ماذا لو كان الشر ضرورة؟
هل يمكن للخير أن يُعرَف دون وجود نقيضه؟

لو اختفى الشر من العالم غدًا…
هل سيبقى للخير نفس المعنى؟
قد يبدو السؤال غريبًا، وربما صادمًا، لكن التوقف عنده يكشف لنا حقيقة تستحق التأمل.
فنحن لا نصف النور بأنه نور إلا لأننا عرفنا الظلام.
ولا نشعر بقيمة الصحة إلا عندما نرى المرض.
ولا ندرك معنى الأمان إلا بعدما نسمع عن الخوف.
فهل ينطبق الأمر نفسه على الخير؟
ربما لا يكون وجود الشر خيرًا في حد ذاته، لكنه يجعل الخير اختيارًا له قيمة.
فلو كان الجميع صادقين بالفطرة، لما أصبح الصدق فضيلة.
ولو كان الجميع رحماء دون اختيار، لما استحق الرحيم كل هذا التقدير.
إن أجمل ما في الإنسان أنه يملك القدرة على الاختيار.
كل يوم يقف أمام طريقين.
أن يظلم أو يعدل.
أن يكره أو يسامح.
أن يخدع أو يصدق.
وهنا تظهر حقيقة الشخصية.
فالخير الحقيقي ليس غياب القدرة على الشر، بل القدرة عليه ثم رفضه.
وهذا ما يجعل المواقف الصعبة تكشف معادن البشر.
فالشدائد لا تصنع الأخلاق، لكنها تكشفها.
وعندما نرى الظلم، نزداد تمسكًا بالعدل.
وعندما نشاهد القسوة، ندرك قيمة الرحمة.
وعندما نقابل الخيانة، نفهم معنى الوفاء.
لكن علينا أن ننتبه إلى أمر مهم.
فالتأمل في وجود الشر لا يعني تبريره.
ولا يعني قبوله أو الاستسلام له.
فالشر يبقى شرًا، ويجب مقاومته بكل وسيلة مشروعة، لأن رسالتنا في الحياة ليست أن نتعايش معه، بل أن نقلل أثره، وننشر الخير مكانه.
وربما لهذا السبب، يكون الإنسان العظيم هو الذي يخرج من قلب المعاناة أكثر رحمة، لا أكثر قسوة.
ويخرج من الظلم أكثر عدلًا، لا أكثر انتقامًا.
ويخرج من الألم أكثر فهمًا للناس، لا أكثر كراهية لهم.
فهنا ينتصر الخير.
ليس لأنه اختفى الشر…
بل لأنه رفض أن يشبهه.
وربما تكمن الحكمة الأكبر في أن الخير لا يحتاج إلى جمهور حتى يكون خيرًا، ولا ينتظر مقابلًا حتى يستمر.
فقد يمر موقف صغير لا يلاحظه أحد، لكنه يغيّر حياة إنسان بالكامل.
كلمة صادقة، أو يد تمتد للمساعدة، أو عفو عند المقدرة، قد تكون أقوى من سنوات من القسوة. لذلك،
لا تجعل كثرة الشر حولك سببًا لتفقد إنسانيتك، بل اجعلها سببًا لتتمسك بها أكثر.
فالعالم لا ينقصه من يتحدث عن الخير، بل يحتاج إلى من يعيشه في أفعاله،
حتى عندما يكون ذلك هو الخيار الأصعب.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الصحيح هو: لماذا يوجد الشر؟
بل: ماذا سأفعل أنا عندما أقابله؟
هل سأضيف إلى العالم ظلمًا جديدًا؟
أم سأكون سببًا في أن يصبح هذا العالم، ولو بنسبة صغيرة، مكانًا أكثر عدلًا ورحمة؟
فالخير لا ينتصر لأنه الأقوى دائمًا…
بل لأنه يجد في كل زمن أشخاصًا يختارونه، رغم أن الطريق الآخر كان أسهل.
قد لا نستطيع أن نمنع وجود الشر في العالم... لكننا نستطيع أن نمنع وجوده في قلوبنا.
ببساطة مع دعاء ✨