العداد الكودي وأثره على الفقراء.. بين تنظيم الاستهلاك وتحديات العدالة الاجتماعية

العداد الكودي وأثره على الفقراء.. حل تنظيمي بآثار اجتماعية معقدة
في ظل التوسع العمراني وزيادة الطلب على خدمات الكهرباء، ظهرت أنظمة جديدة لإدارة استهلاك الطاقة، ومن بينها العداد الكودي، الذي تم تطبيقه في بعض الحالات على العقارات المخالفة أو غير المستوفاة للشروط الرسمية لتركيب العدادات التقليدية. ويهدف هذا النظام إلى تسجيل الاستهلاك بشكل مؤقت ومنظم، دون ربطه بالملكية القانونية الكاملة للعقار.
ويعتمد العداد الكودي على تخصيص رقم تعريفي لكل وحدة سكنية، بحيث يتم احتساب استهلاك الكهرباء بشكل رسمي، مع إمكانية السداد وفق التعريفة المعتمدة، مما يساهم في تقليل الفاقد من الطاقة وتنظيم عملية التحصيل. كما يساعد شركات الكهرباء على توسيع قاعدة المشتركين وضبط الاستهلاك غير المسجل.
ومن الناحية الإيجابية، يُعتبر العداد الكودي خطوة نحو دمج عدد كبير من الوحدات غير المسجلة في منظومة الكهرباء الرسمية، مما يضمن وصول الخدمة بشكل أكثر أمانًا واستقرارًا، ويقلل من التوصيلات العشوائية التي قد تسبب مخاطر فنية أو حرائق. كما أنه يساعد في تحسين كفاءة إدارة شبكة الكهرباء على مستوى الدولة.
لكن في المقابل، يثير هذا النظام العديد من التساؤلات الاجتماعية، خاصة فيما يتعلق بتأثيره على الفئات الفقيرة. فبعض الأسر محدودة الدخل قد تجد صعوبة في تحمل تكاليف الاستهلاك الفعلي للكهرباء بعد التحول إلى النظام الكودي، خاصة إذا كانت تعتمد سابقًا على تقديرات أو تعريفة أقل تنظيمًا.
كما أن وجود عقارات غير مكتملة أو غير رسمية يجعل بعض السكان في وضع قانوني غير مستقر، مما ينعكس على شعورهم بعدم الأمان السكني، ويزيد من الضغوط المالية عليهم، خصوصًا في ظل ارتفاع أسعار الخدمات الأساسية بشكل عام.
ويرى بعض الخبراء أن الحل لا يكمن في رفض العداد الكودي، بل في تطوير سياسات داعمة تراعي البعد الاجتماعي، مثل تقديم دعم للفئات الأكثر احتياجًا، أو وضع شرائح استهلاك عادلة، أو تسهيل إجراءات تقنين أوضاع العقارات بشكل تدريجي يضمن دمج السكان في المنظومة الرسمية دون أعباء مفاجئة.
كما يؤكد آخرون أن تحسين العدالة في توزيع الدعم والخدمات يجب أن يكون جزءًا من أي إصلاح في قطاع الطاقة، بحيث لا يتحمل الفقراء العبء الأكبر من التحديثات، بل يتم توزيع التكلفة بشكل متوازن بين مختلف شرائح المجتمع.
وفي النهاية، يمكن القول إن العداد الكودي يمثل خطوة تنظيمية مهمة تهدف إلى تحسين إدارة استهلاك الكهرباء، لكنه في الوقت نفسه يسلط الضوء على تحديات اجتماعية تحتاج إلى حلول متوازنة. فنجاح أي نظام خدمي لا يقاس فقط بالكفاءة الفنية، بل أيضًا بقدرته على تحقيق العدالة الاجتماعية وحماية الفئات الأكثر احتياجًا، بما يضمن وصول الخدمات الأساسية للجميع دون ضغط أو تمييز.
ومن المهم أن تتبنى الدولة سياسات مرنة تراعي الظروف المعيشية للمواطنين، خاصة الفئات الفقيرة، من خلال دعم استهلاك الكهرباء الأساسي وتسهيل إجراءات التقنين. فالتوازن بين تنظيم الخدمة وحماية محدودي الدخل يضمن نجاح النظام ويقلل من آثاره السلبية، مع الحفاظ على حق الجميع في الحصول على خدمة عادلة وآمنة.