أموالي منصة الناشرين أموالي منصة الناشرين اكتب · انشر · نمُ
نصائح وثقافة

حين تكتب لا تعود كما كنت أبدا

لم تبدأ حكايتي مع الكتابة كحلم كبير، بل بدأت بدفتر يوميات صغير أضع فيه مشاعري، لتتحول الكلمات مع الوقت إلى رسالة وإلهام وأثر.

حين تكتب لا تعود كما كنت أبدا

حين تكتب لا تعود كما كنت أبدا

لم أبدأ الكتابة لأنني كنت أعرف أنني سأصبح كاتبة.

 

 

image about حين تكتب لا تعود كما كنت أبدا

بدأت فقط لأنني كنت أحتاج إلى مكان أضع فيه ما أشعر به.

دفتر صغير، وصفحات كانت تعرف عني أكثر مما يعرفه الآخرون. كنت أكتب يومياتي، ثم أترك بين سطورها خواطر عابرة ومشاعر لم أعرف كيف أقولها بصوتٍ مسموع.

كنت أكتب لأن الكتابة كانت تشبهني.

وحين أعود إلى تلك الصفحات اليوم، أبتسم. لم أكن أعرف أن الفتاة التي كانت تكتب مشاعرها في دفتر يومياتها كانت تكتشف، بهدوء، موهبة ستصبح يومًا جزءًا من رسالتها في الحياة.

شيئًا فشيئًا، بدأت ألاحظ أنني لا أكتب فقط لأفرغ ما بداخلي، بل أستطيع أن أضع شعورًا في كلمات، وأن أحوّل تجربة إلى معنى، وأن أكتب جملة ربما يجد فيها شخص ما شيئًا يشبهه.

حينها بدأت أفهم أن الكتابة ليست مجرد هواية بالنسبة لي، بل كانت موهبة وُلدت معي، ثم احتاجت مني أن أعتني بها.

فبدأت أقرأ أكثر. وكلما قرأت، اكتشفت كم هناك من أشياء لا أعرفها. وكلما تعلمت، أدركت أن الكاتب لا يكفيه أن يملك الكلمات، بل عليه أن يفهم الإنسان الذي يكتب إليه.

فقرأت وتعلمت وراقبت الحياة أكثر. تعلمت من الناس، من اختلافهم، من وجعهم، من صمتهم، ومن محاولاتهم. وتعلمت أن هناك أشياء لا يقولها الإنسان أحيانًا، لكن عينيه تقولانها بوضوح.

وبدأت أكتب أكثر.

ثم جاءت أولى خطواتي خارج دفتري. شاركت في كتب جماعية، وبدأت أرى اسمي مطبوعًا بين صفحات لم تعد تخصني وحدي.

كان شعورًا مختلفًا، فالكلمة التي كنت أكتبها لنفسي أصبحت تصل إلى شخص آخر.

ثم جاء اليوم الذي أصدرت فيه كتابي الأول:

«كيف تتحرر من سجون الحياة»

لم يكن مجرد كتاب بالنسبة لي، بل كان جزءًا من رحلة طويلة مع الأفكار والمشاعر والتجارب، ورسالة أردت أن أقول من خلالها للإنسان: قد تكون محاصرًا بأشياء كثيرة، لكن هذا لا يعني أن حياتك انتهت.

ثم جاء كتابي الثاني، ووجدت نفسي أخطو خطوة أخرى، وأحمل فكرة أخرى، وأترك أثرًا جديدًا.

ومع كل كتاب، لم أكن أتعلم الكتابة فقط، كنت أتعلم نفسي، وأفهم الناس أكثر، وأفهم الحياة أكثر، وأكتشف أن الإنسان أعمق بكثير من الصورة التي يظهر بها أمام الآخرين.

قد يضحك وهو يحمل شيئًا ثقيلًا في داخله، وقد يبدو قويًا بينما يحتاج فقط إلى كلمة تطمئنه، وقد يتأخر في الوصول، لا لأنه عاجز، بل لأنه كان يخوض معارك لا يراها أحد.

لهذا أصبحت الكتابة بالنسبة لي محاولة للاقتراب من الإنسان، أن أكتب شيئًا يجعله يشعر أنه مفهوم، وشيئًا يوقظ داخله قوة نسي أنها موجودة، وشيئًا يقول له:

ما زال هناك طريق.

