في هذا المقال
وقت مستقطع من الحرب
العالم في حاجة إلى الخلاص، إلى مُخلِّصٍ حقيقي، وليس إلى مجموعةِ حمقى يُهيأُ إليهم أن خلاصهم الجزئي أو الكلي يكون في التخلص من غيرهم عبر حروب طاحنة متتالية للدفاع عن فكرة أو موقف أو حقيقةٍ تُقنعهم أنها ميالة إليهم أكثر من غيرهم.
مقال :
كان الأجدر بـ»كيم جونغ أون»، « ترامب»و»بوتين» الاتفاق منذ زمن بعيد حول ساعة صفرٍ واحدة يضغطون فيها ثلاثتهم على ما تيسر مِن أزرارِ قنابلَ نووية، لو كنت مكانهم لفعلتُ دونما تردد ولا تهديد ولا لغط ليس يفضي سوى إلى الاستسخاف والتندر على أصحابه. لكنني مجرد كاتبة عاطفية بلهاء من دول العالم «النامي»، تؤمن بخلودها وتحققها في النزوات العابرة، وطبعا أقصى ما يمكن أن يُسمح لها به هو الضغط على زر إنذار الطوارئ في أحد المصاعد أو في أحسن الأحوال الضغط على أزرار قنابل زمنية في فيلم مليء بالخدع السينمائية.
العالم في حاجة إلى الخلاص، إلى مُخلِّصٍ حقيقي، وليس إلى مجموعةِ حمقى يُهيأُ إليهم أن خلاصهم الجزئي أو الكلي يكون في التخلص من غيرهم عبر حروب طاحنة متتالية للدفاع عن فكرة أو موقف أو حقيقةٍ تُقنعهم أنها ميالة إليهم أكثر من غيرهم. كم أَودُّ أن يفهم هؤلاء الأغبياء أن الخلاص يكون في موتٍ واحد في آن واحد، لأننا جميعا في النهاية إنسان واحد أو لأَقُلْ دمية واحدة وليس دمى متعددة، جميعنا مربوطون بخيوط، كل واحد فينا يمسك مقصه ويحاول أن يقطع خيط غيرِه عوض أن نتفق على قَطع خيوطنا دفعة واحدة بأيادينا.
لم أعش للأسف أي معركة عسكرية أو حرب، نعم أقول للأسف، لأن من يعيشون الحروب الدموية كالمحكوم عليهم بالإعدام يتخلصون من جذام الأمل ومن طاعون الأحلام وعندئذ فقط يصيرون أحرارا بحق.
ربما لم أكن محظوظة بمعاصرة أي حرب، غير إنني كنت أقل حظا، ومثلي كثر، بالتقاتل مع حروب صغيرة منهكة ومتواصلة، هي الأكثر حقارة وبشاعة بالنسبة إلي، الفسحة أو الهدنة بين حروبنا الشخصية تجعلنا نتمسك بالأمل ولا نطيق التفاوض مع الألم. ونعم، كنتُ أقل حظاً أيضا بالتعرف على بعض الناجين من حروب مخيفة في بلدانهم،شَوهت الحرب أرواحهم وحكمت عليهم بتعاسة أبدية، حولتهم إلى كائنات تخترع قشوراً جديدة لجروحها القديمة العميقة، وتنتزعها عند كل محاولةٍ من الحياة اختراقها.. كائنات تتوجس من السعادة، ولا يناسبها أكثرَ من أن تَمر السعادة بمحاذاتها لكن دون أن تراها أو تقترب منها.. كائنات غير آمنة تَعتبر كل من تصادفه مكاناَ غير آمن كذلك. مجرد تخيل كون هؤلاء الأشخاص الحاملين لِنُدبٍ غائرة من حروب عاشوها إضافة إلى نُدبِ معاركهم وأحزانهم الخاصة مرعب. هم ألغام وقنابل عنقودية تتفجر فيك دون كثير مقاومة ولا تفكير. فتجد نفسك تعيش حروبهم المزدوجة وحروبك الشخصية، ببساطة، ضحايا يصنعون ضحايا. وبالتالي لا أحد ينجو من الحرب حتى وإن لم يكن طرفاً منها في السابق فيحدث ذلك لاحقاً. لا أحد نجا، ولا أحد سينجو من الحرب مهما كان بعيداً عنها.
منذ كنت طالبة في الجامعة إبان حرب أمريكا على العراق وأنا لا أتابع الحرب ولا مستجداتها، أهرب من الأخبار ومن فيديوهات أكوام الرؤوس المجزوزة، والحياة مُدبِّرٌ جيد ولئيم قادر على أن يلهيك ويشغلك عن سواك.
قد يبدو الأمر غريباً ومجنوناً، لكنني مع بداية واستعار حرب روسيا على أوكرانيا، شعرت باستعداد وقابلية تَامَّيْن للذهاب هناك لو توفرت أي فرصة.. هنالك أبرياء يدفعون الثمن ونعرف أن الأبرياء وجدوا ليدفعوا الثمن دائما. وهاهو واضح كيف تُحفّزك حروبك الشخصية مع نفسك و مع الآخرين ومع الحياة نفسها، حروب قد تبدو للغير بسيطة وسطحية وعابرة.. كيف تدفعك لتشارك في حرب لست معنيا بها، لا لشيء إلا لتتحرر من كل شيء، لتحظى بفرصة للخلاص من يأس كثير ومن أمل كثير.
من يتفرج على أحداث أي حرب، من يسمع أخبار أي حرب، من يشمت في ألم غيره، من يتعاطف مع معاناة غيره ..كل هؤلاء يشاركون في الحرب سواء كفاعلين مُحتمَلين أو كضحايا.. لقد كانت الحرب دائما وستبقى تفاعلية، كَمِثلٍ رواية تفاعلية نكتبها جميعنا أونلاين. أما أنا فقررت من وقت طويل أن أفرض على نفسي إقامة جبرية في عالمي الخاص وهمومي «التافهة»، في اللغة والبحر والكتابة وحراسة الأبواب المغلقة والنوافذ المُشمَّعة. لكن هذا لا يعني البتة، أن عاطفية خرقاء مثلي ليست مستعدة لتلقّي رصاصة وحتى قنبلة عن أي شخص في هذا العالم مهما كان كريهاً لأنني خوافة كبيرة وحساسيتي للألم عظيمة للغاية، لستُ قادرة على تحمّل آلام الآخرين لأنها ستُشعل آلامي أضعافاً وهو ما لا أستطيعه.
تابع جديد Mouna Ouafik
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق