حين تتحول القوة إلى نقطة ضعف

حين تتحول القوة إلى نقطة ضعف

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

حين تتحول القوة إلى نقطة ضعف

(امتلاك القوة يُغني عن استخدامِها) هكذا تقول استراتيجيات الحرب. بل قد نُقِلَ عن (سعد زغلول) ما هو أبلغُ من ذلك، إذ يقول: [الهدف من القوة؛ هو منع استخدامها]! فمتى امتلكتَ القوةَ الحقيقيةَ الفعالةَ؛ فإنك - على الأغلب- لن تحتاجَ أن تلجَأ إليها يوما! وبتعبيرِ سعد: فإن الفائدةَ منها، هي ألا تحتاجَ إليها. فهي الشيء الوحيد الذي متى فقدته؛ احتجتَ إليه، ومتى كانَ بحوزتك؛ استغنيتَ عنه، وسوف يلي تفصيلُ ذلك. ولكن امتلاك القوة قد يكون مدعَاةً للضعف، وقد تكونُ القوةُ ذاتها سبيلا لتدمير صاحبها عوضا عن بنائه! كناطحة سحابٍ مُنيفَةٍ في أديم السماء، ثم آلت للسقوط، فما من ذلك بد، إذ لكل شيء إذا ما تم نُقصان! 

القوةُ تعني النفاذَ إلى المطلوب

القوة في ذاتها من المعاني الإيجابية، فهي ضد الضعف والهشاشة والخَوَر، وفيها معنى الطاقة والصلابة والقدرة والبأس، وحسبك من فضل شيءٍ أن يكونَ نقيضَه: الخَوَرُ والضعفُ والعجزُ! وليس أدلَّ على فضلها من أن يصفَ الحق سبحانه بها نفسه، فيقول: إن ربك هو القَوِيُّ العزيز. وهناك قوة الجسد، وقوة العزيمة، وقوة المال، وقوة الجاه والسلطان، وقوة العزوة والنسب، فهي في تأويلها توحي بالنفاذ إلى المطلوب والخلوص إلى المرغوب، إذن فهي إيجابية باعتبار متعلَّقِها، أي بالنظر في هذا المطلوب والمرغوب، فإن كانَ خيرا فخيرٌ، وإلا فهناك القوة الغاشمة المُغترة، وهناك قوة لدى البعض على انتزاع حقوق الناس! وهناك قوة في فرض الباطل بحد السلاح!

هل القوة صفة إيجاب أم سلب؟ 

الأصل في القوة هو الحسن والفضل، فمتى أُطلِقَت؛ كانَ المرادُ هو معناها الإيجابي المحمودَ، أما إن تم تعيينها؛ فإنها تُحمَلُ على ما انصرَفَت إليه، وبيانُ ذلك فيما يلي:

إذا أردتَ أن تعرف إن كانت صفةٌ محمودةً أو مذمومة؛ فاعزُها إلى نفسك، وانظر كيف تجدك. فلو قال لك إنسانٌ: أنت شخص قوي، بماذا تشعر؟ ولو قال لك غيره: أنت إنسان ضعيف، فإذا انشرح صدرك للأولى وضاق بالثانية؛ فاعلم أن الحسنَ في الأولى ذاتي، والسوءَ في الثانية ذاتي أيضا، لأنك ستفرح حتى من قبل أن يخبركَ في أي المواطن بالتحديد أنت قوي، وستحزنُ أيضا إذا نُسبتَ للضعف دونَ أن يُقالَ لك: أنت ضعيف في كذا وكذا. 

والقوة بهذا الاعتبار حسنةٌ دونَ النظر في الجهة التي تنصرف إليها، وهذا التوصيف ليسَ دقيقا؛ إلا باعتبار الإطلاق (أي بشرط ألا يتم تحديد المَواطن التي تنصرف إليها القوة).

بتعبيرٍ آخرَ؛ إذا أطلقَ إنسانٌ وصفَ القوة؛ فهو لا يُريد إلا معناها الإيجابي، لأنها ذاتية الحُسن في جميع أشكالها؛ سواء كانت قوةَ الجسم، أو قوة السلاح، أو قوة التعبير والبيان.. إلخ. ولكن المهم هو الوجهة التي ستسلكُها القوة بعد ذلك. بدليل أنه لو قيل لك: أنت قوي في أكل أموال الناس بالباطل، أو في بذاءةِ اللسان، فإنك لن تَستَملِحَ ذلك! ولو قيل: إنك قويٌّ في رد الحقوق إلى أهلها؛ فهو من القوة المحمودة. وكذا لو قيل: إن أمريكا دولة قوية، فلا يخطر على الذهن أن المتحدث يقصد ذم أمريكا بنسبتها إلى القوة! إلا في حالةٍ واحدة؛ وهي أن يُتمَّ كلامَه فيقول: إن أمريكا دولةٌ قوية في الاستعمار، واحتلال الشعوب والبلدان!

ومن أدلة فضل القوة وحسنها الذاتي أيضا؛ قول النبي صلى الله عليه وسلم: المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير. فحسبك من الفضل هذا الوصف؛ فهو من جهة خيرٌ لصاحبه، ومن جهة ثانية أحب إلى الله، وما دامَ محبوبا إلى الله فنعما هو. 

القوة تشبه السكين تماما، أو الآلةَ بصفة عامة، فهي ما صنعت إلا للانتفاعِ بها؛ فهي شريفةٌ في ذاتها، وشرفُها في كونها ذاتَ غاية، فلو افترضنا أن لديك بالمنزل آلةً؛ فهي لن تكونَ إلا نفيسةً، حتى وإن لم تستعملها على الإطلاق، بدليل أنك ابتعتَها بالمال، ويمكنك أيضا أن تبيعها بالمال. ولا يقدَح فيها أن يُساء استعمالها، وإنما يكون القدح في المستخدم نفسه، ومع ذلك، فلا جُناحَ أن يقالَ عنها آلةٌ سلبيةٌ على سبيل المجاز دونَ الحقيقة، وإلا فهي عجماء لا تعقل، عاجزة لا تفعل، إلا أن يُفعَلَ بها! فكذلكَ القوة؛ الأصل فيها الشرف والفضل، فإن عَمَدَ الإنسانُ إليها فاستعملَها في البطش والظلم؛ فالقدحُ فيه والذم راجع إليه، وإن كانَ لا مانعَ أن توصف قوته تلك بأنها قوة غاشمة (على سبيل المَجاز كما بينَّا). 

وإليك هذا المثال: حين آلَت الخلافةُ لأبي بكر رضي الله عنه، بعد وفاة النبي صلى الله، خطبَ في الناس، فكانَ مما قال في خطبته: والضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله. فكأنه قال: لن يحولَ ضعفُ الضعيف بينه وبين حقه، لأنه سوف يكتسب من قوة الخلافة وهيمنة السلطة الحاكمة ما يُعيد إليه حقه، وكذا فإن قوةَ القوي سوف تتحول إلى قمة الضعف إذ يُناطُ به أن يواجه الخلافةَ برمتها، وليسَ الشخصَ المظلومَ فحسبُ! فها هنا قوتان؛ قوةٌ ظالمة تدعي الحق لنفسها، وقوة عادلةٌ أكبر منها تعيد الحق المغتصبَ إلى أهله، وكلاهما فيه معنى النفاذ إلى المطلوب، ومع ذلك فهما طرفا نقيض! إحداهما قوة توسَم بالحسن والأخرى بالقبح، والأحرى أن يُعزَى الظلم إلى الظالم، وليسَ إلى ما لديه من القوة. 

فكأن القوةَ الإيجابيةَ هي القوة العادلة، والعدلُ هو وضع الأمور في نصابها، فمتى انصرفَت إلى المحل اللائق فهي حسنة، وهي من العدل، وما عدا ذلك فهو الحَيفُ والجَورُ، بل إنَّ إغمادَ سيفِ القوةِ في الموضع الذي ينبغي أن يُشهَرَ فيه؛ لَهوَ من الجَورِ أيضا! فليسَ الظالم هو فحسب من يستعملَ قوته في سلب حقوق الآخرين، ولكنه أيضا مَن يتخاذلُ عن نصرة المظلوم وهو قادرٌ أن ينصرَه. وحسبك في التدليل على ذلك؛ ما قالَ الصديق للفاروق: أَجَبَّارٌ في الجاهلية، خَوَّارٌ في الإسلام! فكأنه قالَ له: إني لأربأ بك يا عمر أن تضعَ القوةَ في غير موضعها، أو أن تخلي الموضع منها؛ حين ينبغي أن تُوضَع فيه. فإحلالُ القوة موضعَ الضعف، أو الضعفِ موضعَ القوة؛ كلاهما ليس من الإنصاف! ونظيرُ ذلك؛ قولُ المتنبي: 

 وَوَضْعُ النَّدَى في مَوضِع السيفِ بالعُلا     مُضِرٌّ كوضعِ السيفِ في مَوضِع الندى

وقد يكون الضعفُ هو أبلغَ القوة! ألم تَرَ أن الرأفةَ والرحمةَ والرقة والرفقَ والشفقةَ والرهف؛ معاني تنبثق عن الضعف؟ ولكنها مع ذلك منتهى القوة، لاسيما إن هي نزلت في مواقعها. ووجه ذلك؛ أنها قوة شعورية تُحرِّك صاحبها نحو الإحسان بمن يستحق الإحسان، فهي انفعالُ القلب في الجهة اللائقة، ولا شكَّ أن القلبَ العاجزَ لا ينفعل؛ إذن فالرحمةُ من القوة بهذا الاعتبار. فالذي يرى مريضا يفت السُّقم في أحشائه، ثم لا يتألم له؛ ليسَ رحيما، ولكنه ليسَ قويا أيضا، لأن الرحمةَ من شمائل القوي دونَ الضعيف، فالجماداتُ أيضا لا تَرقُّ لأحد، فالرحيمُ هو الحي، والغليظ القلب يشبه الأحجارَ، لأن الرحمةَ صفة حياة، والقسوة صفة موت! ألم ترَ أن اللهَ قال: ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة، ثم استطردَ في التدليل على أن قلوبَهم كانت أغلظَ من الحجارة فقال: وإن من الحجارة لَمَا يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يَشَّقَّقُ فيخرج منه الماء وإن منها لَما يَهبط من خشية الله. فكأن الرقةَ والرحمةَ هنا برهان على قوة الحياة، بخلاف ما يظن بعض الحمقى من أنها علامة على ضعف البأس والشكيمة! 

وثم ملمح آخر؛ وهو القدرة على توجيه زمام القلب نحو شعورٍ معين؛ فالقوي فقط هو الذي يستطيع ذلك! ألم تقرأ قولَه تعالى: واخفض لهما جَناحَ الذلِّ من الرحمة؟! فإن أقواما يُدفدفونَ بأجنحة العز في مواضعَ، يحسبونَ أنهم أعزاء، وهم إلى الذل أقرب! 

وكانَ اللهُ قَويًّا عزيزا

فإن قيل: وكيفَ يكون وصف الله لذاته بالقوة - دونَ تحديد متعلقِها- يُعد أمرا حسنا؟ فالجواب من وجوه ثلاثة:

الأول: أن صفاتِ الله تعالى كلها حُسنَى، بخلاف صفات البشر 

والثاني: أن المتعلق في حق الله لا ينصرف إلا إلى حكمة وخير، فهو سبحانه قوي في الجهة اللائقة، ورحيمٌ في الجهة اللائقة أيضا. 

والثالث: أن الأصلَ في سمة القوة هو الحُسن؛ إلا أن يساءَ توجيهها (كما تقدم). ولما كان الله تعالى أحكمَ الحاكمين؛ فمحالٌ أن يُسيء توجيهَ قوته. فهي لديه على أصلها من الجمال والحسن والسمو الذاتي. بمعنى أنه - تقدس وتبارك- لن يستعملَ قوتَه في البطش بالصالحين، ولن يدخل بها مستحقا للجنة النارَ، فهو نعم فعال لما يريد، لكنه في الوقت نفسه لا يريد إلا الحكمة. 

لماذا يغني امتلاك القوة عن استعمالها؟ 

١- في استراتيجيات الحرب يقولون: أن امتلاك القوة؛ يُغني عن استخدامِها. وهذا هو معنى الإرهاب النافع (دونَ إرهاب التطرف الذي تحذر منه الميديا)، فالإرهابُ النافع يستغني بوجود القوة عن استعمال هذه القوة، فحسبك أن تكونَ قويا حتى لا تُؤكَل، ولا يلزمك أن تقتل وتشرد وتسفك الدماء، ولكن فقط أن تُشهرَ سيفَ القوة في وجه العدو، أن تُشيرَ بعصا الزجر دونَ أن تضربَ بها، أن تحتمي خلف جدارٍ من الرُعب يكفي أحيانا في وأدِ مطامع العدا في النيل منك، يكفيك أحيانا أن تكونَ من عائلة كذا، أو ابنَ فلان حتى لا يطمعَ الذي في قلبه مرضٌ في إشهار سهام الإساءة نحوك. فهو حتى لن يُحدِّثَ نفسَه أن يعتديَ عليك، لا لأنكَ ظالم أثيم، ولكن فقط لأنك قوي بما يضمن صد الاعتداء، وقلبَ الأمور رأسا على عقب؛ إن فكر هو في العدوان. ألم تَرَ أن اللهَ قال: وَأَعِدُّوا لهم ما استطعتم من قوةٍ ومن رِباطِ الخيل، ولكن العجيب أنه ما قالَ بعدها: تقتلونَ به عدو الله وعدوكم، وإنما قال: تُرهبون. 

٢- وامتلاك قوة المال؛ يُنيخ القلوبَ عند رحالِ الغني، ويكسبه هيبةً ووقارا، ليس بالضرورة طمعا في النوال، ولكن لأن للمال قوةً؛ تقذف الرهبةَ في القلوب، كما تفعل قوة السلاح. كما جاءَ في نَظمٍ يُعزَى لعلي بن أبي طالب، وقد عزاه آخرونَ للشافعي: (رأيتُ الناسَ قد مَالوا إلى مَن عنده مال. رأيت الناس قد ذهبوا إلى مَن عنده ذهب. رأيت الناس مُنفضة إلى مَن عنده فضة) 

٣- وللحُسنِ وجمال الوجه والملامح قوة كالسحر، تخلب الأفئدةَ فُتغني صاحبها أحيانا عن كثير من الكلام، وتخلع عليه من الوقار الذي لا يبعد أن يتبدد عند أول كلمة يتلفظ بها! 

٤- وللسانِ قدرة على الرفع والخفضِ، والتحسين والتَّقبيح، والهداية والإضلال.. فَرُبَّ سليطِ اللسان، بذئ القول، فاحشِ الكلام؛ كان امتلاكُه لهذه القوة السلبية كالدرع الذي يتقي به انتقادَ الآخرينَ له، فإن أحدا لن يتعرضَ له بنقدٍ، لا لأنه خالٍ من المثالب، وإنما خشيةَ أن يؤذيهم بلسانه الفاحش، وشَرُّ الناس مَن يتقيه الناس لفُحشِه! 

٥- وللعلم قوةٌ؛ حسبك منها؛ أن الله نعتَهَا بالسلطان، في غير ما موضع، من بينها قوله: أم أنزَلنَا عليهم سُلطانًا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون، وقوله: إن عندكم من سلطانٍ بهذا. فأما السلطان فتارةً يطلق على الملك أو الوالي، وتارةً على القهر والغلبة، وثالثةً على الحجة والبرهان والدليل، والذي يجمع هذه الأمور هو القوة. فصاحبُ العلم يمشي في الناس وعليه طيلسان الهيبة، وإن كانَ في رديم الثياب، وله رِكَابٌ من العز، وإن مَشى مُتَرَجِّلا، كأنما أبى الله إلا أن يخلعَ عليه من المكانة ما لا يكون إلا في الملوك والأمراء! هذا وإن سُلطَانَه ليسَ في حَدٍّ أو حَديد، ولا ثيابٍ مبهرجةٍ أو عيشٍ رغيد، بل فيما بين أعطافِه من العلم. فَيتَهيبه الناسُ وهو بسيطٌ متبسط، لا فاحش ولا بذئ، ولا يُلَوح بعصا ولا صولجانٍ ولا سوط، ولكنها الرفعة التي شاءَ الله أن يبوئه إياها حين قال: يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أُوتوا العلمَ درجات.

متى تتحول القوة إلى نقطة ضعف؟ 

عندما تُصابُ القوةُ بالغرور، فإنها تستحيل ضعفا ولابد. وبرأيي أن هذا هو السبب الوحيد وإن تفرعت عنه أسبابٌ أخرى. فمثلا، قد ذكرنا أن فاحش اللسان لديه من القوة ما يحميه من النقد، ولكن هذا عو عين ضعفه، إذ يتقيه الناس أن يتعرضوا له، فلا ينتفع منهم بنصيحة، ولا يقف منهم على علة كائنة فيه، فيحسب أنه بخير، وهو في ضلال بعيد! فهنا تكون القوة بذاتها هي الضعف بذاته! فإن قُلتَ: وهل فاحش اللسان هذا قد أُتِيَ من مَقتَلِ الغرور؟ فالجواب: نعم، لأن الغرورَ هو تخايل الأمور على غير ما هي عليه، وهذا ظنَّ أنما يحتمي خلفَ فُحش لسانه، والواقع أنه لم يكن يحتمي إلا من الخير، ولا يزودُ عن نفسِه إلا أسبابَ نفعه! 

ثم إن الغرورَ قد يُصوب القوةَ إلى جهةٍ مختلة! وقد ذكرنا أن القوةَ حتى تظل على أصلها من السمو والفضل، فلابد لها من قيد. بيدَ أن التنصلَ من هذا القيد - قيدِ تحسين القوة بحسن الوجهة التي تنصرف إليها- قد ينقلها من الفضل إلى الذم، ويُحيلها من معنى النعمة إلى معنى النقمة، ومن كونها شميلةً حسنةً إيجابية، إلى صفةٍ قبيحةٍ سلبية. فقوةُ الإقدام في موضعها شجاعة، وفي غير موضعها تهور وسفاهة. وقوة اللسان فصاحةٌ وبيانٌ وبلاغة، أو هي فظاظةٌ وفُحشٌ وسوء أدب. وقوة المال في سبيلها الأمثل كَرَمٌ وسخاءٌ وإصلاح، وفيما دونَ ذلك؛ تجبر وإفسادٌ في الأرض، وهلم جرا. فالمرتزقة مثلا هم قومٌ جَلَبَهم إلى ساحة النزال قوةُ المال، ولكنهم لا ينبعثونَ عن رغبة في الإصلاح، ولا في الإفساد أيضًا، بل وحسبُ عن رغبةٍ في العطاء والنوال، فاستحالت القوةُ الموجِّهةُ لسلوكهم إلى فعل ما لا ينبغي، فكانت عليهم وبالا، وهي في أصلها نبيلةٌ! 

بين قوة الجَنانِ وقوة السنان

وللقلبِ قوةٌ أيضًا لا تقل في أهميتها عن قوة الخارج؛ من الجسد والمال والموارد والسلاح؛ فقوة القلب هي قدرته على ضبط النفس، وحَدُّهُ بحدودٍ تمنع استخدام قوته في الطغيان والاعتداء والظلم، فهو ينعقدُ على قوتي الإقدام والإحجام، فأما واحدةٌ فهي قوة جلب المنافع وتحصيل الرغائب، وأما الثانية فهي قوة دفع المضار، وتوقي المكاره، وبحسب قسطه من كلا القوتين تكون حركته. 

ألا وإن الرجلَ لَيُعطَى من القوة في المال، والبسطة في الجسم، والنضرة في الوجه؛ ما يدعوه لا إلى شُكر النعمة، ولكن إلى الاغترارِ بها! فهو العزيز الكريم، الحسيب النسيب، الوضاء الجميل، يكادُ ينعَصِرُ من النعمة لِينًا، فهو السمين من غير علة، الأبيض من غير سوء، تعرف في وجهه نضرةَ النعيم، وتستدلُ بالمشهودِ من ترف ظاهره؛ على ترفٍ أعظمَ يترفل في باطنه، يرفُّ رفيفا مما نشأ في ظلال التدليل. إذا نظرتَ إليه؛ حضرتَك صورة فتاةٍ مدللة غضة بضة، لسانُ حالها: 

مُنَعَّمَةٌ لو يَدرُجُ الذَّرُّ ساريًا       على جلدها بضَّت مدارجُه دَمًا

بيدَ أن حُسنَ الظاهر لا يستوجب أَلَقَ الداخل، وبياضُ الوجه ليسَ برهانا على نقاء السريرة، فكم من إنسانٍ يتوهج محياه بالنور، وبين عطفيه قلبٌ أشد سوادًا من قطع الليل المظلم، كأن هذا القلب في قتامته وحلوكه من جملة الأحباش! فذاك أبيض، وهذا مكفهر عَبُوسٌ أسود، الوجه يترقرقُ بالنور، والقلب يتخبط في شعب الظلام! 

ألا وإن السفيهَ حين يُعطَى من أسباب القوة ظاهرَهَا (قوةَ الموارد والمال والجسم والنسب) ويُحرَمُ من أصلها النبيل السامي (المتمثلِ في قوة القلب)؛ فإنه يعلو بها وهو في ذاته وضيعٌ رِعديدٌ، ويتجبر بامتلاكها وهو من دونها في فَرَقٍ بعيد! فتراه صَلِفًا تَيَّاهًا يطمعُ أن يَخرِقَ الأرضَ أو يبلغَ الجبالَ طولا، يَتَنَبُّلُ في نفسه وهو في القياس ليس نبيلًا، ويشمخ شموخ الأطواد، ويَئطُّ أطيطَ الرحالِ، كأنما ثَقُلَت عليه العظمةُ؛ فجعلَ ينوء بها، ويُناشِدُ مَن يَليه أن يقوموا لعظمته إكبارًا وإجلالا. 

فإذا مشى في الأرض؛ مشى مُتَهزِّعًا مُتَبَختِرًا مُتَقَلِّعًا مُختَالًا، كأنما يتحدر من صَبب، لا لُيُحاكِيَ مِشيةَ النبي صلى الله عليه وسلم - فهو عند نفسه أعظم منه وأكمل- ولا تحليا بالنشاط وعزوبا عن التماوتِ، ولكن لأنه من العظمة بمكان، ومن السؤدد إلى الغاية! فلا يصلح لمن هو في مكانه - ومَعَاذَ اللهِ أن يكون أحدٌ في مكانه- إلا أن يسيرَ متعجرفا فخورا! 

وكأنه مُشتَقٌ من عناصرَ آخرى غيرَ الماء والتراب، وله طبيعةٌ بخلاف طبائع البشر، فهو أقرب - في خُوِّيصَةِ نفسه- إلى جنس الملائكة؛ في أنه مصنوعٌ من النور، أو إلى جنس الشياطين؛ في أنه يفورُ فَورَانَ النار بكبريائه وسموه، غير أنه خيرٌ من الجنسين؛ إذ هكذا سَوَّلَت له نفسُه، وليسَ لأن لديه على ذلك برهانا. فلا جرمَ تنعقدُ النفسُ أحيانا على ما هو معلوم البطلان بالضرورة، وتُناهِضُ مُسلماتِ المنطق؛ أَنْ كَانت هذه تخبرها بخلاف ما تَهوَى! فهو - في نفسه- ليسَ لِدَةً بين لِداتِه، ولا تِربًا بين أترابه، بل هو أصلٌ وهم فروع، هو نبع العظمة وهم جداول تنبثق عنها، ولا شيء فوقَ هذا فيما يخصهم، أو دونَ ذلك فيما يخصه! 

هُنالك تستحيل القوةُ في حقه ضعفا! لأن الغرورَ مثلبة، يُضَخِّم الرؤيةَ ولكن في اتجاهٍ واحد، فلا يرى المغرورُ من الدنيا إلا صورةَ نفسه، أو لا يرى الدنيا إلا بمنظارٍ من صنيعته، أو - إن شئتَ- فَقُل: هو أعمى كفيفٌ، فلا جرمَ لا يُبصر شيئا في الخارج، فَتتبَجَّحُ فيه أخيلةُ الوهم وأشباحُ العظمة! ومتى احتبسَ المرء في شرنقة ذاته، وغدت نفسُه أرضَه وسماءَه؛ فقد أوشكَ أن يكونَ تدبيرُه تدميرَه، وقد اخلولقَت قوتُه أن تبور ذاتها تبويرا. فلا غرو أن يتعَثَّرَ مَن تصعر! وكأنَّك بأبي إيليا يُناجِي إنسانًا من هذا الصنف، فيقولُ له:

