إذا تعلمت الدين من الثعلب: قراءة فلسفية في مرايا الخداع وتشكيل القيم

إذا تعلمت الدين من الثعلب: قراءة فلسفية في مرايا الخداع وتشكيل القيم

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

 

 

# إذا تعلمت الدين من الثعلب: قراءة فلسفية في مرايا الخداع وتشكيل القيم

## مقدمة: في فخ الثعلب الأخلاقي

"إذا تعلمت الدين من الثعلب، فسوف تعتقد تدريجياً أن سرقة الدجاج فضيلة" - مقولة موجزة لكنها تحمل في طياتها عوالم من المعاني الفلسفية والتربوية والنفسية العميقة. إنها ليست مجرد حكمة شعبية عابرة، بل هي مرآة صادقة تعكس أخطر الإشكاليات التي تواجه الإنسان المعاصر في رحلته لفهم ذاته ومجتمعه وقيمه.

تطرح هذه المقولة سؤالاً جوهرياً حول طبيعة التوجيه الأخلاقي ومصادره، وتكشف عن الآليات الخفية التي يعمل من خلالها الفكر المنحرف على إعادة تشكيل مفاهيمنا للخير والشر، للفضيلة والرذيلة. فالثعلب هنا ليس مجرد حيوان ماكر في أدب الأطفال، بل هو رمز لكل من يتخذ من المكر والخداع والانتهازية أسلوب حياة، ويسعى لتمرير أخلاقه المشوهة على أنها حقائق مقدسة أو قيم عليا.

في هذا المقال، سنغوص في أعماق هذه المقولة، مستكشفين أبعادها المتعددة، من خلال تحليل فلسفي تربوي، وقراءة نقدية لظاهرة "التثعلب" في المجتمعات الإنسانية، مع طرح تساؤلات حول إمكانية تحرير الذات من فخ القدوات الفاسدة، وإعادة بناء المرجعيات الأخلاقية على أسس راسخة لا تتزعزع.

---

image about إذا تعلمت الدين من الثعلب: قراءة فلسفية في مرايا الخداع وتشكيل القيم

## الفصل الأول: تأملات في جوهر المقولة - قراءة دلالية وفلسفية

### 1.1 الثعلب كاستعارة أخلاقية

يأتي اختيار الثعلب في هذه المقولة محملاً بدلالات رمزية بالغة الأهمية. فالثعلب في التراث الشعبي والأدبي العالمي يمثل صورة القناص الماكر، الذكي إلى حد الخبث، القادر على التلاعب بالآخرين واستغلال سذاجتهم أو ضعفهم. لكن الثعلب في الطبيعة ليس كائناً أخلاقياً أو غير أخلاقي؛ إنه مجرد حيوان يتبع غرائزه في البقاء. المأساة تبدأ حينما يتخذ الإنسان من سلوك الثعلب نموذجاً يُحتذى، حينها يتحول المكر من غريزة بقاء إلى منهج حياة، ومن وسيلة للتعامل مع تحديات الطبيعة إلى أيديولوجيا تبرر كل أشكال الاستغلال والاحتيال.

المقولة تطرح إشكالية التلقي الأعمى: حين يتلقى الإنسان توجيهاته من مصدر لا يحمل أي مشروع أخلاقي إنساني، فإنه سيبدأ تدريجياً في تحريف ميزان القيم لديه. إنها عملية تدريجية، لا تحدث بين عشية وضحاها، بل تتم عبر تراكمات من التبريرات المنطقية التي تبدو للوهلة الأولى معقولة.

### 1.2 فكرة التدريج في المقولة

كلمة "تدريجياً" في صياغة المقولة ليست عابرة، بل هي مفتاح لفهم أخطر ما في الظاهرة. فالإنسان لا يستيقظ يوماً ليجد نفسه مقتنعاً بأن سرقة الدجاج فضيلة، بل يمر بمراحل من التدرج الأخلاقي التنازلي. يبدأ الأمر بتبرير بسيط: "الظروف اضطرتني"، ثم يتطور إلى "الكل يفعل ذلك"، ثم يصل إلى مرحلة "هذا هو الذكاء الحقيقي"، وأخيراً يستقر في قناعة راسخة بأن ما يفعله ليس فقط مقبولاً بل فضيلة تستحق الإعجاب.

