In this article

الحلم الذي حطم عرش فرويد و يونغ
في عام 1912م، راودت عالم النفس الشهير كارل يونغ أحلامٌ ذات ثقلٍ باطني لم يستطع لها فهماً، غير أنه منح أهمية خاصة لإحدها، إحساساً منه بأنه جاء ليكشف الحدود الضيقة التي يقف عندها منهج فرويد في تأويل الأحلام. وكان الحلم على لسان يونغ:(كنت في بلدة جنوبية في شارع صاعد مثل رصيف ضيق و كانت الساعة هي الثانية عشر في منتصف النهار - والشمس مشرقة مر بي موظف جمارك نمساوي عجوز او ما يشبهه تائها في افكاره وقال أحدهم هذا هو الرجل الذي لا يمكنه أن يموت لقد مات منذ 30 او 40 سنة لكنه لا يمكنه من التفسخ بعده فوجئت كثيراً حينها، ووصل شخص ملفت للنظر فارس قوي البنية يرتدي درعاً مصفرا بدأ صلبا وملغزا ولا يمكن لشئ ان يبهره كان يضع على ظهره صليبا مالطيا احمرا كان موجود منذ القرن التاني عشر وكل يوم بين الساعة ال 12 و ال 1 كان يسلك الطريق نفسه لم يستغرب احد وجود هذين الطيفين ولكني استغربت كثيرا).
إزاء هذا التدفق الرمزي الغامض، توهم يونغ أن حلمه قمعي ومحير، فامتنع عن استخدام مهاراته التقليدية في تفسيره، بل حتى سيغموند فرويد ذاته وقف عاجزاً عن فك شفرته حين أطلعه يونغ عليه! وهنا تتجلى مفارقة ذكية تدعو للتأمل؛ كيف لعالمين أفنيا حياتهما في تفكيك الشفرات النفسية للآخرين أن يقفا عاجزين أمام حلم على هذا القدر من الوضوح؟ إن الجواب يكمن في جدار مقاومة اللاوعي؛ فالحلم كان ينذر بالقطيعة الفكرية الشاملة، وينهي مرحلة الأب والابن الروحي بين القطبين، وكان العقل الواعي لديهما يرفض التفكير في هذا الانفصال المؤلم، فترجما التفسير الصريح للحلم على أنه غموض وكبت، لأن الحقيقة في تلك اللحظة كانت أكبر من قدرة وعيهما على استيعابها. وما كان لليونغ حينها أن يدرك أنه ينقر على عتبة بابٍ ضخم؛ بابٍ لنوع فريد من الأحلام عُرف لاحقاً بالحلم التشخيصي التنبؤي، أو ما نسميه في موروثنا الإسلامي برؤيا الحال والمآل، وما أكثر الرؤى من هذا النوع وأصدقها في مسيرة البشر.
وأمام هذا العجز الفكري المؤقت لدى قطبي علم النفس، كم تمنيت لو تسنى لي أن أكون بمكان فرويد في تلك اللحظة الفاصلة، لأخبره بأن هذا الحلم ينطوي على سرائره ويحكي قصته كاملة؛ ينطق بما يعيشه الآن ويستشف ما سيعبره في مستقبله القريب. وكنت سأفسر له حلمه قائلة: (كنت في بلدة جنوبية: أي منطقة مألوفة تشعره بالدفء و الحنان عكس الشمال البارد و بهذا الحلم يبين له الحال التي هو فيها اي حدود المألوف. في شارع صاعد و ضيق كالرصيف: طريق واحد فقط للأعلى ضيق اي قلة السالكين. كانت الساعة هي الثانية عشر في منتصف النهار-والشمس مشرقة: اي شئ واضح لكل الناس. فجأة مر بي موظف جمارك نمساوي عجوز: يقصد فرويد شبهه هنا بموظف الجمارك لان موظف الجمارك مهمته المنع والسماح وهنا يكشف عن اهمية تفسيرات وابحاث فرويد عند يونغ حيث يحمل كل تفسيراته وابحاثه محمل الجد وكثيراً يعتبرها مسلمات! تائه في افكاره: فرويد كان مفكر وباحث. قال احدهم بجانبي هذا هو الرجل الذي لا يمكنه ان يموت لقد مات منذ 30 او 40 سنة لكنه لا يمكنه من التفسخ: اي ذكراه وارثه العلمي يظل باقياً لا يموت. ثم وصل شخص اخر ملفت للنظر: الشخص هنا يمثل فكرة ل كارل يونغ نفسه. قوي البنية: فكرة قوية وراسخة. يرتدي درعا مصفرا: ولكنه يشكك في فكرته. يبدو صلبا وملغزا ولا يمكن لشئ ان يبهره: لان الفكرة جات بما لم تأت به الاوائل اذا لاشئ سيعلى عليها. كان يضع على ظهره صليبا مالطيا احمرا قالوا لي انه موجود منذ القرن الثاني عشر: يحمل معه خبرات السابقين. وكل يوم بين الساعة ال 12 وال 1 يسلك الطريق نفسه: اي كل يوم وفي وضح النهار يمارس نفس نشاطه عن الفكرة ذاتها. لم يستغرب احد وجود هذين الطيفين: شئ طبيعي الا يستغرب عامة الناس شئ ليس من اهتماماتهم. ولكني استغربت كثيرا: لذلك جاء الحلم ينبهه.ولأوجزت المدى بعد ذلك وشرعت أسرّ إليه بأن الحلم يلوح له بوقوعه على أعتاب تغيير جذري في بنيانه الفكري، تغيير ستحيا به أفكاره ما عاشت البشرية، ويكون خيطه الأول انفصاله الوشيك عن رفيق دربه وصديقه عالم الطب النفسي سيغموند فرويد.
حيث لم يمضِ أقل من عام حتى تجسد في واقع الأيام ما لم يكن في حسبان يونغ الظاهر، وإن كان ماثلاً في عمق وعيه الضمني؛ إذ انقطعت العروة بين كارل وسيغموند، ليشق يونغ طريقه الخاص ويؤسس مدرسته المسماة بعلم النفس التحليلي، مستهلاً اكتشافاته بكتابة الكتاب الأحمر ونظريته في اللاوعي الجمعي، ومستنفداً مسيرته الفكرية بالتزامن ليضع حجر الأساس لما يزال قائماً ومؤثراً إلى يومنا هذا.
لم يكن حلم يونغ قمعياً ولا محيراً كما توهم عقله، بل كان بياناً ساطعاً وإرشاداً لطيفاً؛ حلماً ألهمه الحقيقة دون أن يصدم بها عاطفته، حيث مارس عليه عقله خدعة صغيرة ليمرر له ما تخفيه الايام غير أن غشاوة النفس حالت بينه وبين سماع صوت حلمه الخافت، فتركته لشروده.
الحلم مقتبس من كتاب "الكتاب الأحمر" للكاتب كارل يونغ
Keep up with AMB
Choose site notifications, email, or both. Guests can subscribe by email without an account.
Report this article
Tell our review team about a problem with this content. Your details will not be shown to the author or other readers.
Your report could not be sent. Please try again later.
Sign in to report an article

Discussion
comments (0)
Share a perspective. Start a thoughtful conversation.
please login to be able to comment