أنا وبوذي وجها لوجه

أنا وبوذي وجها لوجه

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات


 

رجل صيني في مصر يكتشف الإسلام، ويتركني أمام سؤال العمل والتراجع والتخطيط

 

لم أكن أتوقع أن يقودني حديث عابر مع رجل صيني بوذي الديانة يعمل في مصر إلى التفكير طويلًا في الإسلام والعمل ومصر.


كان يعمل مندوبًا دائمًا لشركة صيانة، ولذلك عرف من مصر جانبًا لا يعرفه السائح العابر. يدخل المؤسسات، يتعامل مع الموظفين والفنيين، ينتظر إنجاز الأعمال، ويرى تفاصيل الحياة اليومية بعيدًا عن الصورة السياحية المعتادة.image about أنا وبوذي وجها لوجه

ومع ذلك، كان حديثه عن مصر يحمل إعجابًا لافتًا.
أحب المصريين لروحهم المرحة، وأعجب بقدرتهم على صناعة الألفة مع الغريب. تحدث بإعجاب عن المساجد والمعالم الإسلامية، وسأل عن بعض العادات والتقاليد، ثم أخذ يتحدث عن تاريخ مصر كأن التاريخ نفسه كان أحد أسباب تعلقه بها.
استوقفتني تلك النظرة.


رجل صيني جاء إلى مصر للعمل، ثم وجد نفسه مأخوذًا بحضارة إسلامية لا ينتمي إليها دينيًا. لم يكن يتحدث عن الإسلام باعتباره فكرة بعيدة، وإنما كان يراه في المسجد، وفي العمارة، وفي العادات، وفي التاريخ الذي ترك أثره في المدينة والناس.


1-الحديث إلى العمل.

كان لديه تحفظات على ضعف الجدية في بعض الأعمال، وعلى البطء، وعلى غياب الدقة في بعض المواقف المهنية، وعلى ضعف الاهتمام بالتطور والتدريب. لم يعمم حكمه على المصريين، ولم يكن حديثه عدائيًا، لكنه كان يصف ما رآه بعين رجل يقارن بين بيئتين مهنيتين مختلفتين.


ظل هذا السؤال واحد يلح عليّ:
كيف يمكن لبلد نشأ في قلب حضارة إسلامية جعلت العمل أمانة، والعلم قيمة، وعمارة الأرض مسؤولية، أن يسمح في بعض جوانب حياته الحديثة بتراجع الجدية والتخطيط والإتقان.


إنه سؤال عن التاريخ والسياسة والتعليم والإدارة والاقتصاد.image about أنا وبوذي وجها لوجه

لكن الإسلام لم يجعل العمل هامشًا في حياة الإنسان

الإسلام لا يقدم العمل بوصفه نشاطًا اقتصاديًا منفصلًا عن الأخلاق. القرآن يضع العمل في قلب المسؤولية الإنسانية: «وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون».


ثم تأتي قيمة الإتقان في الحديث النبوي المشهور: إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه، وهو حديث حسنه عدد من أهل العلم، ويستشهد به في باب الإحسان في العمل.


2-حين انفصلت القيم عن المؤسسات


ليس كل ما يقوله التراث حاضرًا بالضرورة في المؤسسات.
قد يعرف الإنسان أن الأمانة فضيلة، ثم يعمل في مؤسسة لا تحاسب على الإهمال. وقد يعرف أن الوقت مسؤولية، ثم يجد نظامًا إداريًا لا يحترم المواعيد. وقد يؤمن بأن العلم أساس القوة، ثم يعيش في بيئة لا تمنح التعليم والتدريب المكانة التي يستحقانها.

شهدت مصر تحولات سياسية عميقة منذ القرن التاسع عشر، ثم الاحتلال البريطاني، ثم بناء الدولة المركزية الحديثة، ثم ثورة يوليو وما صاحبها من توسع كبير في القطاع العام، ثم التحولات الاقتصادية اللاحقة وسياسات الانفتاح والإصلاح الاقتصادي.

3-علاقة الإنسان بالدولة والعمل

عندما تصبح الدولة صاحب العمل الأكبر، يتغير معنى الوظيفة. وعندما تنفصل الترقية عن الكفاءة في بعض المؤسسات، تتراجع قيمة المنافسة المهنية. وعندما يطول بقاء الموظف في موقعه دون تدريب حقيقي أو تقييم واضح، يصبح العمل مع الوقت عادة إدارية أكثر منه مجالًا للتطور.
لا يعني ذلك أن التاريخ يبرر التقصير.

 

4-من ضعف اليد العاملة إلى ضعف الاستثمار في الإنسان


عبارة «ضعف الأيدي العاملة» تحتاج إلى حذر.
قد تكون اليد قوية، لكن التدريب ضعيف.
وقد يكون العامل موهوبًا، لكن أدواته قديمة.
وقد يكون الشاب ذكيًا، لكنه دخل سوق العمل دون تعليم مهني مناسب.
وقد تكون لديه الرغبة في التطور، ثم يجد أن المؤسسة لا تستثمر فيه.
هنا يتحول الإنسان من مورد قابل للنمو إلى طاقة مستهلكة.

وهذا يمس جوهر ما جاء به الإسلام من تقدير للعلم والسعي. فالقرآن يرفع من شأن المعرفة: «قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون». والعلم في الحضارة الإسلامية لم يكن محصورًا في العبادة بمعناها الضيق، وإنما شمل الطب والفلك والهندسة والرياضيات والزراعة والصناعة وغيرها.
لم تكن بغداد والقاهرة ودمشق وقرطبة مراكز علم لأن المجتمع كان يكره العمل.


لهذا لا أريد أن أضع كلامه في خانة «الصيني أفضل من المصري». هذه مقارنة ساذجة.
ما يهمني هو السؤال الذي أثاره.
كيف نعيد إلى العمل المصري شيئًا من روح الإتقان التي نقرأ عنها في تاريخنا
كيف نجعل الشاب يرى التطور امتدادًا طبيعيًا لحياته.

كيف تصبح المهنة مصدر احترام اجتماعي
كيف يشعر العامل أن التدريب استثمار في مستقبله، لا عقوبة
كيف نعيد بناء العلاقة بين الكفاءة والمكافأة
هذه أسئلة سياسية بقدر ما هي اجتماعية


وختاما

فإني كنت أرى في حديثه فرصة لأتأمل شيئًا آخر: الفارق بين دين يحمل قيمًا عالية، ومجتمع قد لا ينجح دائمًا في تحويل تلك القيم إلى مؤسسات وسلوك يومي.
وهذه المسافة ليست مشكلة الإسلام.
إنها مشكلة الإنسان.

ربما كان الرجل الصيني قد جاء إلى مصر ليصلح أجهزة، لكنه أصلح في ذاكرتي سؤالًا لم أكن أراه

 

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
Alkatp تقييم 5 من 5.
المقالات

13

متابعهم

11

متابعهم

28

مقالات مشابة
-