في هذا المقال
نحن جيل الخندريس…

إذا أردت أن تبدأ نقاشاً حاداً ينتهي بـ "أزمة أجيال" في صالون منزلك، ما عليك سوى إطلاق الزفرة الشهيرة: "على أيامنا..."! سيلتفت إليك الأبناء بنظرات تجمع بين الملل والشفقة، وكأنك ديناصور نجا بالصدفة من العصر الطباشيري. لكن الحقيقة التاريخية التي لا يمكن تزويرها هي أننا كنا جيلاً عجيباً؛ كنا الجيل الوحيد الذي كان يرى في المدرسة طوق نجاة، ومهرباً آمناً من "ديكتاتورية البيت"!
اليوم، ينظر طلاب المدارس إلى بوابة المدرسة وكأنها مدخل لقلعة "بريزون بريك". يبدؤون صباحهم بالدموع، وينهونه بالتخطيط للهروب نحو أقرب "سايبر" (مقهى إنترنت) أو الاختباء خلف شاشات الهواتف للعب "ببجي". أما على أيامنا؟ فقد كان الهروب إلى المدرسة هو قمة المتعة الروحية والجسدية.
"البيت" حيث لا مكان للاختباء!
لم تكن بيوتنا على أيامنا منتجعات صحية؛ لم يكن هناك غرف مستقلة لكل طفل، ولا مكيفات هواء، ولا ثلاجة تفتحها كل خمس دقائق لتجد فيها ما يسر خاطرك. الأهم من ذلك كله، لم يكن هناك "إنترنت" يجعلك تعيش في عالمك الخاص.
كان البيت عبارة عن ساحة عمليات مفتوحة تحت إدارة "الوالدة" – أطال الله في عمرها – والتي كانت تمتلك راداراً خارقاً يكتشف أي كائن يجلس دون عمل. الجلوس في البيت كان يعني حتماً: "قم ساعد أخاك"، "اذهب واشترِ الخبز"، أو الأسوأ: التعرض لحملة استجواب مفاجئة عن سبب رسوبك في مسابقة الرياضيات الشهر الماضي. لذلك، كانت الاستيقاظ في السادسة صباحاً والهروب نحو المدرسة هو الحل المثالي للاختفاء عن الأنظار لست ساعات كاملة!
المدرسة: المنتجع الصيفي المجاني
في المدرسة، ورغم قسوة بعض المعلمين وطاولات الخشب المقشرة التي مزقت بناطيلنا، كنا نجد حريتنا!
هناك تلتقي بـ "شلة الأنس"، تتبادلون السندويشات (التي كانت عبارة عن زعتر أو لبنة حصراً)، وتناقشون أحداث حلقة "الكابتن ماجد" أو "جريندايزر" البارحة وكأنها قضية أمن قومي. كانت ساحة المدرسة هي ملعبنا الأكبر، والركض وراء كرة بلاستيكية مهترئة تحت أشعة الشمس الحارقة كان يعادل لدينا الفوز بكأس العالم. كنا نلعب حتى تتقطع أحذيتنا، ونعود للمنازل بوجوه مغبرة وركب مجروحة، لكن بروح معنوية ناطحة للسحاب.
جيل "السايبر" والوجبات السريعة
قارن هذا الجيل الجميل بجيل اليوم؛ يستيقظ الطالب وكأنه يُساق إلى حتفه. يحمل حقيبة تزن ربع وزنه، ليس فيها كتب بقدر ما فيها "لانش بوكس" يحتوي على ساندويش "تيركي" وخضار مقطعة على شكل نجوم! ومع ذلك، يقضي الحصة الدراسية وهو يفكر في اللحظة التي يقرع فيها الجرس ليهرب.. ليس إلى البيت طبعاً، بل إلى "السايبر" أو ليمسك هاتفه ويبحر في عالم افتراضي منفصل تماماً عن الواقع.
اليوم، يهرب الأبناء من المدرسة لأنهم يملكون بدائل "مخدرة" للعقول في جيوبهم. أما نحن، فلم يكن لدينا سوى الواقع، فصنعنا من فقر الإمكانيات أجمل الذكريات.
الخاتمة.. رحمة الله على أيام "الطباشير"
نعم، كنا نهرب للمدرسة من البيت، لأن المدرسة كانت تجمعنا كبشر، نضحك معاً، نتشاجر معاً، ونتقاسم العقاب معاً. أما اليوم، فقد أصبح الهروب عزلة داخل عزلة.
لذا، عزيزي طالب جيل الـ "تيك توك"، عندما تسمعني أقول "على أيامنا"، لا ترفع حاجبيك ساخراً.. فنحن عشنا طفولة حقيقية، بينما أنت تعيشها "أونلاين"!
تابع جديد Orio Keem
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق