جندي التوازن الخفي

جندي التوازن الخفي
أسرار الذبابة من سفينة نوح إلى مختبرات المستقبل
بين سخرية العابرين ودقة التكوين.. حكاية "المسافر" الصغير في سفينة نوح
ربما تعتبر ذلك مجرد مزاح سخيف، حين تضطرك قراءة تعبير ساخر لشخص ما على أحد المواقع: "أنا عاتب على سيدنا نوح عليه السلام.. لماذا أخذ الذباب أيضًا في السفينة؟"، ولكن مع قليل من الانتباه، هذه العبارة -التي تبدو مضحكة- تفتح أمام العقل الواعي باباً عريضاً للتفكير في حكمة إلهية لم يتوقف كثير من الناس عن تسبيحها. فهي ليست مسألة ذبابة صغيرة، بل مسألة فلسفية وعلمية ضخمة، توجه "الجهل البشري" نحو "الكمال الإلهي"، حيث يقف العقل أحياناً عاجزاً عن فهم وظيفة مخلوق ما، فيرميه بالكدر والعبث، على الرغم من أن كل ذرة وتركيبة واحدة في هذا الكون، تسبح بحمد خالقها وتلعب فيه دوراً مباركاً في توازن الوجود الذي لا يستقيم بغيابها.
وأكد الدكتور زغلول النجار في حديثه عن هذه المسألة، أنه من المستحيل أن نجد شيئاً عبثياً في عالم الخلق، فالله عز وجل الذي قال في كتابه العزيز: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}، هو ذاته الذي تحدى الإنسان في الذباب بقوله: {وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَّا يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ}. ويأتي العلم الحديث الآن لفك شفرة هذا التحدي الإلهي، كاشفاً أن الذبابة تفرز لعاباً يحتوي على إنزيمات شديدة القوة والتعقيد، تعمل على تحويل الطعام الصلب إلى سائل "خارج" جسمها فوراً قبل عملية الامتصاص، مما يجعل استرجاع ما أخذته مستحيلاً من الناحية الكيميائية والفيزيائية.. فسبحان من هو أعلم بالسر وأخفى!أما إذا حاولنا رسم "خريطة المعجزات" لهذا الحيوان الذي لا يزال يحتقره البعض، فسوف نتعرف على مختبر علمي طائر؛ فهل كنت تعلم عزيزي القارئ، أن لحظة سعادتك أثناء تناولك لقطعة من "الشوكولاتة" مرتبطة بذبابة؟ نعم، لا تتعجب، فهناك أنواع صغيرة تعرف بـ "ذباب الميدج" هي الملقح الوحيد والضروري لشجرة الكاكاو في كل العالم، وبدون هذه الحشرة الصغيرة التي قد تقتلها بضربة كف، لن تكون هناك شوكولاتة في عالمنا. إنها حلقة وصل سرية في سلسلة المتعة والتغذية البشرية، تؤكد أن أصغر المخلوقات يمكن أن تحمل مفاتيح أكبر الصناعات.الذباب هو أحد الحشرات التي تعد بمثابة "جيش التدوير الكوني" أو عمال النظافة الذين لا كلل ولا ملل لديهم؛ فمن دون اليرقات التي يضعها الذباب في الأماكن المناسبة، كان من الممكن أن ينهار كوكب الأرض حرفياً تحت أطنان من الأجساد المتعفنة والنفايات العضوية التي تطلق الروائح الكريهة والأمراض.الذباب هو "المحلل الأكبر" في الطبيعة، حيث يقوم بتفكيك المواد الميتة وتحويلها إلى عناصر أساسية مثل النيتروجين والمعادن التي تغذي التربة، وبالتالي تعود الحياة من جديد إلى الأرض وتنبعث فيها الأشجار والنباتات التي يتغذى عليها الإنسان والحيوان.
وعلى الصعيد الهندسي والفيزيائي، تتمتع الذبابة بنظام رؤية يفوق أذكى الأجهزة التي صنعها الإنسان؛ فعينها المركبة تحتوي على آلاف العدسات السداسية التي تمنحها رؤية بانورامية بزاوية 360 درجة. والأكثر دهشة أنها لا ترى "المشاهد" ثابتة كما نفعل، بل تعالج الحركة بسرعة تفوق الدماغ البشري سبع مرات، وهو ما يفسر لماذا تبدو حركاتك "بطيئة للغاية" بالنسبة لها عندما تحاول إمساكها، فتهرب منك بسرعة كبيرة. لم يكن هذا التصميم بمحض الصدفة، بل كان مصدر إلهام للمهندسين في تصميم الطائرات "الدرون" الصغيرة التي تُستخدم الآن في عمليات الإنقاذ المعقدة تحت الأنقاض، مستعينين بتقنية "دبابيس الاتزان" التي تتواجد في الذبابة وتعمل مثل جيروسكوب طبيعي عالي الدقة.
في شق البيولوجيا الطبية أصبحت يرقات الذباب يومًا بعد يوم أمام عيني العلماء في مراكز الأبحاث الرائدة على الصعيدين الدولي والوطني. حيث اكتشفوا أن هذه اليرقات، بتناثراتها الصغيرة، تقوم بإفراز مواد بروتينية خاصة، تمتلك قدرة خفية على القضاء على بكتيريا "السوبر باج"، التي تُظهر مقاومة لأقوى الأدوية التي اخترعها الإنسان من قبل. يمضي البحث الحديث في استخلاص الجينات من الذباب لمساعدتنا في العثور على العلاج الخاص بمرض السرطان، ومن الواضح يومًا بعد يوم أن الدواء الناجم عن ابتكاراته قد يكون في قلب المرض، في تأكيد لأن الداء قد يكون رأسيا، وأن الحكمة التي تنبع من وجوده تتجاوز بكثير مجرد وجود "حشرة مزعجة" في غرفنا.
إختفاء الذباب لا يُعتبر راحة كما يراه البعض، بل كارثة مزمنة. تضمر مجاعة كبيرة وأعمالاً دموية لافتة على آلاف الأنواع من الطيور، والسمك، والضفادع التي تستفيد منه كطعام متقل. فيمكن أن تؤدي إلى إنهيار المنظور الغذائي بحد كبير.
في نهاية المطاف، حين تسخر من وجود "ذبابة" في سفينة نوح عليه السلام، تذكر دائماً أن الله لا يخلق القبح لذاته، بل يخلق "الوظيفة" والغاية. أحياناً يكون ضيق أفقنا وجهلنا بالسنن الكونية هو "المزعج" الحقيقي وليس الكائن نفسه. كلما شاهدت ذبابة، لا تَركن إلى رغبَةٍ في طردها فقط، بل اذكر قوله تعالى: "صنع الله الذي أتقن كل شيء"، ومن هنا تدرك أن في خلقه من الأسرار أشياءٌ لا يُدركها كبار العقول البشرية. إذن: هل واصلت العتب على السفينة التي كانت تحمل سر من أسرار التوازن؟