2 ـ السَّفَرُ عَبْرَ الكُتب!
وبعد انتظار طال لمدّة أسبوع كامل؛ قابلتُه مرَّة أخرى بفُضُول انتابني فأرَّقَنِي وأزعجني، أتطلع باشتياق إلى صَوَلاته وجَوَلاته في واحة الأدب والشعر كما أخبرني بنفسه في اللقاء الأخير، حيث قال: الأدب وما أدراك ما الأدب!
أراد أن يُخبرني أن الأدب واحة الأنس، فيه تأنس الرُّوح بتَوْأَمِها من الأرواح، وهي كما تعلم ـ جنود مُجَنَّدة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ـ وهذه قاعدةٌ روحيةٌ جليلة إذا سافرت بين ـ الكتب ـ ستجد ما يُبهِرك من المعاني الرائقة الصافية ويُكسِبُك دُرْبَةً في علم النُّفوس البشرية، فلا تحط رحالك إلا عند من يُشبِهُكَ، فكأنك هو! ، رغم اختلاف الزمان وتغير المكان، متشابهان في رِقَّةِ النَّفس، في الشعور والحِسّ، في الفرح والتَّرح والغضب والرِّضا، إذا عشق فأنت العاشق، وإذا حزن فأنت الباكي، أنتَ الذي امْتَطَيْتَ حصانه تَمْخُرُ به عُبَاب الصحراء بين الجبال وعلى الرمال؛ تبحث عن خلوة بينك وبين من تُحِبّ، فإذا جَنَّ عليك الليل قابلت محبوبك فأوقدتَ جمر الغَضَا وألقيت بظهرك على رمل أصفر صافٍ كالذهب الخالص، تنظر إلى السماء والصفاء.
فَطَوْرَاً تُنَاجي القمر ويناجيك، تَبُثُّهُ أشواقك وتُسِرُّ إليه بمكنون صدرك ، ثم تُعَاهِده على الكِتمان ـ وأنت تعلم أنه لن يُفْشِي لك سِرَّاً ـ وهذا كله لا يكون بينك وبينه إلا إذا صفا!
فإذا صفا اسْتَنَارَ وجهه واسْتَدَار، أما إذا تكَدَّر، وحزن وتغير، عَلَتْه ظُلْمَة تلتهم صفائه رويداً رويداً، فلا تبرح إلا وهو ضعيف وحيد وهزيل كشعرة بيضاء في لحية سوداء، فلا يجد ما يتَسَلَّى به ويخفف عنه إلا تلك المسامرات التي كانت بينكما، ويقول في نفسه ـ وإياك يعني ـ : لعلَّها أيامٌ تَمُر! فيأتي الصفاء فيُبَدِّد نورُهُ ظلمةَ الكدر!
وطوراً تُدَاعِبُ النجوم وتتأمل بريقها، وكأن السماء ادَّهَنَت بها فلمعت ، وصارت بينك وبين النجوم أُلفة حتى إنك لتعرف مواقعها وإن اكْتَظَّت بهم السماء، تنظر إليها كل ليلة وكأنك تبحث عن نجم بعينه إذا رأيته استبشرت وفرحت، فكأنه يخفف عنك شدة القيظ ويرطب على قلبك الذي احترق بنيران الشوق؛ وآنسك بنوره الساطع ـ فهو ألمعهم ـ ، تحتمي به النجوم لجسارته وضخامته؛ إنه " سُهَيْل " الذي ذَوَّب قلوب العشاق وخطف أنظارهم إليه لوسامته وحلاوته ونُبْلِه، فأطلقوا عنان الخيال في وصفه، ونسجوا الأساطير من أجله، وزَوَّجُوه من نجم الشِّعْرَى! فهامت بحبه على وجهها تبحث عنه حتى عبرت المَجَرَّة كلها بطولها وعرضها بحثاً عن الحبيب وشوقاً إليه، إذ كان في هذا الوقت قد انحدر إلى اليمن فصار " سهيل اليماني " .
التفَّ حوله الشعراء تماماً كما تفعل أنت في هذه الليلة، سامروه كما تُسَامره، فترى مثلاً شاعراً فحلاً وفارساً مغواراً لا يرجو من الدنيا وهو يحتضر ويجود بنفسه إلا أن يرى سُهَيْلاً! إنه حبيب القلب " مالك بن الريب " فيقول:
أقول لأصحابي ارفعوني فإنه يَقِرُّ بعيني أن سُهَيْلٌ بدا ليا!!

وشاعرٌ آخر فخور بنفسه صاحب عزة وأنفه، كبير النفس عالي الهمة ، يعتز بنفسه وإن جالس الملوك! إذا أنشد الشعراء أشعارهم بين يدي ملكهم قاموا على سوقهم ينشدون، إلا هو! فلا ينشد إلا جالساً ولسان حاله يقول: لست أقل منك أيها الملك حتى أقوم فأنشدك وأنت جالس تسمعني!، هو أبو الطيب المتنبي لما أراد أن يتباهى بنفسه ويرفعها أعلى المقامات ويتعالى على خصمه، شَبَّه نفسَه بـ " سُهَيْل " فقال:
وتنكر موتَهم وأنا سُهَيْلٌ طلعت بموت أولاد ...
إنه سُهَيْل!!
فتبيتُ على حالك هذا إلى أن تشرق الشمس، وقد أخرجت ما في نفسك، وفرَّغْت ( شُحْنَتَك ) واستبدلتها بطاقة رُوحية عجيبة ولذيذة! أين كنتَ ستجد هذا الجمال إن لم تسافر إليه ( عبر كتاب )!
وإن تقابلنا مرة أخرى لأخبرنك بشيء من التفصيل ـ عن أخبارهم وأحوالهم ـ أكثر مما سمعته الآن مني فإني على عَجَلة من أمري، أتركك الآن في حفظ الله وأمنه ...