نَسِيَ الطينُ ساعَةً أَنَّهُ طينٌ   حَقيرٌ فَصالَ تيها وَعَربَد

وَكَسى الخَزُّ جِسمَهُ فَتَباهى   وَحَوى المالَ كيسُهُ فَتَمَرَّد

يا أَخي لا تَمِل بِوَجهِكَ عَنّي   ما أَنا فَحمَة وَلا أَنتَ فَرقَد

ثُمَ جَعلَ يمسح عنه الفضائلَ واحدةً بعد أخرى، ويُجرده من مظانِّ العظمة التي تخايلَ أنها منه كالأصل من الأصل، أو كالقلب من الجوارح؛ كلاهما لا قيامَ له إلا بالآخر، فقال:

أَنتَ لَم تَصنَعِ الحَريرَ الَّذي   تَلبَس وَاللُؤلُؤَ الَّذي تَتَقَلَّد

أَنتَ لا تَأكُلُ النُضارَ إِذا جعت   وَلا تَشرَبُ الجُمانَ المُنَضَّد

ثم أسلمَه إلى الحقيقة التي لا ملاذَ منها؛ وهي أنه إنسان كجملة الأناسي، لم يكن يزيد عليهم إلا بتلك الأطمار من ثياب العز، فلما أن خَلَعَها صارَ من جنس مادتهم:

أَنتَ في البُردَةِ المُوَشّاةِ مِثلي   في كِسائي الرَديمِ تَشقى وَتُسعَد

لَكَ في عالَمِ النَهارِ أَماني        وَرُؤًى وَالظَلامُ فَوقَكَ مُمتَد

وَلِقَلبي كَما لِقَلبِكَ أَحلامٌ        حِسانٌ فَإِنَّهُ غَيرُ جَلمَد

أَأَمانِيَّ كُلَّها مِن تُرابٍ             وَأَمانيكَ كُلَّها مِن عَسجَد

وَأَمانِيَّ كُلُّها لِلتَلاشي            وَأَمانيكَ لِلخُلودِ المُؤَكَّد

لا فَهَذي وَتِلكَ تَأتي وَتَمضي    كَذَويها وَأَيُّ شَيءٍ يُؤَبَّد

فالغرورُ يُحيل القوةَ ضعفًا من وجوه:  

# التعامي عن الحيطة: 

فلعمري إنَّ المغرورَ ضعيف وإن بدا قويا، وسر ضعفه في ذات قوته، لأنه لن يأخذ من أهبة الاستعداد مأخذه، وربما اتكلَ على ما يعلم، فبدا له من الأمور ما لا يعلم. وهو مُشمَعِلٌّ مرتفع؛ ولكن فوقَ كثيب أهيل! باسقٌ كالنخيل؛ ولكن في خيالاته فقط! يتقلب في ثريات المجد، ولكن في طائفٍ من أوهامه! ويوشك إذا انخرطَ في جادة الأمر؛ أن يخر الكثيبُ فتراه قاعًا صفصَفًا لا ترى فيه عِوَجًا ولا أَمْتًا، وتتهدى سُباطاتُ مجده كأنها أعجاز نخلٍ مُنقَعِر، وتهوي ثُريات كبره فتصير أثَرًا بعد عينٍ! 

# وهم الاستغناء الذي يُعرض صاحبَه لغضب الإله:

من مساوئ القوة أنها مدعاةٌ للتكبر، فيظن صاحبها الاستغناء وليسَ لديه إلا صورةُ الغنى، لأن الأصلَ فيه الضعفُ وليسَ ما تراءى له من القوة، بدليل قول الله تعالى: وُخلق الإنسانُ ضَعيفًا، فهذا أصل وتلك ثياب، هذه جِبِلَّةٌ وتلك تَصَنُّعٌ! ومتى استغنى امرؤ بما يلبس، وتخطرَ الطرف عما يكتنف؛ فقد أُتِي من حيث لا يشعر. 

الغرورُ مفسدَةٌ للقوة وهو أول أسباب زوالِها، لأنه مُحادَّةٌ لله وانشقاقٌ على ذاته العلية. ألم ترَ أن عَادًا قد بلغوا أَوجَ القوة في زمانهم، وكانَ لهم من العماد ما لم يُخلَق مثله في البلاد، فقالَ الله فيهم: فأما عادٌ فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا مَن أشد منا قوة أَوَلَم يَرَوا أن اللهَ الذي خلقهم هو أشد منهم قوة وكانوا بآياتنا يجحدون. فأرسلنَا عليهم ريحا صَرصَرًا في أيام نَحِسَاتٍ لِنُذيقَهم عذابَ الخِزي في الحياةِ الدنيا ولعذابُ الآخرة أَخزَى وهُم لا يُنصَرون. فعذبهم الله بهواءٍ يتحرك، له صوت يصدر عن حراكه، فهل ترى أشدَّ خِزيًا من ذلك؟ وإن تعجب فعجبٌ أن ينازِعَ مخلوقٌ خالقَه، أو يشمر عاقل لمحاربة ربه! فالكبرياء والعظمة هما رداء الله وإزارُه كما وردَ في الحديث القدسي فمَن نازَعه واحدا منهما قصمَه ولا يبالي. 

# عمى البصيرة

وفوقَ ما يُثيره الغرور من غضب الرب؛ فإنه يُعمي البصيرةَ، أو على الأقل يُقلص الرؤية، فيتعامى المغرور بأسباب قوته؛ عن أسباب ضعفه، ويغتر بما لديه؛ عما يفتقر إليه، فإن كانت قوته في علمه؛ فقد يستكفي بما عنده متناسيا أن العلمَ بحر لا ساحلَ له! وإن كانت قوته في عدده وعتاده؛ فقد ينصرف بهذا التضخم الظاهر عن مواطن العلة والعطب. وأقرب مثالٍ على ذلك؛ هو ما حدثَ لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة حُنين، وهم مَن هم في الفضل والشرف، ولكنهم في ذلك اليوم أعجبهم ما لديهم من القوة، وغرتهم الكثرة الكاثرة، وقالوا: لَن نُغلَبَ اليومَ من قلة! فقالَ الله يصف حالهم يومئذ: ويومَ حُنَينٍ إذ أعجَبَتكُم كَثرتكم فَلَم تُغنِ عنكم شيئا وضاقَت عليكم الأرضُ بما رَحُبَت ثم وَلَّيتم مُدبرين. 

ثم إن تتابعَ النصر؛ قد يؤدي إلى الثقة المفرطة، ومن ثم الغرور المهلك. في عام ١٨١٢ م، وبعد سلسلة من الانتصارات المذهلة؛ قرر نابليون بونابرت غزوَ روسيا بجيش عرمرم، ولكن الثقة المتهورةَ أنسَته عواملَ الطبيعة - أو إن شئتَ فقل جعلته يظن بنفسه أنه على كل شيء قدير! - فجعل يتوغل بعمق إلى داخل الأراضي الروسية، ولم يُبالِ بالأعاصير الثلجية والشتاء القارس، والأراضي الوعرة، فأنهكَ الجيشَ وماتَ منه زهاء نصف مليون إنسان بالبرد، أو الجوع، أو الأمراض الفتاكة، أو هجمات الروس الضارية! ورجع بأقل من سدس قوته مهزوما يجر أجيال الخيبة! وكانت هذه المعركة هي بداية النهاية لحكم نابليون. وغدت تُضرَبُ مثالا على سوء التقدير الاستراتيجي، ولم تمضِ إلا سنواتٌ قلائل حتى حُوكِمَ نابليونَ وعُزل من الإمارة! 

الخاتمة 

إن القوةَ متى أطلقت؛ فهي حسنة فاضلة. ومتى تم تحديدها؛ فهي بحسب ما انصرفَت إليه. وهي حين لا تُخطَم بلجام الحكمة؛ تغدو تهورا، وحين لا تتشح بوشاح التواضع؛ تستحيل غرورا، وحين تتخاذل إبانَ الحاجة إليها؛ تكون تهوكا وجبنا. فإلى كل ذي قوة أقول: إن قوتك نِحلَةٌ، قد عهد إليك مَن أعطاكَها ألا تتحيفَ بها عن مواضع البر، وإلا رجعت عليك وبالا وشؤما! ألا وإن شكر النعمة أن تستعملها في الخير، وشكر القوة أن توجهها في النفع. 

 

التعليقات ( 0 )
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق
مقال بواسطة
Abdelhameed Moustafa تقييم 5 من 5.
المقالات

7

متابعهم

4

متابعهم

5

مقالات مشابة
-