عصر "كورونا" وباءٌ مزمن أم زمنٌ موبوء؟!
عصر»كورونا« وباء مزمنٌ أم زمنٌ موبوء ؟!
دعنا من ترهات التساؤل والتأمل حول هل سينتهي العالم، سينقرض البشر؟! هل المرض كارثة طبيعية أم مؤامرة مدبرة لمصالح سياسية! هل وجد من العدم أم أنه فيروس مصنع ألقي به إلينا عمدًا لأغراضٍ خفية! هل أمريكا تريد ضرب الصين اقتصاديًا، أم أن الأمر لم يعد متوقفًا على الصين فجل اقتصاد العالم مهددٌ بالانهيار بعد الأزمة؟! هل توصل العلماء حقًا للقاح! لم كل هذا الوقت في مرحلة الاختبارات المعملية والتجارب السريرية! هل سيستمر المرض للأبد! هل المصابون يموتون والمتعافون يعود إليهم المرض!
إلى التأمل في الوصايا العشر لغسل الأنف والحنجرة، ونشر وصفات علاج الكورونا بمشروب القرفة بالخل للجارة سعيدة! لا أسعده الله من أرشدها لطريق "الواتس" .
فدعنا من تلك البلبلة ولنتأمل فيما يستحق ولو دقائق من التأمل. فما أشبه اليوم بالبارحة أتذكر إبان ثورات الربيع العربي كيف كنت أتابع حال الناس والنفوس، كيف رأيت يومًا بعد يوم أن ما خفي ظهر وما كُبت انفجر، رأينا الكلَ يظهر على حقيقته فالنفوس تتغير والمطامع تكثر والكثير من الناس تظهر مساوئ أفعالهم وسلوكياتهم. ويومًا بعد يومٍ نكتشف أن ذلك هو دأبنا إثر كل أزمة وأخرى. فاليوم يا ألمي وأنا أتابع وأتأمل الأيام تعيدُ نفسها. يبتلينا الله ببلاء فنرى الخوف والفزع في قلوب الناس، نرقب الناس يحذرون ويتجنبون المرض بشتى الوسائل لا خوفًا من لقاء الله وإنما خوفًا من ترك الحياة.
فوالله لو سألت هذا أو ذاك لم الخوف؟ لأجابك كيف أموت ولازلت في ريعان شبابي لم أهنئ بزوج أو ولد، ولأجابك الآخر قضيت نصف حياتي أجمع كل هذا المال لأموت وأتركه لغيري؟! ولقال أخر توي وصلت لحلمي وبلغت من عملي مبلغه ووصلت أوج نجاحي! فكلٌ متمسكٌ بدنياه ملهيٌ عن آخرتِه -إلا من رحم ربي- فوالله تمنيت لو رأيتُ أحدهم ليس بخائفٍ من الموت بل مما بعده، مضطربًا من لقاء ربه دون استعداد، وجلًا أن يقبضه الله قبل أن تُقبل توبته مما اقترفت نفسه في الدنيا، على أتم الاستعداد للرضى بالمرض مادام في هذا تمحيصًا له وتكفيرًا لذنوبه ورفعةً لدرجاته.
بصدق كم منا فكر مرتعبًا بكون ذلك غضباً من الله علينا ونحن لا نبالي؟ انظر لأولئك المسلمين "المبتلين" هنا وهناك مستمرين ينشرون المسلسلات، يتبادلون الأغاني ويمزحون بالسباب واللعن..! فلتفتح شاشات التلفاز ولتطلع على مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات الرقص العلني والتمثيل الهزلي! لترى الإجابة مجسدة أمام عينيك. مجسدة في فتاةٍ أغلقت عليها باباها بدون أو بعلم أهلها -جازاهم الله- ترقص أمام الهاتف دونما ذرة حياء بمكياج كامل ونصف الحجاب. وحبذا لو شاركها أهلها ذاك السفور فترقص الأم مع ابنتها والزوج يغني مع زوجته الشبه عارية والأب هو من يحمل الهاتف مصورا ابنه يتشبه بالنساء مرتديًا الحجاب. يا للعجب الفتياتُ يتعرين والشباب يرتدون الحجاب! بالله هل نحارب الوباء بوباء!!
نَعيـبُ زمانَنـا والعيـب فيـنـا ومـا لزمانِنـا عـيـبٌ سـوانا
وقد نهجو الزمانَ بغير جُرم ولـو نطـق الزمـانُ لنـا هجانـا
كم منا رأى ما يدور حوله بعيني قلبه، كمسلمٍ فقط بفطرته حتى ! كم منا نظر لذلك البلاء على أنه حتمًا ولابد لذنب. ف »ما نزل بلاء الا بذنب ولا رفع إلا بتوبة« [١]. وكما قال تعالى ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير﴾ [2]، ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [3]. عن عبد الله بن عمر قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: « يا معشر المهاجرين، خمسٌ إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قطُّ حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولم يُنقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوًّا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم« [4].
وصدق رسول الله فرأينا تاريخ من الأوبئة في عصور المسلمين، كما الطاعون الذى انتشر أكثر من مرة في مصر والشام والمغرب والعراق والأندلس وقتل ألوفاً من سكانهم، الطاعون الأسود (لعنة القرن الرابع عشر) في مصر في عصر المماليك خلال الفترة من 1347م و1349م شاهدًا بذلك ثلاث تكرارات له في عصرهم فقط، وما أدراك وظلم المماليك، قتلوا وسفكوا وانتهكوا الحرمات فترى هذا الحاكم يهتك ستر بيوت المسلمين فيختار ما يشتهي منها فينال نصيبه منه ثم يخرج، وذاك تولى منصبه متسلقًا سلم الخديعة والخيانة والقتل، الخمور تملئ الشوارع، الزنى علني في كل مكان والناس يقطع بعضهم رقاب بعض في وضح النهار، والمماليك يمرون على المتاجر يسرقون وينهبون ويدمرون، وكذا الدولة الفاطمية عام 360هـ واجههم الطاعون. الفاطميين الذين جاروا وأجبروا الأمم على اتباع مذاهبهم وتواطئوا مع الفرنجة وضيقوا على الشعوب، ومن ثم مع بداية منتصف ثلاثينيات القرن الثامن عشر وصل عدد ضحاياه إلى أكثر من 150,000 نسمة (طاعون الكوليرا) الذي ضرب مصر عشر مرات في تاريخها الحديث [٥]. بما في ذلك عهد محمد عليّ الذي يشهد القاصي والداني بفساد تاريخه هو الذي مهد لاحتلال الغرب لعدد من بلاد المسلمين، ولا ننسى ذكر طاعون جستنيان (العمواس) ببلاد الشام 18ه/ 639م الذي قيل أنه هو ما أخبر عنه النبي أنه من علامات الساعة التي تأتي من بعده ، وغيرهم كالجذام والجدري والملاريا. فكم من أناس وأمم أسرفوا على أنفسهم وتمادوا في ظلمهم لن يسعنا المقام لذكرهم لو عددناهم أجمعين. ثم نتساءل من أين تأتي الابتلاءات والأوبئة؟!
فهل اتعظنا واعتبرنا! وهل بحثنا عن علاج وبائنا المعنوي قبل الوباء المادي، ترى الواحد منا على أوج الاستعداد لاتباع كل تعاليم السلامة المادية بحذافيرها فيطهر جسده ويستر وجهه ويتجنب الملوثات، ونسى أن قلبه أحق بالتطهير وجسدها أحق بالستر وكلاهما أحق بحفظ نفسيهما عن ملوثات الدين من المعاصي والذنوب. جاء على لسان القاضي المؤرخ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن القرشي في “شفاء القلب المحزون في بيان ما يتعلق بالطاعون” " أنه حدث طاعون كبير سنة 764هـ، فكان الناس به على خير عظيم من إحياء الليل وصوم النهار، والصدقة والتوبة، فهجرنا البيوت ولزمنا المساجد رجالنا وأطفالنا ونساؤنا". كذلك ف أوقات الطواعين سرت في المجتمع الأوروبي تفسيرات شعوبية ودينية تتحدث عن أن الله قد أرسل الطاعون بسبب تفشي الذنوب والآثام، فخلال فترة ظهورها كان رجال الدين ينظمون في الشوارع مواكب التطهر من الآثام لإبعاد الطاعون. ذلكم أهل الكفر فكيف بأهل الإيمان! قال تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾.
كم منا بات مفكرًا فيه ليس من باب شدة وتزول بل كنذير خطر لا يمكن أن يمر مرور الكرام، خجلًا من خوفه من مرض دون خوفه من ربه ورب ذاك المرض، كم منا فكر أن يكون هو السبب -نعم- هو السبب في نزول ذلك البلاء ﴿وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً﴾ [7] أي لا تنزل على الذين ظلموا منكم فقط بل تصيب جل القوم صالحهم وطالحهم. كيف بأي واحدٍ منا ألا يتخيل أن يكون هو نفسه غدًا رقمًا من أرقام الوفيات وعددًا من تعداد الجنازات التي يراها بأم عينيه يوميًا. وإن لم يكن بهذا المرض فبذاك وإن لم يكن خارجًا فبقعر داره، ﴿أينما تكونوا يدركم الموت ولو كنتم في بروجٍ مشيدة﴾ [8]. فكما يقال ما نحن إلا جنائزٌ مؤجلة، وما أجل الواحد منا إلا أقرب إليه من أرنبة أنفه.
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً .. ﴾
إلا من ؟؟ ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ* الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ * وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ * لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ * وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ * وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ﴾ [9]
ونحن من خوف المرض في مرض، ومن خوف الفقر في فقر.
