لماذا نشعر بالقلق عندما يتجاهلنا شخص نحبه؟
لماذا نشعر بالقلق عندما يتجاهلنا شخص نحبه؟
في العلاقات العاطفية، قد يكون تغير التواصل مع شخص نحبه سببًا للشعور بالقلق والحيرة. فعندما يتوقف عن الحديث معنا، أو يتأخر في الرد، أو يصبح أقل اهتمامًا من المعتاد، قد تبدأ الأسئلة في الظهور: هل فعلت شيئًا أزعجه؟ هل تغيرت مشاعره؟ هل هناك مشكلة بيننا؟
هذا الشعور قد يكون مفهومًا، خصوصًا عندما يكون الشخص مهمًا بالنسبة إلينا. فقد تناولت أبحاث علم النفس ظاهرة التجاهل والإقصاء الاجتماعي، ووجدت أن تجاهل الإنسان أو استبعاده يمكن أن يرتبط بالضيق العاطفي وتهديد بعض الاحتياجات الاجتماعية، مثل الشعور بالانتماء والقبول.
لكن من المهم ألا نفسر كل تأخر في الرد على أنه رفض أو فقدان للحب، لأن الصمت قد تكون له أسباب كثيرة لا نعرفها.
لماذا يسبب تجاهل شخص نحبه القلق؟
عندما يكون التواصل مع شخص معين منتظمًا، يصبح تغير هذا التواصل ملحوظًا بالنسبة إلينا. فإذا اعتدنا على الرسائل والمحادثات اليومية ثم حدث صمت مفاجئ، فقد نحاول البحث عن تفسير لهذا التغير.
وهنا قد تظهر أفكار كثيرة، مثل:
هل هو غاضب مني؟
هل أخطأت في حقه؟
هل تغيرت مشاعره؟
هل يريد الابتعاد عني؟
المشكلة ليست في ظهور هذه الأسئلة بحد ذاته، وإنما في اعتبارها حقائق قبل التأكد منها.
فمثلًا، الحقيقة هي أن الشخص لم يرد منذ عدة ساعات، بينما القول: «لم يعد يحبني» هو تفسير يحتاج إلى أدلة أخرى.
لذلك، يساعد التفريق بين ما نعرفه فعلًا وما نفترضه على التعامل مع الموقف بهدوء أكبر.
التجاهل والشعور بالانتماء
توضح مراجعات علمية في علم النفس الاجتماعي أن الإقصاء أو التجاهل يمكن أن يؤثر في احتياجات نفسية مرتبطة بالانتماء وتقدير الذات والشعور بأن الإنسان مقبول لدى الآخرين. وقد وصف الباحث كيبيلينغ ويليامز هذه الاستجابات ضمن أبحاثه حول ظاهرة الإقصاء الاجتماعي.
كما وجدت مراجعة بحثية حديثة أن التجاهل والإقصاء الاجتماعي يمكن أن يرتبطا بالضيق النفسي، وأن الاستجابة تختلف من شخص إلى آخر بحسب الظروف والسياق وطبيعة التجربة.
وهذا يعني أن الشعور بالقلق عند تجاهل شخص نحبه لا يدل تلقائيًا على وجود مشكلة نفسية، بل قد يكون استجابة عاطفية لموقف يشعر فيه الإنسان بعدم وضوح ما يحدث في العلاقة.
عندما يجعلنا الغموض نفكر أكثر
من أكثر الأمور التي تجعل التجاهل مزعجًا هو غياب المعلومات.
عندما نعرف سبب ابتعاد الشخص، يصبح الموقف أوضح. أما عندما لا نعرف السبب، فقد نحاول تفسير كل تصرف صغير منه.
قد نعيد قراءة الرسائل السابقة، أو نتذكر آخر محادثة، أو نبحث عن كلمة ربما أزعجته. ومع استمرار التفكير، يمكن أن يتحول موقف بسيط وغير واضح إلى مصدر كبير للقلق.
لذلك من المفيد أن نسأل أنفسنا:
ما الذي أعرفه؟ وما الذي أستنتجه فقط؟
إذا كان الشخص لم يرد على الرسالة، فهذه حقيقة. أما اعتقادنا بأنه يريد إنهاء العلاقة، فهو مجرد احتمال ما لم تظهر أدلة أخرى.
هل كل تجاهل يعني وجود مشكلة في العلاقة؟
ليس بالضرورة.
قد يتأخر الشخص في الرد لأنه مشغول، أو متعب، أو يمر بظرف شخصي، أو يحتاج إلى بعض الوقت بعيدًا عن الهاتف. كما أن اختلاف أساليب التواصل بين الأشخاص قد يجعل أحد الطرفين يرى التأخر في الرد أمرًا عاديًا بينما يراه الطرف الآخر علامة على وجود مشكلة.
لذلك، من الأفضل عدم الحكم على العلاقة اعتمادًا على موقف واحد.
الأهم هو النظر إلى النمط المتكرر في العلاقة: هل التواصل جيد في العادة؟ هل يوجد احترام متبادل؟ هل يستطيع الطرفان الحديث عن مشاعرهما؟ وهل يحدث التجاهل بشكل عابر أم يتكرر بطريقة تؤذي أحد الطرفين؟
عندما يتحول الصمت إلى أسلوب متكرر
هناك فرق بين شخص يحتاج إلى بعض الوقت حتى يهدأ ثم يعود للحوار، وبين استخدام الصمت والتجاهل بشكل متعمد ومتكرر لمعاقبة الطرف الآخر أو الضغط عليه.
وفي عام 2026، نُشرت مراجعة منهجية في مجلة Frontiers in Psychology حللت 15 دراسة محكمة حول ما يسمى «الصمت العقابي» في العلاقات القريبة بين البالغين. ووجدت المراجعة ارتباطًا بين هذا السلوك وبين انخفاض الرضا عن العلاقة والضيق العاطفي، مع التأكيد على أن النتائج تختلف بحسب السياق وطبيعة العلاقة.
وهذا لا يعني أن كل فترة صمت تعتبر صمتًا عقابيًا؛ فالتعريف يعتمد على طبيعة السلوك وسببه وسياقه.
كيف نتعامل مع القلق عندما نتعرض للتجاهل؟
أول خطوة هي عدم التسرع في إصدار الأحكام.
إذا لم يرد الشخص، يمكن منحه بعض الوقت بدل إرسال العديد من الرسائل المتتالية أو الدخول في مواجهة مباشرة.
وبعد ذلك، يمكن فتح الحوار بطريقة هادئة، مثل:
«لاحظت أنك أصبحت أقل تواصلًا معي مؤخرًا، وأردت أن أعرف إذا كان هناك شيء يزعجك.»
هذه الطريقة تركز على ملاحظة التغير وفتح باب الحوار بدل توجيه الاتهام.
ومن المفيد أيضًا الاستمرار في ممارسة الحياة اليومية وعدم جعل انتظار الرد محور اليوم كله. يمكن قضاء الوقت مع العائلة أو الأصدقاء، أو ممارسة الهوايات، أو التركيز على العمل والدراسة.
الهدف ليس تجاهل المشاعر، وإنما عدم السماح للقلق بأن يدفعنا إلى تصرفات قد تزيد المشكلة.
لا تجعل سرعة الرد تحدد قيمتك
من المهم أن نتذكر أن قيمة الإنسان لا تتحدد بسرعة رد شخص آخر عليه.
قد يكون التأخر في التواصل مرتبطًا بظروف لا علاقة لها بالعلاقة نفسها، وقد يكون أحيانًا علامة على وجود مشكلة تحتاج إلى الحوار. لذلك لا يمكن معرفة السبب الحقيقي اعتمادًا على التأخر وحده.
وفي المقابل، إذا أصبح التجاهل متكررًا ومؤذيًا، فمن حق الطرف المتضرر أن يتحدث بوضوح عن مشاعره وما يحتاج إليه من احترام وتواصل داخل العلاقة.
متى يصبح طلب المساعدة مفيدًا؟
إذا أصبح القلق المرتبط بالعلاقات شديدًا أو مستمرًا وأثر في النوم أو العمل أو الحياة اليومية، فقد يكون من المفيد التحدث مع مختص في الصحة النفسية.
وتشير الأبحاث إلى وجود علاقة بين تجارب الإقصاء الاجتماعي وبعض الأعراض النفسية، بما فيها أعراض القلق، لكن هذه العلاقة لا تعني أن كل شخص يتعرض للتجاهل يعاني من اضطراب نفسي.
لذلك، لا يمكن تشخيص أي حالة نفسية اعتمادًا على مقال أو موقف واحد داخل علاقة.

الخاتمة
نشعر بالقلق عندما يتجاهلنا شخص نحبه لأن العلاقات القريبة ترتبط بالتواصل والانتماء والشعور بالقبول، وقد يكون تغير التواصل المفاجئ مصدرًا للغموض والضيق. وتوضح الأبحاث أن الإقصاء والتجاهل يمكن أن يؤثرا في المشاعر والاحتياجات الاجتماعية، لكن الاستجابة تختلف من شخص إلى آخر ومن موقف إلى آخر.
لذلك، لا ينبغي أن نعتبر كل تأخر في الرد دليلًا على تغير المشاعر. الأفضل هو التفريق بين الحقائق والافتراضات، ثم اختيار الحوار الهادئ عندما يصبح هناك تغير واضح أو نمط متكرر في العلاقة.
المراجع والمصادر
Williams, K. D. (2007). Ostracism. Annual Review of Psychology, 58, 425–452. DOI: 10.1146/annurev.psych.58.110405.085641. �
PubMed
Williams, K. D., & Nida, S. A. (2022). Ostracism and social exclusion: Implications for separation, social isolation, and loss. Current Opinion in Psychology, 47. DOI: 10.1016/j.copsyc.2022.101353. �
PubMed
Dubey, A. et al. (2026). Antecedents and consequences of silent treatment in close adult relationships: a systematic review. Frontiers in Psychology, 17, 1659694. DOI: 10.3389/fpsyg.2026.1659694. �
PubMed
Albath, E. A. et al. (2025). The role of depression and anxiety in experiencing and inflicting ostracism: A cross-national perspective. Journal of Affective Disorders, 380, 696–703. DOI: 10.1016/j.jad.2025.03.190. �
الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق