العدس تحت المجهر: فوائده الحقيقية وأضرار الإفراط فيه — ماذا يقول العلم؟
العدس تحت المجهر: فوائده الحقيقية وأضرار الإفراط فيه — ماذا يقول العلم؟
العدس من البقوليات التي تجمع بين البروتين النباتي والألياف ومجموعة من الفيتامينات والمعادن، ولذلك يُعد جزءًا مهمًا من العديد من الأنظمة الغذائية حول العالم. لكن قيمته الغذائية لا تتوقف عند العناصر الموجودة في جدول التغذية؛ فطريقة هضمه، ومحتواه من النشا المقاوم والمركبات النباتية، وطريقة تحضيره كلها عوامل تؤثر في خصائصه الغذائية.
في هذا المقال نستعرض ما نعرفه علميًا عن العدس، مع التمييز بين النتائج التي تدعمها الدراسات البشرية والنتائج التي ما زالت بحاجة إلى مزيد من البحث.
ماذا يحتوي العدس؟
يتميز العدس باحتوائه على البروتين والألياف والفولات والحديد والبوتاسيوم والمنغنيز. وتذكر كلية الصحة العامة بجامعة هارفارد أن كوبًا من العدس المطهو يوفر نحو 18 غرامًا من البروتين و15 غرامًا من الألياف، مع انخفاض شديد في الدهون المشبعة.
وهذه التركيبة مهمة لأن العدس لا يوفر عنصرًا غذائيًا واحدًا فقط؛ فالبروتين يساعد في بناء وتجديد الأنسجة، بينما تؤثر الألياف في الهضم والشبع وسرعة امتصاص بعض الكربوهيدرات.
الألياف ليست مجرد مادة تساعد على الهضم
يحتوي العدس على ألياف قابلة وغير قابلة للذوبان، إضافة إلى كربوهيدرات لا تُهضم بالكامل في الأمعاء الدقيقة.
بعض هذه المكونات يصل إلى القولون، حيث تستخدمه البكتيريا الموجودة في الأمعاء في عمليات التخمير. ومن بين المركبات الناتجة عن هذه العمليات أحماض دهنية قصيرة السلسلة مثل البيوتيرات، وهي من المركبات التي تحظى باهتمام الباحثين بسبب دورها المحتمل في صحة القولون.
لكن الجانب الآخر من هذه العملية هو إنتاج الغازات؛ فالكربوهيدرات غير القابلة للهضم مثل بعض السكريات قليلة التعدد يمكن أن تتخمر بواسطة بكتيريا الأمعاء، ولذلك قد يسبب تناول كميات كبيرة من البقوليات الانتفاخ أو المغص لدى بعض الأشخاص.
لماذا لا يرفع العدس سكر الدم بالطريقة نفسها التي تفعلها بعض النشويات؟
العدس يحتوي على ألياف ونشا مقاوم، وهما من العوامل التي تساهم في إبطاء هضم وامتصاص الكربوهيدرات.
وتشير مراجعة للدراسات التي تناولت تأثير العدس تحديدًا إلى أن تناول العدس يؤدي بصورة متكررة إلى استجابة أقل لسكر الدم والإنسولين بعد الوجبة مقارنة ببعض الأطعمة النشوية الضابطة. ومع ذلك، فإن مقدار التأثير يعتمد على كمية العدس وتركيب الوجبة، ولا يعني ذلك أن العدس علاج لمرض السكري.
كما أن الأدلة على البقوليات عمومًا فيما يتعلق بالوقاية من السكري أو خفض سكر الدم على المدى الطويل ليست متطابقة تمامًا، لذلك من الأفضل عدم تحويل هذه النتائج إلى وعود علاجية.
ماذا عن القلب والكوليسترول؟
هناك عدة خصائص في العدس والبقوليات تجعلها موضع اهتمام في أبحاث صحة القلب: الألياف، والفولات، والبوتاسيوم، وبعض المركبات النباتية، بالإضافة إلى انخفاض الدهون المشبعة في صورتها الطبيعية.
وفي الدراسات التي تناولت البقوليات ككل، وجدت تحليلات لتجارب سريرية انخفاضًا في الكوليسترول الكلي وLDL لدى المشاركين الذين تناولوا البقوليات. لكن هذه النتائج تخص مجموعة البقوليات ولا تعني أن العدس وحده يمنع أمراض القلب.
وهنا تظهر أهمية الدقة: وجود علاقة بين نمط غذائي غني بالبقوليات وتحسن بعض مؤشرات صحة القلب لا يساوي إثبات أن تناول طبق معين من العدس سيمنع مرضًا بعينه.
الحديد موجود في العدس، لكن امتصاصه قصة أخرى
العدس مصدر نباتي للحديد، إلا أن الحديد النباتي يختلف من ناحية الامتصاص عن الحديد الهيمي الموجود في الأطعمة الحيوانية.
وتحتوي البقوليات أيضًا على حمض الفيتيك، الذي يمكنه الارتباط ببعض المعادن والتأثير في مدى توافرها للامتصاص. وقد أظهرت دراسات على البقوليات أن توافر المعادن يختلف حسب نوع البقوليات وتركيبها وطريقة معالجتها.
لذلك لا يصح النظر إلى الرقم الموجود بجانب "الحديد" في جدول التغذية باعتباره كمية سيمتصها الجسم بالكامل.
الفولات: عنصر مهم في عمليات الخلية
العدس مصدر جيد للفولات، وهو فيتامين يدخل في عمليات حيوية مثل تصنيع الـDNA وانقسام الخلايا وتكوين خلايا الدم.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل البقوليات أطعمة مفيدة من الناحية الغذائية، خصوصًا عندما تكون جزءًا من نظام متنوع يوفر مصادر مختلفة من الفيتامينات والمعادن.
المركبات النباتية: العدس أكثر تعقيدًا مما يبدو
لا يتكون العدس من البروتين والكربوهيدرات والفيتامينات فقط. فهو يحتوي أيضًا على مركبات نباتية نشطة مثل البوليفينولات والصابونينات والفيتوستيرولات.
توجد أبحاث مخبرية وحيوانية ودراسات مراجعة تشير إلى أن بعض هذه المركبات يمتلك خصائص مضادة للأكسدة وتأثيرات بيولوجية أخرى. لكن وجود نشاط في المختبر لا يعني تلقائيًا أن تناول العدس سيؤدي إلى النتيجة نفسها في جسم الإنسان؛ لذلك تحتاج كثير من هذه الادعاءات إلى دراسات بشرية أقوى.
هل يحتوي العدس على "مضادات تغذية"؟
نعم، وهذه من أكثر النقاط التي يساء فهمها.
يحتوي العدس وغيره من البقوليات على مركبات مثل الفيتات والتانينات ومثبطات بعض الإنزيمات. ويمكن لبعض هذه المركبات أن يقلل من توافر بعض المعادن أو يؤثر في هضم بعض مكونات الطعام.
لكن وصفها بأنها "مضادات تغذية" لا يعني أنها سموم، ولا يعني أن تناول العدس ضار. فهذه المركبات جزء طبيعي من تركيب النبات، وبعضها نفسه يدرس بسبب خصائصه البيولوجية المحتملة.
ماذا يحدث عند النقع والطهي؟
طريقة التحضير يمكن أن تغير تركيب البقوليات.
أظهرت دراسة شملت العدس وعدة أنواع أخرى من البقوليات أن النقع والطهي يمكن أن يقللا مستويات بعض المركبات المضادة للتغذية، وكان الطهي أكثر فعالية من النقع وحده في خفض عدد من هذه المركبات. كما وجدت دراسة أخرى أن النقع والطهي يمكن أن يغيرا مستويات بعض السكريات قليلة التعدد المرتبطة بظاهرة الغازات.
وهذا يفسر جزئيًا لماذا تختلف قابلية هضم البقوليات قبل المعالجة وبعد الطهي.