هذا التدرج يكشف عن آلية نفسية معقدة تعرف في علم النفس بـ"التنافر المعرفي" (Cognitive Dissonance)، حيث يسعى الإنسان إلى تقليل التوتر النفسي الناتج عن التناقض بين سلوكه وقيمه، فيعيد تشكيل قيمه لتتلاءم مع سلوكه، بدلاً من تعديل سلوكه ليتوافق مع قيمه. ومع تكرار هذه العملية، تتحول الرذيلة إلى عادة، وتتحول العادة إلى طبيعة ثانية، وتتحول الطبيعة الثانية إلى "فطرة" جديدة يظن أنها الأصلية.

### 1.3 الدين بمعناه الواسع

من المهم التوقف عند كلمة "الدين" في المقولة، فهي لا تعني بالضرورة الدين بمعناه الإلهي أو التعبدي الضيق، بل تشير إلى المنظومة القيمية التي يعتنقها الإنسان ويسير وفقها، أي "الدين" بمعناه الاجتماعي والنفسي: ما يدين به الإنسان لنفسه ولمجتمعه، أي ما يلتزم به من مبادئ تحكم سلوكه وتوجه حياته.

عندما نقول "تعلمت الدين من الثعلب" فإننا نعني أن الإنسان اتخذ من سلوك الثعلب - المكر والخداع والانتهازية - منهجاً أخلاقياً يوجه حياته، وأصبحت هذه القيم هي مرجعيته في تمييز الخير من الشر، فتحولت عنده السرقة إلى فضيلة والمكر إلى حكمة.

---

## الفصل الثاني: البعد التربوي - كيف تتشكل القيم عبر القدوات؟

### 2.1 القدوة كأداة تشكيل للوعي

تقوم التربية الإنسانية في جوهرها على عملية التقليد والمحاكاة، وهذه هي الآلية الأساسية التي تنتقل من خلالها القيم والأخلاق من جيل إلى جيل، ومن فرد إلى آخر. الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، يتعلم من خلال مراقبة الآخرين وتقليد سلوكهم، خصوصاً أولئك الذين يرى فيهم سلطة أو نجاحاً أو إعجاباً.

الخطر الحقيقي يبدأ حين تصبح القدوة مشوهة، حين يتولى توجيه الأجيال أناس لا يحملون مشروعاً أخلاقياً سليماً، بل يسعون لتكريس مصالحهم الشخصية تحت غطاء القيم والمبادئ. هؤلاء يشبهون الثعلب الذي يعلم الدجاج كيف يصبح ثعلباً، وحينها سيكون من الطبيعي أن تتعلم الدجاجات أن سرقة الدجاج ليست فقط مباحة، بل هي قمة الذكاء والفطنة.

### 2.2 آليات تزييف الوعي

يمتلك "الثعالب البشرية" أدوات متطورة لتزييف وعي من حولهم، ومن أبرزها:

**أولاً: إعادة تعريف المصطلحات:** يقومون بقلب المفاهيم، فيسمون الكذب "ذكاء اجتماعياً"، والانتهازية "مرونة وقدرة على التكيف"، والخيانة "براغماتية واقعية"، والاستغلال "استثمار للفرص". وهكذا تصبح الألفاظ حاملة لمعانٍ جديدة تخدم أغراضهم.

**ثانياً: تسويغ الأخطاء بظروف قاهرة:** يقدمون سلوكهم المشوه على أنه استجابة ضرورية لظروف استثنائية، مما يخلق شرعية مؤقتة للسلوك المنحرف، ثم يتم تعميم هذه الشرعية لتشمل كل المواقف.

**ثالثاً: خلق حالة من الضياع الأخلاقي:** من خلال بث الشك في كل القيم والمبادئ، يصلون بالآخرين إلى حالة من الحيرة تجعلهم يتشبثون بأي نموذج يقدم لهم، حتى لو كان مشوهاً.

**رابعاً: تغليف الباطل بغطاء ديني أو أيديولوجي:** وهي أخطر الآليات، حيث يتم تقديم السلوكيات المشوهة على أنها وصايا إلهية أو مقتضيات أيديولوجية لا يمكن مناقشتها، مما يحصنها من أي نقد ويجعل الخروج عنها خروجاً عن الدين أو المبدأ ذاته.

### 2.3 دروس من تاريخ التضليل الأخلاقي

يعج التاريخ الإنساني بأمثلة صارخة على كيفية تحول المجتمعات حين تتخذ من القدوات الفاسدة مرجعيات لها. نجد في التاريخ الحديث كيف تمكنت أيديولوجيات شمولية من إعادة تشكيل قيم شعوب بأكملها، فتحول القتل والتعذيب والاضطهاد في نظر أتباعها إلى "تطهير اجتماعي"، وتحول الانتهازية والوشاية إلى "ولاء وطني". وهذا بالضبط ما تعنيه المقولة: حين يتعلم الناس "الدين" من الثعلب، يصبحون يعتقدون أن القتل والسرقة والتزوير "فضائل".

---

## الفصل الثالث: البعد الفلسفي - مأساة الإنسان المتثعلب

image about إذا تعلمت الدين من الثعلب: قراءة فلسفية في مرايا الخداع وتشكيل القيم

### 3.1 بين الغريزة والأخلاق

هنا يكمن الفارق الجوهري الذي تطرحه المقولة في أبعادها الفلسفية العميقة: الثعلب الحقيقي يسرق الدجاج لأنه ثعلب، أي لأنه يتبع غريزته في البقاء. أما الإنسان الذي يسرق باسم أنه ثعلب، فهو ليس ثعلباً في الحقيقة، لكنه يختار أن يكون كذلك، يتبنى سلوك الثعلب بعد أن أنعم الله عليه بالعقل والإرادة، وهنا تكمل المأساة.

الإنسان كائن مفطور على خصال أخلاقية فطرية، لديه القدرة على التمييز بين الخير والشر، كما لديه قدرة على الاختيار الحر. حين يتنازل الإنسان عن هذه القدرات الأخلاقية ويختار أن يقلد الثعلب، فإنه لا يخون الآخرين فقط، بل يخون نفسه وجوهره الإنساني، يخون تلك الفطرة التي جعلته خليفة في الأرض، متنزلاً عن مقامه الإنساني إلى مرتبة أدنى.

### 3.2 أخلاق الثعلب مقابل أخلاق الإنسان

هناك فرق جوهري بين السلوك الغريزي والسلوك الأخلاقي. الغريزة بريئة في الثعلب، لا تحمل أي نية خبيثة، ولا تحاول تبرير نفسها بأخلاق زائفة. الثعلب يسرق الدجاج ثم يأكله، ولا يحاول إقناع الدجاجة بأن تضحيتها من أجل بقائه هي "واجب أخلاقي" أو "فضيلة". لكن الإنسان المتثعلب يفعل ذلك: يسرق حقوق الآخرين، ثم يبني فلسفة كاملة لتبرير سرقته، ويحول ضحاياه إلى مذنبين، ويحول نفسه إلى بطل.

إنها كذبة مضاعفة: كذبة على الآخرين، وكذبة على الذات. إنه يمارس عملية مزدوجة من الخداع، محاولاً إقناع الجميع - بما فيهم نفسه - بأن ما يفعله ليس فقط صحيحاً، بل نبيل. وهنا تكمن خطورة هذه الظاهرة: إنها تخلق مجتمعاً من المنافقين الذين يبررون لأنفسهم كل الشرور بأخلاقيات مزيفة، حتى يصبح الشر في نظرهم خيراً، والقبح جميلاً.

### 3.3 هل يمكن للإنسان أن يتحرر من فخ الثعلب؟

السؤال الفلسفي الأعمق الذي تطرحه المقولة هو: كيف يمكن للإنسان أن يتحرر من تأثير الثعالب البشرية؟ هل الفطرة الأخلاقية قادرة على البقاء سليمة في بيئة موبوءة بالتثعلب الأخلاقي؟ أم أن الإنسان يصبح ابن بيئته بالضرورة، ويأخذ "دينه" من محيطه؟

فلاسفة الأخلاق قديماً وحديثاً طرحوا هذه الإشكالية بأشكال متعددة. أرسطو تحدث عن "الفضيلة" كعادة مكتسبة، وأن الإنسان يصبح فاضلاً بممارسة الفضائل حتى تصير طبيعة ثانية. وبالمثل، يصبح الإنسان شريراً بممارسة الشرور حتى تصير طبيعة ثانية أيضاً. هذا يعني أن التحرر من فخ الثعلب ممكن، لكنه يتطلب جهداً واعياً ومستمراً لإعادة بناء الذات على أسس أخلاقية سليمة.

الطريق للتحرر يبدأ بالوعي: بإدراك أن من يتعلمون منه قد يكونون ثعالب بشرية، وبقدرة نقدية على فحص المرجعيات والأفكار والمبادئ التي يتم تلقينها. الوعي النقدي هو السلاح الأول والأهم ضد التضليل الأخلاقي.

---

## الفصل الرابع: الثعالب البشرية في واقعنا المعاصر

image about إذا تعلمت الدين من الثعلب: قراءة فلسفية في مرايا الخداع وتشكيل القيم

### 4.1 الثعلب في السياسة والسلطة

من أخطر تجليات المقولة في واقعنا المعاصر هي تلك التي نراها في عالم السياسة والسلطة. فعلى مر التاريخ، برز قادة وسياسيون مارسوا أشد أنواع المكر والخداع باسم المصلحة العامة، وقدموا أنفسهم كمنقذين للشعوب بينما كانوا يسلبونها حريتها وكرامتها.

هناك نماذج من القادة الذين استخدموا المكر والخداع كأدوات للوصول إلى السلطة، فتمكنوا من إقناع الشعوب بأن التضحية بحريتها من أجل "الأمن" أو "الاستقرار" هي فضيلة، وأن التفكير النقدي أو المعارضة هما خيانة. إنهم ثعالب بشرية بأتم معنى الكلمة: يسرقون الدجاج (حقوق الشعوب وحرياتها) ويجعلون الشعب نفسه يصدق أن هذا سرقة، بل "ضرورة وطنية" و"تضحية مطلوبة".

### 4.2 الثعلب في الاقتصاد والتجارة

عالم الأعمال والتجارة لا يخلو من الثعالب البشرية الذين تحولت لديهم الأنانية والجشع إلى "أخلاقيات عمل"، والمكر والاحتيال إلى "ذكاء تجاري"، واستغلال العملاء إلى "فطنة تسويقية". هناك شركات ومؤسسات ترفع شعارات أخلاقية زائفة بينما تمارس أبشع أنواع الاستغلال، وتتخذ من القوانين الثغرات لتنفيذ مخططات غير أخلاقية باسم "المنافسة الشريفة".

الخطر أن هذه الممارسات تصبح مع الوقت معياراً، ويتحول من يمارسها من "ثعالب" إلى "نخبة ذكية" يُحتذى بها، فيتحول الجيل الجديد من رجال الأعمال إلى تقليد هذه النماذج الفاسدة، معتقدين أن هذا هو الطريق إلى النجاح. وهكذا تتكرر دورة التثعلب.

### 4.3 الثعلب في العلاقات الاجتماعية والشخصية

على مستوى العلاقات الإنسانية اليومية، نجد الثعالب البشرية في كل مكان: الصديق الذي يتلاعب بمشاعر أصدقائه ويستخدمهم لمصالحه، الشريك الذي يخون تحت غطاء "سوء الفهم"، المدير الذي يستغل موظفيه ويحرمهم حقوقهم تحت مسمى "الولاء للعمل"، الجار الذي يتعدى على حقوق جيرانه بحجة "الحاجة".

هؤلاء الثعالب الصغار يمارسون نفس آلية التبرير التي يمارسها الكبار: يزيّنون أخطاءهم، ويحولون ضحاياهم إلى مذنبين، ويجعلون من مكرهم وخداعهم "ذكاءً عاطفياً" و"براغماتية" تستحق الإعجاب. ومع مرور الوقت، تتحول هذه السلوكيات إلى ثقافة سائدة، وتصبح الأخلاق الفاضلة في نظر المجتمع هي تلك التي تخدم المصالح الشخصية بأي ثمن.

### 4.4 الثعلب في الفضاء الرقمي ووسائل التواصل الاجتماعي

عصر الرقمنة ووسائل التواصل الاجتماعي أنتج جيلاً جديداً من الثعالب البشرية، أولئك الذين يتقنون فن التلاعب بالصور والكلمات، صناعة الشخصيات الزائفة، استغلال العواطف لنشر الشائعات والأكاذيب، وتحويل مواقع التواصل إلى ساحات معارك إعلامية مبنية على الخداع والتضليل.

هناك من يبيعون الأوهام لمن يتبعونهم، يعدونهم بالثراء السريع، بالجمال الدائم، بالسعادة المضمونة، وبعد أن يأخذوا أموالهم وثقتهم، يختفون وراء حسابات وهمية، أو يظهرون بوجه جديد ليبيدوا ضحايا جدد. إنهم ثعالب عصر الرقمنة، يتعلمون من المكر الإلكتروني ما لم يتعلمه أي ثعلب في الغابة.

---

## الفصل الخامس: كيف نحمي أنفسنا من فخ الثعلب؟

image about إذا تعلمت الدين من الثعلب: قراءة فلسفية في مرايا الخداع وتشكيل القيم

### 5.1 تحصين الذات بالمرجعيات الأصيلة

الدرس الأول والأهم من هذه المقولة هو ضرورة العودة إلى المصادر الأصيلة للقيم والأخلاق، بدلاً من اتباع أهواء المستغلين. هذه المصادر تختلف باختلاف المنظومة الثقافية والدينية والفكرية لكل مجتمع، لكنها تشترك في جوهرها: أنها مبادئ كونية تقوم على العدل، والصدق، والحرية، والكرامة الإنسانية، واحترام الآخرين.

العودة إلى هذه المصادر تتطلب جهداً واعياً من البحث والتمحيص، وعدم القبول بأي فكر أو توجه لمجرد أنه صادر عن شخصية ذات سلطة أو نجاح ظاهري. الفكرة ليست فيمن يقولها، بل في مدى انسجامها مع المبادئ الأخلاقية الراسخة.

### 5.2 بناء ملكة النقد والتمييز

المقولة تحذرنا من "التعلم من الثعلب"، وهذا يستلزم أن نمتلك القدرة على تمييز الثعالب البشرية من حولنا. هذه الملكة النقدية لا تأتي بشكل عفوي، بل تحتاج إلى تدريب وتنمية، من خلال القراءة المتنوعة، والتفكير المستقل، والحوار المفتوح مع أصحاب العقول النيرة، والتعرض لتجارب حياتية متنوعة تكشف لنا وجوه البشر المختلفة.

من أدوات التمييز المهمة:
- ملاحظة الفجوة بين أقوال الشخص وأفعاله.
- فحص دوافعه الحقيقية وراء نصائحه وتوجيهاته.
- تساؤل: هل ينصحني بما ينفعني أم بما ينفعه؟
- البحث عن تجارب الآخرين معه.
- اختبار مدى ثباته على مبادئه في مواقف مختلفة.

### 5.3 تعزيز ثقافة المحاسبة الاجتماعية

الثعالب البشرية تزدهر في بيئات تغيب فيها المحاسبة، وتنتشر فيها ثقافة التبرير. لذلك، من الضروري تعزيز ثقافة المحاسبة، حيث يصبح من الطبيعي أن يسأل الإنسان نفسه والآخرين: لماذا فعلت هذا؟ هل كان أخلاقياً؟ من تأثر بفعلك؟ وهل كان بإمكانك فعله بطريقة أفضل؟

المجتمعات التي تسمح بالحديث المفتوح عن الأخطاء، وتجعل المحاسبة جزءاً من ثقافتها، هي مجتمعات تقل فيها الثعالب، وتتلاشى فيها ثقافة التبرير. المحاسبة ليست عقاباً بقدر ما هي تأديب أخلاقي، يعيد ضبط البوصلة الأخلاقية للمجتمع.

### 5.4 التربية على القيم منذ الطفولة

الوقاية خير من العلاج، وأفضل وسيلة لمواجهة ظاهرة التثعلب الأخلاقي هي التربية السليمة منذ الطفولة، على القيم الأصيلة، وتعليم الأطفال التمييز بين الصواب والخطأ، وتنمية حسهم النقدي، وتعزيز قدرتهم على مقاومة ضغوط الرفقة السيئة.

الآباء والمعلمون هم خط الدفاع الأول ضد الثعالب البشرية. من خلال نموذجهم العملي، وتعليمهم المباشر، يمكنهم بناء جيل يتمتع بمناعة أخلاقية، قادر على مقاومة تأثير الثعالب أينما وجدوا. التربية هنا ليست مجرد تلقين ونصائح، بل نموذج حي يمارس فيه الكبار ما يقولونه، ويكونون قدوة صادقة لأبنائهم.

### 5.5 العودة إلى الضمير الإنساني

في نهاية المطاف، الضمير الإنساني هو الحصن الأخير ضد فخ الثعلب. الضمير ذلك الصوت الداخلي الذي يهمس في أعماقنا بالصواب والخطأ، وهو فطري فينا، لكنه يمكن أن يصبح خاملاً أو مشوهاً نتيجة التبريرات المتكررة.

إحياء هذا الضمير يتطلب لحظات من الصفاء والصمت، من التفكر في الذات، من مراجعة الحسابات، من السؤال الصادق: هل أنا في طريقي الصحيح؟ أم أنني بدأت أتبنى أخلاق الثعلب دون أن أشعر؟ هذه المراجعات الذاتية الدورية هي الوسيلة الوحيدة لاكتشاف التثعلب الخفي في أنفسنا قبل أن يتعمق ويصبح طبيعة ثانية.

---

## الخاتمة: في انتصار الفطرة على التثعلب

لعل ما يمنحنا الأمل في مواجهة ظاهرة التثعلب الأخلاقي، هو أن الإنسان في أعماقه كائن مفطور على الخير، على الصدق، على العدل، على الإيثار، على الكرامة. هذه القيم ليست دخيلة عليه، بل هي جزء من تكوينه النفسي والروحي. كل المشكلة أن هذه الفطرة قد تتعرض للتشويه أو التغطية أو الإهمال، لكنها لا تموت أبداً.

المقولة التي بدأنا بها حديثنا: "إذا تعلمت الدين من الثعلب، فسوف تعتقد تدريجياً أن سرقة الدجاج فضيلة"، هي تحذير عميق من خطورة القدوات والمرجعيات المشوهة، لكنها أيضاً دعوة إلى اليقظة، إلى الوعي النقدي، إلى رفض التوجيه من أي مصدر لا يحمل مشروعاً أخلاقياً سليماً.

الحرية الحقيقية للإنسان ليست في فعل ما يريد، بل في اختيار ما هو خير. والإرادة الأخلاقية ليست عبئاً، بل هي التاج الذي يرفع الإنسان فوق غرائزه، ويجعله مختلفاً عن سائر المخلوقات. حين نختار أن نتعلم الدين من مصدره الأصيل، من الفطرة السليمة، من المصادر الموثوقة التي تؤكد القيم الإنسانية النبيلة، فإننا نحمي أنفسنا من فخ الثعلب، ونحافظ على جوهرنا الإنساني الأصيل.

وفي النهاية، تبقى العبرة الأعمق في أن الثعلب الحقيقي، مهما بلغ مكره، يظل ثعلباً، أما الإنسان الذي يتثعلب، فإنه يخسر أعظم ما يملك: إنسانيته. وهذا هو الدرس الفلسفي الأخير الذي تتركه المقولة في أعماقنا: أن تصبح ثعلباً ليس ذكاءً، بل هو أفدح أنواع الخسارة، خسارة النفس قبل خسارة الدجاج.

لنحذر إذن من الثعالب في كل مكان، ولكن الأهم من ذلك، لنحذر من أن يصبح الثعلب في داخلنا، في محاولاته المتكررة لتبرير الأخطاء وتزييف الحقائق. لأن أخطر ثعلب هو ذلك الذي يختبئ في أعماقنا، يهمس لنا بأن سرقة الدجاج ليست فقط مباحة، بل هي فضيلة يمارسها الأذكياء.

النجاة تبدأ بالوعي، وتستمر بالمحاسبة، وتكتمل بالعودة إلى الفطرة النقية، إلى جوهرنا الإنساني الذي لا يرضى بالظلم، ولا يبرر الخداع، ولا يسكت عن الباطل. فلتكن فطرتنا هي المرجعية الأولى والأخيرة، ولنرفض أبداً أن نتعلم من الثعلب كيف نكون بشراً.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
onymshop تقييم 5 من 5.
المقالات

7

متابعهم

5

متابعهم

1

مقالات مشابة
-