في هذا المقال

سِرُّ المَاءِ في مِرْآةِ المَنَام
لو سألتَ مُعبِّراً قديماً عن أعصى الرموز على الحصر، لأشار إلى الماء. هو يأخذ شكل الإناء الذي يُصبُّ فيه، ويأخذ معناه من القلب الذي يراه. فهو علمٌ يُحيي العقول عند قوم، وإيمانٌ يُحيي القلوب عند آخرين، ورزقٌ وولدٌ عند غيرهم، وكلها وجوه لأصل واحد: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: 30]. فإذا جاءك الماء في منامك فاسأل نفسك: ما الذي يرويني، وما الذي يُظمئني؟ فهو رسالةٌ خفية تمسّ مادة حياتك وجوهر استمرارك.
فمن شرب من نبعٍ صافٍ فقد دنا من طمأنينة طال انتظارها: استقرارٌ يروي عطش سنين، وشفاءٌ للمريض، ونورٌ في صدر طالب العلم. وقد يرى الطالب، والامتحان على الأبواب، أنه يرتشف من بئرٍ باردة، فيستيقظ وفي صدره سَعة، كأن الفهم رسا بعد اضطراب.
أما إذا تعكّر الماء، فأهل التعبير يقرؤونه خلطاً بين الحلال والحرام، أو همّاً يعكّر صفو العيش. وإذا هاج وصار سيلاً يجرف ما يلقاه، فهو قهرُ سلطانٍ أو فتنةٌ عامة تتجاوز الرائي إلى من حوله. ومن ذلك التاجر الذي رأى السيل يعبر سوقه ويقتحم دكانه، فكان المنام نذيراً بتقلبات قد تعصف بتجارته إن لم يحتط لها.
ثم إن الرائي في الحلم فاعلٌ لا شاهد، وفعله جزء من التأويل. فالاغتسال بالماء البارد براءةٌ من ذنب، أو نجاةٌ من ضيق، أو قضاءُ دَين أثقل الكاهل، وفي القرآن: ﴿هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: 42]. والمشي على الماء دون بلل يقينٌ عالٍ وعبورٌ سالم للمخاطر، وكأن صاحبه محصَّنٌ ببصيرةٍ تحميه من الغرق. وللغرق وجهان لا يلتبسان: أحدهما غرقٌ مع اختناق وظلمة، كمن يرى أن السلاسل تلتف حول قدميه في بحرٍ مظلم، وهو تذكرة بالعودة قبل فوات الأوان؛ والآخر غرقٌ هادئ في بحر واسع، وهو انغماسٌ في علمٍ أو فنٍّ حتى الإتقان، ذوبانٌ في النجاح لا هلاكٌ في الفشل.
وللماء في عصرنا صورٌ لم يعرفها الأقدمون، لكن أصول القراءة تتسع لها. فالقارورة المختومة رزقٌ محدد محفوظ، يأتي لغاية ثم ينقضي. ومن أهدى غيره قارورة ماء في منامه فقد يكون الرزق نصيحةً نافعة تبلغ صاحبها بقدر حاجته. أما انفجار الأنابيب في جدران البيت مشاعرُ أو مشكلات فلتت من السيطرة، فإن كان الماء نظيفاً فخيرٌ يطرق الباب بغتة، وإن كان آسناً فسرٌّ مكتوم يوشك أن يظهر للعلن. ويبقى التعبير الدقيق رهناً بحال الرائي وما يشغل قلبه.
والرؤيا كالطائر المعلّق لا تستقر حتى تُعبَّر، والماء فيها مرآةٌ لما في الصدور. فلا تجعل التأويل سجناً لك، بل خذ منه إشارةً للإصلاح أو بشرى للرجاء، فرُبَّ منامٍ قصير حمل بشرى طويلة، واعلم أن مقادير الأمور بيد الله وحده، يحيي بها القلوب كما يحيي بها الأرض الهامدة بالماء.
تابع جديد AMB
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق