أم الدنيامصر  حين يتكلم الضمير تصمت الطائفية ويعلو صوت الحق الحر هناك بين شدّ الطائفية التي تمزق الخرائط، وجذب السياسة

 

image about مصر حين يتكلم الضمير
حاملي القرآن

 

 التي تغير الولاءات، يظل الشعب المصري واقفاً كالنيل، لا يغيره مجرى ولا تلوثه ضفة، محافظاً على جوهره، على هويته التي صقلتها آلاف السنين، وعلى انتمائه الذي لا يساوم، وعلى قضاياه الدينية التي تسكن وجدانه لا كشعار عابر بل كعقيدة راسخة.قد تتبدل العواصم وتتقلب التحالفات وتعلو أصوات الفرقة هنا وهناك، لكنك حين تنظر إلى مصر ترى ثباتاً عجيباً، ترى شعباً رفض أن يكون رقماً في سجل الطوائف، ورفض أن تختزل روحه في قالب مذهبي ضيق،

 بل اختار أن يكون ضمير أمة بأكملها.ولقد شهدنا ذلك في الاحداث  الأخيرة، حين توالت الاعتداءات الإسرائيلية على دول إسلامية عديدة، فانقسمت المنابر وترددت الأقلام وحسبت بعض الشعوب مواقفها بميزان الطائفة لا بميزان الحق، أما المصريون فقد كتبوا فصلاً آخر. لم يسألوا هل هذا البلد سني أم شيعي، هل هو على وفاق سياسي معنا أم خصومة، بل نظروا إلى الجرح فاعتبروه جرحهم، وإلى الدم فاعتبروه دمهم، فأزاحوا بوعيهم غبار الطائفية الذي جاء من خلف الحدود و  أثقل صدر الأمة لعقود، ولمّوا شملها بكلمة حرة وجامعة. والعجيب في القلم المصري أنه لا يشبه غيره.

 اقرأ مقالاً لكاتب مصري، أياً كان انتماؤه الفكري أو مذهبه الديني أو توجهه الاجتماعي، مسلماً كان أو مسيحياً، أزهرياً أو مدنياً، ستجد فيه نبرة واحدة لا تخطئها، هي نبرة الإسلام الحقيقي، إسلام العدل الذي لا يجور، والرحمة التي لا تفرق، والكرامة التي لا تقبل الانكسار. تجد الروح تفيض من بين الحروف، كأن الكاتب لا يكتب بحبر القلم بل بنبض القلب.

هذا الثبات لم يأت من فراغ، بل من تاريخ طويل من التعايش علمه الأزهر في أروقته، وغرسه النيل في ضفافه، وصاغه المصري البسيط في حارته حيث يسكن المسجد بجوار الكنيسة ويتقاسم الجميع رغيف الخبز وهموم الحياة.

 مصر التي صدرت العلماء والقراء والمفكرين، لم تصدر يوماً فكراً طائفياً، بل كانت دائماً تصدر الوسطية التي تجمع ولا تفرق، وتنير ولا تحرق. لذلك حين يتكلم المصري تشعر أن وراءه حضارة، لا مجرد رأي، وأن كلماته تحمل إرثاً من الحكمة المتراكمة.إن المصري حين يكتب لا يحرر مقالاً فحسب، بل يعبد طريقاً، يفتح باباً للمقاومة الفكرية بعد أن ظن البعض أن الأبواب أغلقت، ويعيد للكلمة هيبتها بعد أن كادت تصبح سلعة، ويذكر الأمة أن وحدتها ليست حلماً شعرياً بل حقيقة تبرز كلما تكلم مصري بصدق.

وهكذا تبقى مصر، لا بحدودها الجغرافية وحدها، بل برسالتها، هي الذاكرة التي تحفظ للأمة هويتها حين ينسى الجميع، والقلب الذي ينبض لها حين تصمت القلوب. هي البوصلة إن ضلت الطرق، والصوت إن خفتت الأصوات، والضمير إن غاب الضمير.