قراءة تحليلية وليست نتائج تجريبية بحد ذاتها.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Mohamed Samir تقييم 4.98 من 5. المستخدم أخفى الأرباح
المقالات

86

متابعهم

1407

متابعهم

2559

مقالات مشابة
-