حين سبق الإسلام علم التسيير الحضري

حين سبق الإسلام علم التسيير الحضري

تقييم 5 من 5.
1 المراجعات

حق الطريق 
 

المقدمة
 

في كل يوم، يخرج ملايين البشر إلى الشارع دون أن يسألوا أنفسهم: من حدّد عرض هذا الطريق؟ ومن قرر أن لكل مارٍّ حقاً في هذا الفضاء؟ نحن نظن أن هذه الأسئلة وُلدت في أروقة الجامعات الغربية، وتقننت في مواثيق التعمير الحديثة، وصارت علماً يُدرَّس في كليات الهندسة. لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير، وأقدم بكثير. الحقيقة أن رجلاً في القرن السابع الميلادي، في مدينة تتشكل من الصفر، وضع بكلمات قليلة ما عجزت عنه قرون من التخطيط العمراني الحديث.
- المعيار الذي لم نفهمه بعد:
 

"إذا اختلفتم في الطريق فاجعلوه سبعة أذرع." حديث نبوي قصير، يحفظه الفقهاء في باب المرافق العامة، ويمر عليه كثيرون مرور الكرام. لكن حين تقرأه بعيون مهندس حضري، تجد أمامك شيئاً مختلفاً تماماً. سبعة أذرع تعادل نحو ثلاثة أمتار ونصف — وهو الحد الأدنى الذي يكفل مرور الحمولة في اتجاهين، ويُبقي للمشاة هامشاً آمناً على الجانبين. هذا ليس رقماً دينياً. هذا مواصفة تقنية لها مسوّغها الهندسي الذي تؤكده معايير التعمير المعاصرة.
- المجال العام قبل أن يُخترع المفهوم:
 

ما يُسميه علم التسيير الحضري اليوم بـ"المجال العام" — أي الفضاء المشترك الذي لا يملكه أحد ويملكه الجميع — كان الفقه الإسلامي قد أسّس له منظومة متكاملة قبل أن يُصاغ المفهوم في اللغات الأوروبية. فالطريق في الشريعة ليس ممراً وظيفياً فحسب، بل هو فضاء تتوازن فيه حقوق متعددة: حق المرور، وحق الضوء والهواء للمبنى المجاور، وحق السلامة من كل أذى. وكل اعتداء على هذا الفضاء — بناءً متجاوزاً، أو حمولةً معيقة، أو نجاسةً ملقاةً — هو انتهاك لحق مكفول.
- الحسبة: جهاز التفتيش الحضري الأول:
 

لم تكتفِ المنظومة الإسلامية بصياغة المعايير، بل أوجدت الجهاز الذي يُنفّذها. المحتسب لم يكن رجل دين يعظ في المسجد، بل كان مسؤولاً حضرياً يجول في الأسواق والأزقة، يراقب سلامة الأبنية، ويُزيل التعديات على الطريق، ويتدخل حين تتهدد حِرفةٌ ملوِّثةٌ صحةَ الحي. إنه بكل موضوعية الجدّ الأول للمفتش الحضري، بصلاحيات أوسع مما يملكه كثير من نظرائه المعاصرين.
- السؤال الذي يطرحه التخصص:
 

درست هندسة التسيير والتقنيات الحضرية، وتعلمت أن كل معيار جيد يقوم على فلسفة واضحة: حماية الحق المشترك من الطغيان الفردي. ثم حين عدت إلى هذا الإرث بعيون تقنية لا بعيون وعظية، وجدت أن الفلسفة نفسها حاضرة، والأدوات موجودة، والتطبيق كان قائماً. الفارق الوحيد أن أحداً لم يُعِد قراءة هذا الإرث بوصفه منظومة هندسية قابلة للدراسة والاستثمار. لا تمجيداً للماضي، بل بحثاً عن مرجعيات لم تُستنفد بعد.
الخاتمة
 

image about حين سبق الإسلام علم التسيير الحضريالمدينة الحديثة تعاني أزمة حقيقية في تسيير مجالها العام — تعدٍّ على الطريق، وفوضى في البناء، وغياب للرقابة الفعّالة، وضعف في ثقافة الحق المشترك. ونحن نبحث عن الحلول في النماذج الأوروبية وتجارب شرق آسيا، وهذا مشروع. لكن يبدو أن ثمة كنزاً آخر لم يُفتَح بعد، لا يحتاج استيراداً ولا ترجمةً، بل يحتاج مهندسين يقرؤون التراث كما يقرؤون المخطط الهندسي — بعين ناقدة، وعقل مفتوح، وسؤال جاد.

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Fares Guermat تقييم 5 من 5.
المقالات

10

متابعهم

11

متابعهم

14

مقالات مشابة
-