لماذا يسبب العدس الغازات لدى بعض الناس؟
السبب ليس أن العدس "سيئ للمعدة"، وإنما أن جزءًا من الكربوهيدرات الموجودة فيه لا يُهضم بالكامل في الأمعاء الدقيقة.
عندما تصل هذه المركبات إلى القولون، تقوم البكتيريا بتخميرها، وينتج عن ذلك غازات. وتختلف شدة هذه المشكلة من شخص إلى آخر، كما قد تقل عند الاعتياد التدريجي على تناول الألياف والبقوليات.
كما أن العدس غير المطهو جيدًا قد يكون أصعب في الهضم، وقد يسبب اضطرابًا بالمعدة.
هل الإفراط في تناول العدس مضر؟
العدس غذاء مفيد، لكن هذا لا يعني أن زيادة الكمية بلا حدود تعني فائدة أكبر.
تناول كميات كبيرة جدًا قد يزيد من الألياف والكربوهيدرات القابلة للتخمر التي تصل إلى القولون، وبالتالي قد يؤدي لدى بعض الأشخاص إلى الانتفاخ والغازات والتقلصات.
كما أن الاعتماد على العدس بكميات كبيرة على حساب بقية مجموعات الطعام قد يقلل تنوع النظام الغذائي. الفكرة الأساسية ليست الحصول على أكبر كمية ممكنة من طعام واحد، وإنما بناء نظام غذائي متنوع.
كيف نجعل وجبة العدس أكثر توازنًا؟
يمكن تناول العدس ضمن وجبة تحتوي على مجموعة متنوعة من الأطعمة، بدل الاعتماد عليه كمصدر وحيد للعناصر الغذائية.
وإذا كان الهدف الاستفادة من الحديد الموجود في المصادر النباتية، فإن الجمع بين مصادر الحديد النباتية وأطعمة غنية بفيتامين C يمكن أن يساعد على تحسين امتصاص الحديد غير الهيمي.
أما العدس المعلب، فمن المفيد الانتباه إلى كمية الصوديوم في المنتج، ويمكن شطفه بالماء قبل استخدامه لتقليل جزء من الصوديوم.
الخلاصة
العدس غذاء كثيف العناصر الغذائية يجمع بين البروتين والألياف والفولات والحديد والبوتاسيوم ومجموعة من المركبات النباتية.
أقوى ما يميزه غذائيًا هو تركيبته المتكاملة: الألياف والنشا المقاوم قد يساهمان في إبطاء استجابة سكر الدم ودعم وظائف الأمعاء، بينما توفر البقوليات عمومًا مكونات ارتبطت بتحسن بعض مؤشرات صحة القلب. لكن هذه التأثيرات لا تجعل العدس علاجًا لأي مرض، ولا يمكن فصل أثره عن النظام الغذائي ونمط الحياة ككل.
وفي المقابل، قد يؤدي الإفراط فيه إلى مشكلات هضمية لدى بعض الأشخاص، كما أن بعض المركبات الطبيعية فيه يمكن أن تؤثر في امتصاص المعادن. وتساعد المعالجة المناسبة، خصوصًا الطهي، في تغيير مستويات عدد من هذه المركبات.
المحصلة: العدس ليس "طعامًا سحريًا"، وليس طعامًا يجب الخوف منه بسبب ما يسمى بمضادات التغذية؛ إنه غذاء غني ومفيد عندما يكون جزءًا من نظام غذائي متنوع ومتوازن.
المصادر العلمية

- Harvard T.H. Chan School of Public Health — The Nutrition Source: Lentils.
- Harvard T.H. Chan School of Public Health — Legumes and Pulses.
- PubMed — A Review of the Relationship between Lentil Serving and Acute Postprandial Blood Glucose Response.
- PubMed — Nutritional and health benefits of pulses.
- PubMed — Changes in levels of phytic acid, lectins and oxalates during soaking and cooking of Canadian pulses.
- PubMed — Soaking and cooking modify the alpha-galacto-oligosaccharide and dietary fibre content in five Mediterranean legumes.
- PubMed — Polyphenols, Saponins and Phytosterols in Lentils and Their Health Benefits.