ثم بدأت أكتب كتابي الثالث. وكلما كتبت فيه، شعرت أنني لا أكتب فقط عن الأحلام، بل أكتب أيضًا عن رحلتي معها؛ عن الفكرة حين تكون صغيرة في بدايتها، وعن الخوف الذي يحاول أن يقنعنا بأننا لن نستطيع، وعن الأيام التي نتعثر فيها، وعن البدايات التي تبدو بسيطة لكنها قد تغيّر حياتنا كاملة، وعن الإنسان الذي يقرر، رغم كل شيء، أن يبدأ.

image about حين تكتب لا تعود كما كنت أبدا

ربما لهذا اخترت له اسمًا يشبه ما أؤمن به:

«ليس مستحيلاً — من فكرة إلى حياة»

لأنني تعلمت أن الأحلام لا تأتي دائمًا وهي مكتملة. أحيانًا تبدأ بجملة أو صفحة أو محاولة أو فكرة نكتبها في دفتر، ثم تكبر، ونكبر معها.

واليوم، حين أنظر إلى الطريق الذي قطعته، لا أرى فقط كتبًا صدرت أو صفحات كُتبت. أرى فتاة بدأت بدفتر يوميات، ثم اكتشفت موهبتها، ثم قرأت وتعلمت وكتبت وتعثرت وحاولت، ثم نشرت وأصدرت كتبها، ثم واصلت الحلم.

وهذا هو الشيء الذي أريد أن أقوله لكل إنسان يحمل في داخله حلمًا صغيرًا:

لا تحتقر البداية.

قد لا تعرف إلى أين ستأخذك الصفحة التي تكتبها اليوم. قد تكون الجملة التي كتبتها لنفسك يومًا هي نفسها التي تصل غدًا إلى قلب إنسان آخر، وقد يكون الشيء الذي تفعله الآن بصمت هو بداية الأثر الذي كنت تبحث عنه طوال حياتك.

أنا لم أكن أعرف، وأنا أكتب يومياتي، أنني سأصبح كاتبة ومؤلفة. ولم أكن أعرف أن بعض الكلمات التي كتبتها لنفسي ستجد طريقها يومًا إلى الآخرين.

لكنني بدأت.

وهذا كل ما احتجته.

بدأت، ثم تعلمت، ثم استمريت.

ومع الوقت، أصبح لدي حلم أكبر من مجرد إصدار الكتب. أصبح حلمي أن يكون للكلمة التي أكتبها أثر، وأن أترك خلفي شيئًا جميلًا لا ينتهي برحيلي؛ كتابًا يواصل الحديث حين أصمت، وفكرةً تمنح أحدهم شجاعة، وقصةً تجعل شخصًا يشعر أنه ليس وحده، وكلمةً تصل إلى قلب إنسان في اللحظة التي يحتاجها فيها.

لذلك، أنا لا أكتب لأملأ الصفحات.

أنا أكتب لأترك أثرًا.

وأؤمن أن الإنسان قد يرحل يومًا، لكن أثره يستطيع أن يبقى، وقد تنتهي الحياة، لكن كلمة صادقة ربما تواصل الحياة في قلب شخص آخر.

لهذا ما زلت أكتب، وما زلت أتعلم، وما زلت أقرأ، وما زلت أحلم، وما زلت أؤمن أن القادم أجمل ما دمنا نملك الشجاعة لنخطو نحوه.

وربما تكون قصتي، في النهاية، مجرد قصة فتاة بدأت بدفتر يوميات، لكنها قررت ألا تترك حلمها حبيس الصفحات.

فحوّلت الفكرة إلى كلمة، والكلمة إلى كتاب، والكتاب إلى رسالة، والرسالة إلى أثر.

وما زال الطريق ممتدًا، ولم تُكتب أجمل الصفحات بعد.

أسمهان نجيب الصلوي

كاتبة ومؤلفة | أخصائية اجتماعية

تابع جديد أسمهان نجيب الصلوي

اختر إشعارات الموقع أو البريد أو الاثنين. الزائر يقدر يشترك ببريده دون تسجيل حساب.

أعجبك المقال؟

شاركه مع من يهمه الأمر

المزيد
الإبلاغ عن المقال

لو لاحظت مشكلة في المحتوى، أرسلها لفريق المراجعة. لن تظهر بياناتك لكاتب المقال أو للقراء.

سجّل الدخول لإرسال بلاغ

النقاش

التعليقات (0)

فكرة تضيفها، أو سؤال يفتح حوارًا.

اضف تعليق
تحميل...

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق