الرقمنة كآلية لإعادة هندسة العمليات الإدارية للحد من الفساد الإاري في المرافق العامة؟
الرقمنة كآلية لإعادة هندسة العمليات الإدارية للحد من الفساد الإاري في المرافق العامة؟

تمهيد :
شهد النصف الثاني من القرن الماضي ظهور أحد أهم الاختراعات البشرية على الإطلاق ألا وهو الحاسب الآلي، ذلك الجهاز المعقد في تركيبه، العظيم في إنجازاته، البسيط في تشغيله وإدارته، حيث يتمكن كل من لديه معرفة تقنية بسيط من التعامل معه، وفقاً لبرامج تطبيقية خاصة، يغذى بها فيكون قادراً على تلبية كم هائل من الأوامر التي تعطي له، وأداء الواجبات اللازمة والمرتبطة بتلك الأوامر، وبدقة وسرعة فائقتين، لا بل وبتوفير عالٍ للوقت والجهد والنفقات. أمام تلك المزايا الجمة للحاسب الآلي، كان تقبله كبيراً بل وكان اتساعه وانتشاره مذهلاً، فقد تحول وخلال عشر سنوات فقط من ظهوره كجهاز تطبيقي إلى محور العمل والحركة في العديد من النشاطات المختلفة، سواء بالنسبة للأفراد، أم بالنسبة للدولة التي بقيت تعتمد على الموظف العام فترة طويلة، مع إدخالها لأجهزة الحاسب الآلي في العمل الحكومي. وقد بقيت الدولة متواضعة إلى حد ما في تعاملها مع الحاسب الآلي، إلى أن أخذت الشبكة العالمية الإنترنت تتطور وتنتشر، وتصبح أداة عصرية لازمة لا غنى عنها في كل المجالات، لا بل إن الاعتماد على تطبيقاتها دخل كل بيت، حيث أصبح الناس يهرعون وراء استخدام تطبيقات الإنترنت في كل وقت، وفي أي مكان، حتى أصبح خط الإنترنت في كل بيت متطلب عصري لا يقل أهمية عن أي جهاز أو وحدة خدمية تقليدية في البيت. هذا التزاوج بين الحاسب الآلي وشبكة الإنترنت من جهة، والفرد العادي من جهة أخرى، واعتماد كل منها على الآخر أضاء أمام الدولة وساستها فكرة الاستعانة بتقنية نظم المعلومات والاتصالات، وذلك لتحقيق دفعة تطويرية على أجهزة الدولة الخدمية منها والمعلوماتية، وبشكل يواكب التطور والتقدم التقني، ويحقق مزايا ذلك توفيراً في النفقات وكسباً للوقت في زمن تعدى مفهوم عصر السرعة، ليدخل في مفهوم جديد للزمن ألا وهو زمن الديجيتال، هذا الزمن المعتمد في كل محاوره على تقنية نظم المعلومات، مع ما في ذلك من تحقيق لرغبات المواطنين في الدولة، الذين يدفعون ولو بطريقة غير مباشرة إلى تحقيق الاستفادة الكبيرة من تقنيات نظم المعلومات والاتصالات.
المطلب الأول : ماهية الهندسة الإدارية وخصائصها
الفقرة الأولى : تعريف الهندسة الإدارية
يمكن تعريف إعادة الهندسة بأنها إعادة التفكير الأساسي وإعادة التصميم الجذري للعمليات من أجل التوصل إلى تحسين جوهري في المقاييس المعاصرة للأداء مثل التكلفة والجودة والخدمة والسرعة.
وتشير إعادة الهندسة إلي إعادة تصميم العمليات الإدارية بصورة جذرية بهدف تحقيق تحسينات جوهرية فائقة وليست هامشية أو تدريجية في معايير الآداء الحاسمة مثل:
التكلفة والجودة والإنتاجية وتدفق العمل.
ويمكن تعريف إعادة الهندسة على أنها إعادة التصميم السريع والجذري للعمليات الإدارية الإستراتيجية وذات القيمة المضافة وكذلك للنظم والسياسات والهياكل التنظيمية المساندة بهدف تحسين العمل وزيادة الكفاءة والإنتاجية المنظمة بصورة كبيرة.
ويمكن تعريفها أيضا على أنها إعادة التفكير الأساسي وإعادة التصميم الجذري لنظم العمل لتحقيق تحسينات مثيرة في المناطق الحساسة والمعاصرة مثل التكلفة، الجودة،
باستخدام تكنولوجيا المعلومات.
الفقرة الثانية : خصائص إعادة الهندسة الإدارية
يمكن تحديد عدة خصائص تميز إعادة الهندسة هي:
-1 تحقيق الدمج الوظيفي : ويقصــد بهــا تكامــل عــدة وظــائف منفصــلة فــي وظيفــة واحــدة، والقضــاء علــى التخصــص الــوظيفي وتقســيم العمــل وهــذا بــالطبع عكــس تقســيم
العمل الذي كان سائدا إبان الثورة الصناعية الأولى، مما يـؤدي إلـى سـهولة توزيـع أعبـاء العمـل ومسـؤولياته، وتحسـين مراقبـة مسـتوى الأداء، والـتخلص مـن الأخطـاء الناتجـة عـن تعدد الإدارات الوظيفية وجهات الإختصاص في مجـال العمـل.
-2 اتخاذ القرارات : ويقصد به اتخاذ القـرارات بواسـطة العـاملين، بـدالا مـن لجـوء الموظـف فـي إحـدى مراحـل العمـل إلـى رؤسـائه للحصـول علـى قـرار معـين بشـأن العمـل، فإنـه أصـبح الموظـف يتخـذ القـرار بنفسـه كجـزء مـن العمـل الـذي يقـوم بـه بعـد أن كان الأمر حكرا على المدراء فقط
-3 تكامل المركزية واللامركزية في الأعمال الإدارية : تتمكن المنظمات التي تطبـق الهندسة مـن الجمع بين مميـزات المركزيـة واللامركزيـة فـي عملياتهـا، حيـث يسـاعد اسـتخدام تكنولوجيـا المعلومــات علــى تمكــين الإدارات مــن العمــل بصــورة مســتقلة، وفــي نفــس الوقــت تمكــن المنظمـة ككـل مـن الإسـتفادة مـن مزايا المركزيـة عـن طريـق ربـط جميـع الإدارات بشـبكة اتصالات موحدة.
المطلب الثاني : دور التحول الرقمي في إعادة هندسة المرافق العامة
الفقرة الأولى : مكافحة الفساد الإداري عن طريق الرقابة الرقمية
أدي تفشي ظاهرة الفساد الإداري إلى ظهور الحاجة الملحة لتبني نظم الرقابة الإلكترونية وخاصة مع التطورات الحاصلة في تكنولوجيا المعلومات والإتصالات، وذلك
لعدم نجاعة الآليات التقليدية في الحد من ظاهرة الفساد الإداري، ويمكن للرقابة الرقمية مواجهة الفساد عن طريق: ممارسة الرقابة الإلكترونية على الأعمال الإدارية في الوقت الحقيقي، حيث يمكن للمراقب أو المشرف متابعة نسب إنجاز العمل أو عدد المعاملات في نفس وقت أداء
العمل مما يعني إمكانية رصد التقصير أو التهاون أو تعطيل الخدمات، مما لا يترك مجال للقائم على الخدمة للتعسف في استخدام السلطة الإدارية مما يحد من مظاهر الفساد الإداري كالإبتزاز والرشوة.
وتوفر الرقابة الإلكترونية المعلومات والبيانات عن الأداء الضرورية للإدارة العليا عند اتخاذ قرار معين
الفقرة الثانية : تفعيل مبدأ الشفافية في المؤسسات
تساعد الرقابة الرقمية على تفعيل مبدأ الشفافية في المؤسسات، مما يكشف عن بؤر الفساد الإداري، كما أنها تسهل الربط بين المستويات التنظيمية وتوفر قنوات اتصال فعالة وسريعة حيث يعمل التنبيه الإلكتروني على وجود انحرافات مما يؤدي إلى المعالجة الفورية وتوفير الكثير من الوقت والتكلفة، مما يحد من انتشار الفساد الإداري.
وتعبر الخدمات الإلكترونية عن نمط من أنماط الحكومة الرقمية حيث تمثل الإنتقال من التعامل التقليدي مع الجمهور إلى طرق جديدة تراعي فيها اهتمامات الجمهور والتوجه نحو ارضائه، وذلك عبر سرعة تقديم السلع أو الخدمات إلى جانب جودتها وقلة
تكلفتها، مع التأكيد على تقليل التفاعل بين المستفيد من الخدمة والموظف القائم على تقديمها، وذلك من الآليات التي تمكن من الحد من الفساد.
تؤثر الخدمات الرقمية على الفساد الإداري في المرافق العامة عن طريق حفظ بيانات رقمية مفصلة عن المعاملات الرقمية، لتحقيق إمكانية المتابعة في حالة عدم الإلتزام بالإجراءات التقنية والإدارية ، والتقليل من السلطة التقديرية للموظفين، مما يحد من فرص استغلال المنصب الوظيفي.
ويمكن للخدمات الرقمية أن تجسد مضمون الشفافية عن طريق:
- الإلتزام بتزويد المواطنين ومكونات قطاع الأعمال بالبيانات والمعلومات والأنظمة والتشريعات.
- حق مشاركة المواطنين ومكونات قطاع الأعمال في إدارة الشؤون العامة ورسم السياسات والأنظمة والتشريعات واتخاذ القرارات.