في هذا المقال
أَنَا انْتَظِرُكِ…
أَنَا انْتَظِرُكِ حَتَّى وَإِنْ أَطَلْتَ الغِيَابْ.
أَنَا انْتَظِرُكِ حَتَّى وَإِنْ كَثُرَ العِتَابْ.
أَنَا انْتَظِرُكِ حَتَّى وَإِنْ كَانَ انْتِظَارُكِ عَذَابْ.
أَنَا انْتَظِرُكِ حَتَّى وَإِنْ صَارَ اللِّقَاءُ سَرَابْ.
أَنَا انْتَظِرُكِ حَتَّى لَوْ كَانَ انْتِظَارُكِ.. خَرِيفاً يَلْتَهِمُ سِنِينَ العُمْرِ بِلَا حِسَابْ.
انْتَظِرُكِ... وَتِلْكَ الكَلِمَةُ لَيْسَتْ حُرُوفاً عَابِرَةً تُقَالُ فِي لَحْظَةِ شَوْقٍ، بَلْ هِيَ عَهْدٌ مَكْتُوبٌ بِنَبْضِ القَلْبِ الَّذِي يَرْفُضُ النِّسْيَانَ رُغْمَ طُولِ المَسَافَاتِ. تَمُرُّ الأَيَّامُ ثَقِيلَةً جِدّاً كَأَنَّهَا جِبَالٌ رَاسِيَةٌ تَرْبِضُ عَلَى صَدْرِي المُنْهَكِ، وَتَتَحَرَّكُ عَقَارِبُ السَّاعَةِ بِبُطْءٍ قَاتِلٍ يَبْعَثُ فِي أَعْمَاقِ النَّفْسِ الوَحْشَةَ الشَّدِيدَةَ وَالاِغْتِرَابَ المُرَّ. أَقِفُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ نَحْوَ النَّافِذَةِ المُظْلِمَةِ، أُرَاقِبُ الطُّرُقَاتِ الخَالِيَةَ تَمَاماً، وَأَبْحَثُ بِشَغَفٍ عَنْ طَيْفِكِ الرَّاحِلِ بَيْنَ ظِلَالِ العَابِرِينَ، لَكِنَّنِي لَا أَجِدُ سِوَى صَدَى صَوْتِي المَبْحُوحِ وَهُوَ يَرْتَدُّ إِلَيَّ مُحَمَّلاً بِالخَيْبَةِ وَالأَنِينِ الوَجِيعِ الَّذِي يَفُوقُ قُدْرَتِي عَلَى الاِحْتِمَالِ.
حَنِينٌ يَتَجَدَّدُ مَعَ كُلِّ مَسَاءٍ
لَقَدْ أَصْبَحَ الاِنْتِظَارُ طَقْساً يَوْمِيّاً رَاتِباً يُرَافِقُ عُزْلَتِي الدَّائِمَةَ، حَيْثُ تَتَشَابَهُ الفُصُولُ كُلُّهَا وَتَفْقِدُ الأَلْوَانُ بَهْجَتَهَا المَعْهُودَةَ فِي غِيَابِكِ الطَّوِيلِ. كَيْفَ لِلْمَسَاءِ أَنْ يَكُونَ سَاكِناً وَهَادِئاً وَهُنَاكَ حَرْبٌ طَاحِنَةٌ مُشْتَعِلَةٌ فِي دَاخِلِي؟ حَرْبٌ عَنِيفَةٌ بَيْنَ عَقْلٍ وَاقِعِيٍّ يُخْبِرُنِي أَنَّ الرَّاحِلِينَ لَا يَعُودُونَ أَبَداً، وَبَيْنَ قَلْبٍ عَنِيدٍ يَنْبِضُ بِالأَمَلِ وَيُصِرُّ عَلَى أَنَّ اللَّحْظَةَ القَادِمَةَ سَتَحْمِلُ مَعَهَا خَبَرَ الوُصُولِ المُنْتَظَرِ. العِتَابُ المَدْفُونُ بَيْنَ السُّطُورِ لَيْسَ دَلِيلاً عَلَى الكُرْهِ أَوِ الجَفَاءِ، بَلْ هُوَ صَرْخَةُ حُبٍّ خَفِيَّةٍ تَتَمَنَّى لَوْ أَنَّ الخِصَامَ يَنْتَهِي سَرِيعاً لِيَعُودَ الدِّفْءُ وَالسَّلَامُ إِلَى المَاضِي الجَمِيلِ الَّذِي كَانَ يَجْمَعُنَا مَعاً.
كُلَّمَا حَاوَلْتُ الهُرُوبَ مِنْ ذِكْرَيَاتِكِ الَّتِي تُطَارِدُنِي، وَجَدْتُ نَفْسِي أَعُودُ إِلَيْهَا طَائِعَةً مُسْتَسْلِمَةً، كَأَنَّ الخُطُوطَ وَالطُّرُقَاتِ كُلَّهَا قَدْ رُسِمَتْ بِعِنَايَةٍ لِتُؤَدِّيَ إِلَيْكِ فَقَطْ دُونَ غَيْرِكِ. الصَّمْتُ الطَّوِيلُ الَّذِي يَلُفُّ أَرْكَانَ غُرْفَتِي لَيْسَ فَرَاغاً مُطْلَقاً، بَلْ هُوَ مُمْتَلِئٌ بِكَلَامٍ طَوِيلٍ وَعَمِيقٍ كُنْتُ أَوَدُّ أَنْ أَقُولَهُ لَكِ قَبْلَ أَنْ يَمْضِيَ الوَقْتُ سَرِيعاً وَيَسْرِقَنَا الفُرَاقُ المُرُّ. أَعْلَمُ جَيِّداً أَنَّ الطَّرِيقَ إِلَيْكِ مُوحِشٌ وَمَلِيءٌ بِالمَخَاطِرِ، وَأَنَّ نِهَايَتَهُ قَدْ تَكُونُ مُجَرَّدَ وَهْمٍ أَوْ سَرَابٍ نَرْكُضُ خَلْفَهُ، لَكِنَّ العَذَابَ فِي سَبِيلِ الِانْتِظَارِ الصَّادِقِ أَجْمَلُ بِكَثِيرٍ مِنْ عَيْشِ حَيَاةٍ بَارِدَةٍ خَالِيَةٍ مِنْ المَشَاعِرِ النَّقِيَّةِ وَالعَوَاطِفِ الصَّادِقَةِ.
رِسَالَةٌ إِلَى الرُّوحِ الغَائِبَةِ
إِنَّ سِنِينَ العُمْرِ تَمْضِي مُسْرِعَةً كَالبَرْقِ، وَأَخْشَى كَثِيراً أَنْ يَأْتِيَ خَرِيفُ العُمْرِ لِيُلْقِيَ بِأَوْرَاقِ شَبَابِي النَّاضِرَةِ أَرْضاً وَأَنَا مَا زِلْتُ وَاقِفَةً أَنْتَظِرُ فِي نَفْسِ المَكَانِ الضَّيِّقِ. لَكِنَّنِي رَغْمَ هَذَا الخَوْفِ العَمِيقِ الَّذِي يَتَمَلَّكُنِي، سَأَظَلُّ مُمْسِكَةً بِحَبْلِ الأَمَلِ المَتِينِ، سَأَجْعَلُ مِنْ حُرُوفِي وَكَلِمَاتِي جِسْراً مَتِيناً يَعْبُرُ المَسَافَاتِ الشَّاسِعَةَ لِيَصِلَ إِلَى رُوحِكِ النَّقِيَّةِ أَيْنَمَا كَانَتْ فِي هَذَا الكَوْنِ الفَسِيحِ. الخَرِيفُ البَارِدُ الَّذِي يَلْتَهِمُ الأَيَّامَ وَالسِّنِينَ لَنْ يَقْدِرَ أَبَداً عَلَى إِطْفَاءِ شُعْلَةِ الحُبِّ المُرْتَجِفَةِ الَّتِي تُرْشِدُنِي نَحْوَكِ فِي كُلِّ حِينٍ.
سَأَنْتَظِرُكِ دَائِماً لِأَنَّنِي أُؤْمِنُ مِنْ أَعْمَاقِي أَنَّ النُّورَ سَيَخْتَرِقُ العَتَمَةَ الحَالِكَةَ فِي النِّهَايَةِ، وَأَنَّ قَطَرَاتِ المَطَرِ الغَزِيرَةَ سَتَسْقِي زُهُورَنَا الجَافَّةَ لِتُزْهِرَ وَتَنْمُوَ مِنْ جَدِيدٍ، حَتَّى لَوْ كَانَ هَذَا الِانْتِظَارُ الطَّوِيلُ هُوَ كُلُّ مَا أَمْلِكُهُ وَأَعِيشُ لِأَجْلِهِ فِي هَذَا العَالَمِ المَلِيءِ بِالخَيْبَاتِ الشَّدِيدَةِ.
انْتَظِرُكِ.......…

تابع جديد ريم محمود
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق