في هذا المقال
"حين سرقت الشاشة منا لحظة الصمت"
كان الصمت يومًا جزءًا طبيعيًا من حياتنا. لحظات نجلس فيها دون أن يحدث شيء، ننتظر فيها الحافلة، أو نتأمل الطريق، أو نترك لأفكارنا فرصة أن تأتي وتذهب بلا مقاطعة. أما اليوم، فما إن تمر ثوانٍ قليلة من الفراغ حتى تمتد أيدينا تلقائيًا إلى الهاتف.
نفتح الشاشة دون سبب واضح، نقرأ خبرًا، نشاهد صورة، نمرر مقطعًا، ثم ننتقل إلى آخر. وبعد دقائق قد نكتشف أننا لم نكن نبحث عن شيء محدد، وإنما كنا نهرب من الصمت.
لم يدخل الهاتف حياتنا باعتباره عدوًا. جاء في البداية بوعد جميل: أن يجعل العالم أقرب، والتواصل أسهل، والوصول إلى المعرفة أسرع. وقد نجح بالفعل في ذلك. لكنه، بمرور الوقت، لم يعد مجرد وسيلة نستخدمها عند الحاجة، بل أصبح حاضرًا في معظم تفاصيل يومنا.
نستيقظ معه، وننام بجواره، ونحمله معنا إلى العمل والطعام والمواصلات وحتى اللقاءات العائلية.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية:
ماذا أخذ منا الهاتف مقابل كل ما منحه لنا؟
ربما أخذ جزءًا من قدرتنا على التركيز.
أصبح من الصعب أحيانًا أن نقرأ صفحات قليلة دون أن نمد أيدينا إلى الشاشة، أو أن نجلس مع شخص دون أن يقطع إشعار حديثنا، أو أن ننتظر في مكان ما دون أن نبحث عن شيء نفعله على الهاتف.
لكن الخسارة لا تتعلق بالوقت وحده، بل بالانتباه.
فالإنسان يمكن أن يجلس ساعة أمام شاشة، ثم لا يتذكر شيئًا مما شاهده. وفي المقابل، قد يقضي عشر دقائق مع شخص يحبه، لكنه لا يمنحه خلالها انتباهه كاملًا.
لقد جعل الهاتف العالم قريبًا، لكنه جعل حضورنا في اللحظة أكثر صعوبة.
حتى الملل، الذي كان يومًا مساحة للتفكير والتأمل، أصبح شيئًا نحاول التخلص منه سريعًا. كل لحظة فارغة لها حل جاهز: شاشة صغيرة تحمل إلينا عالمًا لا ينتهي.
لكن الإنسان يحتاج أحيانًا إلى الفراغ. يحتاج إلى أن يمشي دون أن يصور، وأن يجلس دون أن يتصفح، وأن يصمت دون أن يشعر بأن شيئًا ينقصه. ففي هذه اللحظات الهادئة قد تولد فكرة جديدة، أو نستعيد ذكرى قديمة، أو نكتشف شيئًا عن أنفسنا لم يكن للضجيج أن يسمح لنا برؤيته.
لا نحتاج إلى التخلص من الهاتف، ولا إلى إعلان الحرب على التكنولوجيا. نحتاج فقط إلى أن نستعيد حقنا في استخدامها باختيارنا، لا بدافع العادة.
أن نضع الهاتف جانبًا أثناء حديثنا مع من نحب. أن نترك بعض اللحظات تمر دون تصوير أو مشاركة. وأن نسمح لأنفسنا أحيانًا بأن نشعر بالملل، دون أن نعتبره فراغًا يجب ملؤه فورًا.
ففي عالم يتنافس فيه الجميع على انتباهنا، قد تكون قدرتنا على الصمت شكلًا من أشكال الحرية.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال: كم ساعة نقضيها أمام الهاتف؟
بل السؤال الأهم:
كم لحظة من حياتنا مرّت ونحن ننظر إلى الشاشة، بينما كانت الحياة تحدث أمام أعيننا؟
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ


النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق