في هذا المقال
إنَّهَا الرَّابِعَةُ صَبَاحاً، وَأَنَا لَا أَزَالُ مُسْتَيْقِظَةً عَلَى أَمَلِ أَنْ يَأْتِيَ النَّوْمُ قَبْلَ أَنْ تَأْخُذَنِي أَفْكَارِي إِلَى الْهَاوِيَةِ.
لَا أَعْرِفُ لِمَاذَا أَكْتُبُ، وَلَيْسَ لَدَيَّ أَيُّ فِكْرَةٍ عَمَّا أَفْعَلُهُ، كُلُّ مَا أَعْرِفُهُ أَنِّي ضَائِعَةٌ وَأَنَا فِي وَسَطِ مَنْزِلِي وَغُرْفَتِي. لَا أُجِيدُ الْكِتَابَةَ وَالْفَصَاحَةَ، لَكِنَّ لَدَيَّ الْكَثِيرَ مِنَ الْكَلَامِ الْمَدْفُونِ فِي أَعْمَاقِ صَدْرِي، أَوَدُّ أَنْ أُخْرِجَهُ بِطَرِيقَةٍ مَا قَبْلَ أَنْ أُدْفَنَ مَعَهُ وَأَنَا حَيَّةٌ.
لَا زِلْتُ فِي السَّادِسَةَ عَشْرَةَ مِنْ عُمْرِي، لَكِنَّنِي أَفْقِدُ الْأَمَلَ مِنَ الْحَيَاةِ، أَفْقِدُ الْأَمَلَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا أَعْرِفُ السَّبَبَ. أَشْعُرُ أَنَّ عُمْرِي سَيَذْهَبُ وَأَنَا وَاقِفَةٌ أَنْظُرُ إِلَيْهِ؛ أَنْظُرُ إِلَى الْحَرِيقِ الَّذِي اشْتَعَلَ فِي صَدْرِي، وَأَشْعَلَ مَعَهُ أَيَّامِي وَأَحْلَامِي وَكُلَّ شَيْءٍ.
• زهرة شبابٍ لم تَرَ زهورها الملونة
أَتَوَقَّعُ أَنَّ هَذِهِ السِّنِينَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ أَجْمَلَ أَيَّامِ عُمْرِي، أَوْ رُبَّمَا مَا يُسَمَّى بِـ (زَهْرَةِ شَبَابِي) الَّتِي لَمْ أَرَ زُهُورَهَا الْمُلَوَّنَةَ؛ إِنَّهَا مُتَوَقِّفَةٌ عَنِ النُّمُوِّ، جَامِدَةٌ فِي مَكَانِهَا، وَكَأَنَّ أَحَداً وَضَعَ لَهَا سَمَاداً خَاطِئاً، وَأَظُنُّ أَنَّ هَذَا السَّمَادَ هُوَ الْبَشَرُ مِنْ حَوْلِي، وَالْمُجْتَمَعُ الْفَاشِلُ الَّذِي أَعِيشُ فِيهِ. هُوَ لَا يُسَمَّى مُجْتَمَعاً، أَنَا أُسَمِّيهِ "عُقْدَةً" أَوْ "حِقْبَةً"، لِأَنَّهُ يَقِفُ أَمَامَ كُلِّ شَيْءٍ؛ كُلِّ شَيْءٍ أَتَمَنَّاهُ، يَقِفُ أَمَامَ أَحْلَامِي، أَيَّامِي، أَصْوَاتِي، حَتَّى ضَحَكَاتِي بَاتَتْ مُزْعِجَةً بِالنِّسْبَةِ لَهُمْ!
هُمْ أَخْبَرُونِي يَوْماً بِأَنَّ هَذِهِ الضَّحَكَاتِ جَمِيلَةٌ وَتَزِيدُ مِنْ لُطْفِي وَمَحَبَّتِي، لَكِنَّنِي أَرَاهَا تَخْتَفِي يَوْماً بَعْدَ يَوْمٍ، لِمَاذَا؟ بِسَبَبِهِمْ هُمْ، بِسَبَبِ مَا أَرَاهُ وَمَا أَعِيشُهُ، بِسَبَبِ الْحَوَاجِزِ الَّتِي يَضَعُونَهَا فِي طَرِيقِي كُلَّمَا تَقَدَّمْتُ بِالْعُمْرِ، بِسَبَبِ تَصَرُّفَاتِهِمُ الَّتِي أَكْتَشِفُهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ جَدِيدٍ؛ لِهَذَا لَمْ أَعُدْ أَرَاهُمْ كَمَا قَبْلُ، أَصْبَحْتُ أَرَى وُجُوهَهُمُ الْحَقِيقِيَّةَ، أَرَى الْوَجْهَ الْمُتَخَفِّيَ خَلْفَ الْأَقْنِعَةِ. إِنَّهُمْ حَقّاً أَقْنِعَةٌ مُتَحَوِّلَةٌ، لَا تَرَى وُجُوهَهُمْ إِلَّا عِنْدَ الشِّدَّةِ وَعِنْدَمَا تَحْتَاجُ لِأَحَدِهِمْ.
إِنَّهُ حَدِيثٌ طَوِيلٌ، طَوِيلٌ جِدّاً، لَنْ أُكْمِلَهُ لِأَنَّهُ سَيَأْخُذُ مِنْ وَقْتِي الْكَثِيرَ وَسَيُشْعِرُكَ بِالْمَلَلِ، لِذَلِكَ سَوْفَ أُنْهِي حَدِيثِي هُنَا. لَكِنِ اعْلَمُوا أَنِّي أَنْهَيْتُ الْحَدِيثَ وَلَيْسَ الْكَلَامَ الَّذِي أَوَدُّ قَوْلَهُ، لِأَنَّهُ لَنْ يَنْتَهِيَ حَتَّى لَوْ اسْتَمْرَرْتُ فِي الْكِتَابَةِ سَنَةً كَامِلَةً؛ سَتَبْقَى زَاوِيَةٌ فِي صَدْرِي مُظْلِمَةً لَا يَعْلَمُهَا أَحَدٌ، حَتَّى أَنَا لَا أَعْرِفُ كَيْفَ أُخْرِجُهَا أَوْ أَجْعَلُ النُّورَ يَتَسَلَّلُ إِلَيْهَا لِتَنْتَهِيَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَتَتَوَقَّفَ الدَّوَّامَةُ فِي رَأْسِي، لِأَنَّنِي حَقّاً تَعِبْتُ، وَأَظُنُّ أَنَّ كَلِمَةَ "تَعِبْتُ" لَا تَصِفُ حَجْمَ مَا أَنَا فِيهِ.
لَكِنْ لَا عَلَيْكُمْ، سَأَظَلُّ أُحَاوِلُ حَتَّى تَنْبُتَ هَذِهِ الزَّهْرَةُ وَيَعُمَّ النُّورُ فِي صَدْرِي، سَأُحَاوِلُ إِحْيَاءَ الْأَمَلِ مِنْ جَدِيدٍ قَبْلَ أَنْ يَفْنَى الْعُمْرُ وَأَنَا وَاقِفَةٌ، سَأُخْمِدُ الْحَرِيقَ يَوْماً مَا، وَأَنَا وَاثِقَةٌ أَنَّ النُّورَ سَيَنْتَصِرُ فِي النِّهَايَةِ، وَتُزْهِرُ أَيَّامِي رُغْمَ كُلِّ شَيْءٍ.

تابع جديد ريم محمود
اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.
الإبلاغ عن المقال
لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.
تعذّر إرسال البلاغ الآن. حاول مرة أخرى لاحقًا.
سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش
التعليقات (0)
فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق